وإذا نزل النبي…

حسان عباس

 الطفل “محمد القطاع” تلفّظ، في لحظة حنق، بعبارة لم يقبل بها بعض من ينصبون أنفسهم حراساً على الحياة. فاقتادوه إلى جحر يقررون فيه أحكامهم، ثم ارتأوا أن يجعلوا منه عبرة لأهل الحي فقاموا بإعدامه، أمام عيونهم، رمياً بالرصاص.

على الرغم من هول الجرائم التي ترتكب كل يوم في سوريا. لا يجدر بنا اعتبار القضية عادية والسكوت عنها امتثالاً لدعوات بعضهم بعدم جواز انتقاد الثورة، أو رضوخاً للذريعة المكررة بأن الثورات لا يقوم بها الملائكة وأن الأخطاء الفردية فيها لا تستحق أن نعيرها اهتماماً زائداً. فالقضية مركّبة وتحمل مستويات عدة يحتاج كل منها الوقوف عنده والتفكير فيه.

 ففي مستوى أول هناك عصابة من ثلاثة أشخاص حاولت ممارسة سلطة على الطفل بائع الشاي ليقدم لها سلعة تريد الحصول عليها دون مقابل. لم يمنح أي اتفاق، أو حتى مساومة، هذه العصابة الحق في ممارسة أي سلطة اجتماعية. وحده السلاح الأعمى هو الذي حوّل أعضاء العصابة إلى متنفذين متوهمين أنهم أصحاب سطوة من دون العالَمين.

 وهناك في مستوى ثان عملية اعتقال اعتباطية لطفل لمجرد تلفظه بجملة لا يمكن أن تفسّر إلا كردة فعلِ مراهقٍ استنجد بإرثه الثقافي دفاعا عن الكرامة كما يفهمها الشباب في هذه المرحلة العمرية. “إذا ينزل النبي ما بدينك”، تركيب الجملة لا يترك مكانا للشك في أن الطفل كان قد أسقط في يده برفضه الرضوخ لطلب العصابة فلجأ إلى استحضار المقدس (نزول النبي) كوسيلة للحماية.

 وهناك في مستوى ثالث سلطة شرعية نصّبت نفسها بنفسها، لم تنل صلاحياتها من أي مصدر مجتمعي أو مواطني أو سياسي أو إداري. سلطة، لا حق أصلاً في وجودها، تمنح نفسها الحق في محاكمة الناس، ضاربة عرض الحائط بأصول المحاكمات، حتى كما يفترضها الشرع الذي يتظللون بعباءته. وهناك في مستوى رابع إطلاق حكم بالإعدام، والأنكى من ذلك، على طفل، والأنكى من ذلك لأمر ظنوا أنه جرم، أو بدا لهم كذلك. ولنفترض أن ما فعله كان جرما. هل ثمة في الشريعة كلمة تستحق أن يجازى ناطقها بالقتل؟ ألا بئس هذه الشريعة إذن. ليس قتل “محمد القطاع” أمرا عاديا. إنه جريمة كبيرة، وربما لا يشبهها في السنتين الماضيتين سوى جريمة قتل الطفل “حمزة الخطيب” في بداية انطلاق الثورة. فهما، “الجريمتان” تشتركان بأكثر من نقطة.

 فكلا الطفلين، “القطاع” و”الخطيب”، مراهق نطق كلاما يعبّر فيه عن عنفوان المراهقين ورفضهم لما يعتبرونه امتهانا لكرامتهم. لقد انطلقت الثورة بكاملها انتصارا لكرامة الناس، وليس لاستبدال استبداد مؤسس باستبداد همجي. وكلا الطفلين ضحية لعنف أعمى، لا يردعه عقل، ولا تقوده سوى الرغبة في بسط السلطة والغطرسة المتباهية بالقوة. وكلا الطفلين استخدم قاتلوهما جريمتهم لتمكين سيطرتهم على المجتمع، فقتلهما لم يكن بهدف التخلص منهما فحسب وإنما في أدواة الجريمة، أي تحويلها إلى أداة ترهيب ترسّخ الخوف في المحيط الاجتماعي الذي تم تنفيذها فيه.

 تمثل جريمتا قتل الخطيب والقطاع لحظتين مفصليتين في تاريخ الثورة السورية. صحيح أن جريمة قتل الخطيب لم تكن الشرارة التي أطلقت الثورة، لكنها كانت الحدث الذي حرّك قسماً من الكتلة الصامتة من السوريين ضد النظام، أما جريمة قتل القطاع فإنها مؤهلة بامتياز لتكون الحدث الذي سيحرّك قسماً من الكتلة المعارضة لصالح تقويم مسار الثورة؟

 وأخيراً، لقد قال محمد القطاع لعصابة القتلة باسم الغيرة على الدين ورموزه: “إذا ينزل النبي، ما بدينك”، وبودنا أن نقول لهم: “وإذا ينزل النبي لن نسامحكم”، ثم ليته ينزل النبي ليرى ما تفعلون، ولا شك أنه عندها سيأتي بمعجزة تخلص سوريا، والإنسانية، منكم ومن شروركم المرتكبة، زوراً وبهتاناً، باسم النبي وهو منكم براء.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...