الرئيسية / صفحات الرأي / هويات فائضة وديموقراطيات مهدّدة

هويات فائضة وديموقراطيات مهدّدة


محمد الحدّاد

لا شيء يقطع بأن الربيع العربي سيكون ديموقراطياً. فلئن جاءت شعاراته الأولى تبشّر بالحرية، فإن تطورات الأحداث تتجه إلى تهميش المطلب الديموقراطي على حساب قضايا أخرى، ولذلك أسباب تختلف من بلد إلى آخر. وتعتبر بعض القوى أنها ديموقراطية لأنها وصلت إلى السلطة بفضل الانتخابات، وهذا أمر لا يمكن التشكيك فيه، بيد أن السؤال يظلّ قائماً حول قدرتها على المضي إلى أبعد من الجانب الإجرائي في الديموقراطية والانتقال إلى تطبيق المضمون نفسه، أي الفصل بين السلطات وفسح المجال للتناوب على الحكم بين تيارات مختلفة (وليس بين أشخاص ينتمون إلى التيار نفسه) والاحترام الكامل للأقليات وضمان حرية التعبير والالتزام بحقوق الإنسان الأساسية… الخ.

لكن الحقيقة أن هذا السؤال عينه كان سيطرح أيضاً لو انتصر تيار آخر غير التيار الصحوي. فليس هناك ضامن حقيقي بأن الأحزاب ذات الأصول الماركسية أو القومية قد أصبحت ديموقراطية، وهي التي تحمل وراءها تبعات تجارب شمولية فظيعة.

والمحصلة أن الديموقراطية تظل نبتة ضعيفة في مجتمعات عاشت الاستبداد على مدى قرون، فإما أن يتعهدها المجتمع بالرعاية كي تنمو شيئاً فشيئاً أو أنها ستضمر سريعاً. وليس هناك طرف واحد يمكن أن ينصّب نفسه وصياً على المستقبل الديموقراطي لمجتمع معين. فما زالت الديموقراطية تبحث عن الديموقراطيين، وقد يفل نجمها قبل أن تعثر على هؤلاء.

ما يبدو مقلقاً في الوضع الحالي ليس الفوز الذي يحققه التيار الصحوي، فهذا الأمر كان متوقعاً وهو مفهوم على أكثر من صعيد. المقلق هو انهيار توازن القوى بين التيار الصحوي ومعارضيه، فكأن الربيع العربي يتجه إلى فرض عالم القطب الأوحد واستعادة وضعية الحزب الواحد المهيمن والأحزاب الأخرى الهامشية التي تحيا على ما يجود به عليها. هذا الوضع يهدّد بجمود سياسي قد يستمرّ طويلاً وينزلق إلى استبداد جديد. فضمان الديموقراطية ليس النية الطيبة لدى هذا الطرف أو ذاك وإنما هو وضع التدافع الذي يحصل في المجتمع بوجود عدّة تيارات متقاربة القوة تمنع بعضها بعضاً من الاستفراد بالحكم وتسمح بالتداول عليه. وليس من المنطقي أن نلقي اللوم على الفائزين، بل الجدير بالمنهزمين أن يعيدوا ترتيب بيوتهم وتجديد خطاباتهم وأساليب عملهم.

ضمــــان الديموقراطية أن يوجد تياران أو أكثر يتداولان على الحكم، فليس هناك ديموقراطية في العالم إلا وهي تعمل في هذا الشكل، مثل التناوب بين الديموقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة، وبين اليميــــن واليســـار في فرنسا، وبين الاشتراكيين والمسيحيين الديموقراطيين في ألمانيا، وهكذا دواليك. وضمانهـــــا أيضاً أن يستقلّ المجتمع نسبياً عن الطبقة السياسية، فالمواطنون ليسوا مضطرين أن يغيروا عاداتهــــم وأفكارهـــــم وأذواقهم وطرق عيشهم ولباسهم مع كل موعد انتخابي. للمجتمع أن يحظى بحيويته الخاصة وللأفراد أن يتمتعوا بحرياتهم الشخصية وينبغي أن يكـــــون الدور السياسي في المجتمع دوراً تعديلياً لا دوراً توجيهــــياً أبويّاً، لا سيما أن نجاح الثوـــرات العربية قد قـــدّم الدليــــل على نضج المواطن، فلا يحــتاج إلى وصاية، والأخلاق غير القانون، فلا تتحوّل الأخلاق إلى قانون إلا إذا كانت مخالفتها مضرّة بالآخرين. ووظيفة القانون إدارة الشأن العام وليس التحكم في الأخلاق الفردية.

