الرئيسية / صفحات سورية / هواجس -أقلّية- على ضفاف الثورة السورية…

هواجس -أقلّية- على ضفاف الثورة السورية…

 


فاضل الخطيب

“لا يكفي أن يكون المرء ذو عقلٍ حاذق،المهم أن يستعمله بشكل حاذق”.. اعتقاد بعض أفراد “الأقليات” أن الأكثرية “الدينية” ستمارس بعد سقوط النظام نفس أسلوب نظام العائلة ضد الأكثرية، أي شيء من الانتقام والثأر، وهذا لا يُبنى على أية حجج ومبررات، وأن بارودة ماهر الأسد هي حامية الأقليات المذهبية -وحتى لو فرضنا وجود مثل تلك السياسة عند البعض، لا يُمكن أن تكون الحلّ العقلاني، بل هو الهروب، والبندقية لم ولن تكون يوماً حامية لأيّ فئة قليلة كانت أم كبيرة. أعتقد أن هكذا سلوك هو تآمر على مستقبل أبنائنا وأحفادنا، تآمر على وحدة وطننا. لا يحمي أي إنسان إلاّ المواطنة ودولة القانون سواء كان فرداً أو منتمياً إلى مجموعة “مذهبية أو قومية أو حتى إجتماعية”، ولا يحفظ وجود وكرامة أيّ “أقلية” إلاّ دولة القانون. ومن يُفكّر بغير ذلك يكون يُطلق النار على غده ومستقبله. بعد تجربة نصف قرن من القمع وغياب دولة المؤسسات والقانون مازلنا نتكلم عن ذلك الخوف، وهذا وحده إثباتٌ أن الاحتماء بغير دولة القانون هو وهمٌ مؤقت وخداعٌ بالأمن والاستقرار، وعواقبه كبيرة، ولابد من الشجاعة في تخطي تلك “الفوبيا” التي استعملها النظام بهدف تفرقة مكونات المجتمع وبالتالي سهولة السيطرة عليه. العلمانية لا تعني قمع فئة على حساب أخرى، وتجربة دول الاتحاد السوفييتي سابقاً ولاحقاً تعطي أمثلة كثيرة، وتجربة بلدنا سواء في فترة النضال ضد الاستعمار أو في فترة خمسينيات القرن الماضي تظهر لنا وحدة وطنية ارتقت فوق الطوائف، حتى انقلاب الضباط وخاصة بعد اغتصاب الأسد للسلطة وعندها بدأ فعلياً التعامل الطائفي للنظام، والخروج من هذا السلوك أو الخوف من ردّة فعل هو بالتأكيد ليس بمتابعة سياسة نظام العائلة الإقصائي القمعي وإنما الحل في الدولة ذات المؤسسات، وخير دليل ما تطرحه شعارات الانتفاضة/الثورة من خطاب ناضج عصري يوّحد المجتمع ودون أي مؤشر غير ذلك..

يحلو للبعض الحديث عن تخوين من يدعو لتدخل عسكري أجنبي في وطننا، دون أن يذكر اسم أحد أو واقعة ما صدرت من أي فئة كانت تدعو لذلك، أي أن مسألة التدخل العسكري الأجنبي لا توجد إلاّ في مخيلة البعض والذي التقط خطاب نظام السلطة التخويني لكل معارضٍ له. رغم ذلك أكدت كل الفصائل والشخصيات المعارضة وشعارات الانتفاضة/الثورة على رفضها أي شكل للتدخل العسكري الخارجي، إلاّ أن البعض يصرّ على استجرار تلك الفزاعة إضافة لفزاعة الأخوان المسلمين، وهذا يعني أن نظام العائلة هو الأفضل رغم كل التفريط بالوطن ورغم السياسة الإقصائية التي انتهجها. ويستشهد هذا البعض الذي يريد قول “اللي بتعرفه أحلى من اللي بتتعرف عليه” وهو تعبير عن الخواء والخوف غير المبرر أنه حصلت تدخلات عسكرية في العراق مثلاً. ومن السذاجة السياسية أن يعتقد الإنسان أن ما حصل من تدخل خارجي سواء في العراق أو لبنان أو أي بلد هو بسبب طلب فئة سياسية معارضة، أي أن تدخل أمريكا في العراق لم يحدث نتيجة دعوات المعارضة العراقية آنذاك، كذلك دخول الجيش السوري إلى لبنان ليست بسبب دعوة رئيس لبنان آنذاك، وحتى داخل بلدنا لم يدخل الجيش السوري درعا ويحاصرها بسبب طلب بعض أهالي درعا كما يقول خطاب النظام، بل هو بناء على حسابات الدولة أو الجهة المتدخلة. أمريكا لا تسمع لفلان أو علّان من هنا أو هناك عند قرارها التدخل في مكان ما. الدول لا تبني سياستها الخارجية اعتماداً على نصائح أفراد معارضة من أي لونٍ كانت..

