الرئيسية / صفحات الثقافة / هيّا هيّا… لا تُسرفوا في الوداع/ عبد السلام حلوم

هيّا هيّا… لا تُسرفوا في الوداع/ عبد السلام حلوم

 

 

 

الحرب

 

قالوا: هما يومان

هيّا أسرعوا

لا تلمّوا الغسيل المنشور على الحبال

سنرجع قبل أن يَيبسَ

ولا داعي لسقي أصص الورد

ولا لترتيب الأسرّة ولعب الأطفال

ولا لرشّ الممرّ بمبيد الحشرات

ولا لشدّ الستائر على الشبابيك

 

ولا لتغطية المزهريّات في غرفة الضيوف ولا لفصل ساعة الكهرباء أو ربط جرّة الغاز

ولا لجلي فناجين السهرة أو رفع الصابونة إلى مطرحها فوق المغسلة

ولا لأن تغلقوا صفحاتكم على «الفيس» أو قناة «الجزيرة»

هيّا لا تُسرفوا في وداع الجيران

لا توصّوا بشيء

قميصٌ واحد يكفي

ربطة خبز، قنّينة زيت وعلبة حليب

عجّلوا

لا تأخذوا معكم أمشاطاً أو شفرات حلاقة أو معجون أسنان أو مكواة

دعوا كتب المدرسة مفتوحة والدفاتر

سيلحّق الأولاد تحضيرهم ولن يأخذوا أصفاراً في الامتحان الأخير

قولوا للنسوة يخففن من البكاء، حتّى لا ترتخي الإصبع التي على الزناد

ارفعوا الرأس عالياً، حتّى لا تقلّ هيبتكم في عيون الآخرين

ردّوا الباب رداً بلا طقةٍ واحدة في القفل

ولا تمسحوا الغبار عن نحاسية الاسم المعلّق على عنقه

لا تنفضوا المَداسَ أمامه

ومسموحٌ في الحرب

أن تعطّلوا دعاء الخروج من المنزل

وتقتضي العجلة أن تستبدلوا بالوضوء التيمّمَ بعد حين

في تراب أرض الله الواسعة

هيّا هيّا انزلوا درجتين درجتين

واذهبوا

الشمس في ظهوركم ولا تتركوا للظلال أن تمسك بأقدامكم

واسوا بعضكم: النبيّ هاجرَ، المؤمن منصابٌ والصبرُ بلسمٌ

ولا تلتفتوا إلى وراء إلى مكانٍ تعودون إليه بعد برهة معزّزين مكرّمين

هيّا هيّا

وحدهنّ العجائز أسرعْنَ يهززْنَ برؤوسهن، كأنما كنّ أحسسْنَ أنّها «طويلةٌ»

فقد جهّزن منذ أوّل جمعة

بين قطن المخدة التي لن يتخلَّيْنَ عنها دفاتر العائلة وسندات التمليك

وفرطْنَ في الصُّرر بين حبّات التين اليابس أطواق العقيق وسلاسل الفضّة

وفتلن أمّات الألف في دككِ سراويلهنّ

وهناك بين الأثداءِ مصاحفُ صغيرةٌ من الذهب ومفاتيحْ.

 

البيت

 

لو كنتُ أعرف أنّه هكذا بلمحةٍ سينهار

كنت تركته هناك مائلاً قليلاً في المنظر الطبيعي

إلى اليسار من دفتر الرسم

أسفل جبلين يحتضنان شمساً غاربة ورفّ طيور سودْ

له شبّاك وبابٌ خشبٌ

أمامه فرسٌ وحذاء ولد صغير

وسروتان

ونهرٌ وأربع بطّات سابحات فيهْ

أو تركته مكعباً من حصى

يتربّع على تنكة عتيقة تحت ظلّ التينة العجوز

يستريح على سطحه النّحل قبل أن يسرح في العراء

أو يلوذ به الجرو الجريح الذي عذّبناه حتى نسي النُّباح

أو تركته لا أكثرَ من حفرةٍ في صخرة

نقشتْهُ لي الأمطار الجوعانة

فقد كنت أضع لها حفنة من الحنطة المسلوقة كلّ عصر

أو تركتُه الأوّل في قرية ساحرة من طين حنون

كنت سأسقفها كلّها بريش العصافير العالق في الشوك

وأطوّبها لأوّل بنت توافق أن تمنحَهُ عائلةً من ألعابها

أو تركتُهُ محاولةً فاشلة من عيدان الكبريت

كان كلّما كاد أن يكتمل، استعارت واحداً أمّي

أو ظلّ غرفة لعبٍ من اسفنجٍ عتيق

أو صورة سوداء لدار فسيحة

ينهض أمامي

كلّ مرّة يلاحقني بها النحسُ

في العالق من البرغل المحروق في قعر الطنجرة

أو ظلّ ببالي فكرة، مجرّد فكرة

تكبر معي كحصّتي من الوهم

أما كنتُ استرحتُ من تأمّل هذا السقف

وأنا أستغرب كيف له أن يُرفع هكذا بلا حيطان!؟

* شاعر سوري

 

الأخبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...