ويدفع استقراء تاريخ الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر إلى الترجيح بأن تيارين رئيسيين مؤهلان اليوم ليكونا الطرفين الرئيسيين في التداول الديموقراطي إذا ما سارت الأمور في اتجاه دمقرطة حقيقية للمجتمعات العربية. هناك التيار الصحوي (اقترح اعتماد هذا المصطلح بديلاً من كلمة إسلامي كي لا نخلط بين الانتماءين السياسي والديني) الذي يضع الهوية في مركز الاهتمام ويبشر بالصحوة التي تعيد الى الأمة أمجادها بعد الانحطاط أو الهزيمة أو كليهما. وهو لا يرفض الحداثة لكنه يعتبرها تجربة جاءت من الخارج يمكن اقتباس بعض عناصرها لا غير. وهناك التيار الحداثي الذي يعتبر الحداثة تجربة إنسانية ليست مرتبطة بمجال جغرافي أو مرحلة تاريخية معينة، وإنما هي تراكم للتجارب البشرية وقد أصبحت أفقاً مشتركاً بين البشر. وهو لا يرفض الهوية لكنه يعتبرها سيرورة تتفاعل مع تطورات التجارب والتأويلات والاجتهادات، وهي مقترنة بحرية الأفراد لا تفرض بقوّة الدولة أو ضغط الغالبية أو جبروت التقليد.

وقد أنتج الخطاب الصحوي شططاً مذموماً أدّى إلى التطرف الديني وتكفير البشر وممارسة الإرهاب والإجرام بحق المرأة التي هي نصف المجتمع. وأنتج الخطاب الحداثي شططاً مذموماً أدّى إلى التغريب والاستئصالية والاستخفاف بالذات وبالمخزون الحضاري ومساندة الديكتاتوريات أحياناً. فلو تخلّص كل تيار من جناحه المتطرف وقاومه مقاومة صادقة لأمكن المجتمع أن يحافظ على وسطيته وتنوعه في آن واحد. فالوسطية ليست أن يزعم تيار واحد أنه يمثلها، وإلا عدنا إلى وضع الحزب الواحد والرأي الواحد وأقمنا ولاية الفقيه السنّي.

وإذا كان المطلوب من المجتمع السياسي أن يسعى إلى تأكيد الفروقات بين تياراته كي تتحقق التعددية، من دون أن ينفي ذلك وجود توافقات حول القضايا الكبرى وأهمها قضية الديموقراطية ذاتها، فإن المجتمع المدني يمكن أن يضطلع بدور مدّ الجسور بين هذه التيارات لإنشاء مصطلحية مشتركة تعمّق الوفاق. فالكثير من المعارك قد يكون قائماً على سوء تفاهم متبادل، وعندما يفتح الحوار خارج ضغط المطلبية السياسية المباشرة والتنافس على المناصب فقد يوفر فرصاً أفضل لتحقيق المطلوب.

قد تكون هذه أفكاراً حالمة، وقد يأتي المستقبل في شكل بشع: منافسات سياسية قائمة على قضايا عقائدية وانتماءات مذهبية، أو تفكك تام للمجتمعات والأوطان، أو نظام جديد من الديكتاتورية… الخ. ربما. لكنني سأظل أدافع عن الحداثة النقدية التي كانت محور كتاباتي منذ عشرين سنة، في وجه الحداثة الاستئصالية البائسة التي كانت إحدى مآسينا، وسأظل أمدّ جسور الحوار مع المنفتحين من الصحويين كي نتجه نحو الإصلاح الديني بدل الشعبوية الدينية. والحلم قد يتحقّق يوماً.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...