يبني بعض أبناء محافظة السويداء –حيث يعيش دروز سوريا- توقعاته المستقبلية البديلة للنظام على فرضيات بدون حجج ومنطق لاستشفاف حدوثها، لكن الأكيد أن الماضي يثبت غير ذلك، يؤكد على لحمة وطنية رائعة جمعتنا مع كل مكونات الوطن، ولو لم يأتِ الأسد لكانت علاقتنا أكثر ودية ومتانة وحضارية مع كل المكونات السورية. علينا الوقوف بشجاعة وتوضيح ما هو غير واضح للبعض بصراحة وبدون أوهام. نحن بحاجة لوقفة ذاتية وتقييم علاقتنا مع النظام بكل صراحة وجرأة. نحن والمعذرة على التعبير “كدروز” أكثر ما تضررنا من نظام وسياسة الأسد – التفريط بالجولان، اغتيال جنبلاط، تعذيب سليم حاطوم حتى الموت وكان صديق حافظ الأسد ثم اغتيال ابن سليم حاطوم تخوفاً من ثأره لدم أبيه، ولم نتحدث عن اغتيالات خصومه ومعارضيه السياسيين من الأقليات وبينهم من “طائفته” أيضاً، وهذا يؤكد لنا خيانة الأسد لرفاقه وغدره لمنافسيه السياسيين والعسكريين، تهميش الجبل وسرقة آثاره، تشويه تاريخنا وثقافته ونبله…إلخ. إضافة للقهر والقمع والإذلال والتهجير والإفقار الذي نعانيه أسوة بباقي أخوتنا في الوطن. مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي فيها أدلة حضارية على التعايش المشترك لكل مكونات المجتمع في ظل دولة القانون والتعددية. نحن نعيش هنا في سوريا، وهمومنا هي جزء من الهمّ السوري العام، ونستطيع بخطابنا كبح كثير من المتطرفين. نحن مصيرنا ووجودنا ومستقبل أحفادنا مرتبط مع المكونات السورية الأخرى وليس مع العائلة الفاسدة الدموية، هذا قدرنا، ولا هروب منه، ولا أحد يحمينا، ولا تكون حمايتنا بقمع غيرنا، علينا إيجاد اللغة الذكية والتعامل المقبول، وحتى لو نظرنا من ناحية “براغماتية ونفعية بحتة” نرى أن الأسد لا يستطيع حماية نفسه فكيف يكون حامي الأقليات؟ وتخوّف البعض بعد “احتمائه” بسلطة الأسد نصف قرن لم يُغيّر من خوفه شيئاً، لأنه غير موجود إلاّ في مخيلته وفي بعض الأصوات الشاذة القليلة جداً. العار أن يكون الأسد هو سدنا ضد فتاوى اللحيدان! هل الاحتماء خلف جزاري حماه وتدمر وصيدنايا وبطل الجولان ومجرمي قتل الانتفاضة ومحاصري حوران ومجوعي أهله-أقول هل الشهامة والكرامة تقول بتبرير أو دعم أو حتى السكوت عن هذا النظام الساقط؟..

فاضل الخطيب، 1 / 5 / 2011.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...