الرئيسية / صفحات العالم / والآن… جاء دور “الجوزة الصلبة”، سوريا!

والآن… جاء دور “الجوزة الصلبة”، سوريا!

 


سليم نصار

يراهن النظام السوري على اهمية دوره في المنطقة، وعلى تردد واشنطن في معاملته، وعلى صداقة روسيا والصين في مجلس الأمن. وقد حذرت روسيا الولايات المتحدة من ان قواعدها في تركيا وقبرص والعراق ستكون هدفا لصواريخ سورية.

منذ شهرين تقريباً، باشر المتظاهرون في سوريا تحدياتهم من أجل كسر “الجوزة الصلبة”.

وكان هنري كيسينجر أول من اطلق هذا الوصف على سوريا، كونها اتعبته بمواقفها المتصلبة اثناء المحادثات التي اجراها مع الرئيس حافظ الاسد، بدءاً من 15 كانون الأول 1973 حتى 29 أيار 1974.

وقد استغرقت تلك المحادثات المتقطعة 130 ساعة من النقاش المضني خلال 13 جلسة اختتمت بحضور الرئيس ريتشارد نيكسون.

وفي الحديث الذي اجريته مع نيكسون عقب استقالته من الرئاسة بسبب فضيحة “ووترغيت”، لمّح الى دور وزير خارجيته كيسينجر في نسف التقدم الذي احرزه مع الأسد. وقال ان الرئيس السوري وافق على قبول القرارين 242 و338 مشترطاً انسحاب اسرائيل الى حدود ما قبل حرب 1967 وتنفيذ كامل الحقوق الفلسطينية.

وبما ان هذا الحل لم يكن ملائماً لاسرائيل، لذلك تولى كيسينجر مهمة تخريب عملية المتابعة بواسطة الصحافيين بوب وودوارد وكارل بيرنستين.

بعد مرور 37 سنة تقريباً على ذلك التعهد الاميركي، ظلت سياسة سوريا الخارجية تتأرجح في علاقاتها الدولية بين واشنطن وموسكو. وقد احتفظت بتعاطيها المتوازن عقب انهيار المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي. لذلك جرى تصنيفها كدولة معارضة للنظام العالمي القائم مثل كوبا وكوريا الشمالية. وقد اضطر الوريث بشار الاسد للمحافظة على هذا الخط السياسي الجامد، الأمر الذي عمّق تحالفه مع ايران وفنزويلا. ومع انه يعرف جيداً اهمية الدور الاميركي في صنع سلام الشرق الاوسط، إلا انه حاول اعطاء اوروبا وتركيا والبرازيل هامشاً وسيعاً من حرية التعاطي في شؤون المنطقة.

وقبل وصول بنيامين نتنياهو الى الحكم، كادت الوساطة التركية تصل مع سلفه ايهود اولمرت الى تجديد المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وسوريا. ويبدو ان ظروف تلك المرحلة لم تكن تسمح لرئيس وزراء اسرائيل بإعلان تعهده الانسحاب الكامل من الجولان. خصوصاً ان بشار الاسد حرص على وضع هذا المبدأ كشرط مسبق لأي خطوة تفاوضية. ثم تبين لاحقاً ان دمشق هي الأخرى غير مستعدة للتخلي عن المعسكر المتطرف الذي يخدم وضعها الداخلي. لذلك ايدت في قمة بيروت 2002 مبادرة السلام العربية… ثم تراجعت عن هذا الموقف بعد الاعتداء على غزة. وهكذا استمرت في إحياء هذه اللعبة المزدوجة الى ان ادركها “التسونامي” الذي ضرب العالم العربي.

يستدل من التصريح الذي ادلى به الرئيس بشار الاسد اثر هرب الرئيس التونسي وتنازل الرئيس المصري، انه مقتنع بأن سوريا محصنة ضد الزلازل السياسية. وربما تصوّر ان القائد الممسك بعنان جيش موال واستخبارات قوية، يصعب على الشارع إزاحته عن الكرسي. وفي الحالين، أزاح الشارع الغاضب في تونس ومصر، رئيسين يعتمدان كلياً على الجيش والاستخبارات.

وفي تحليل آخر، يرى بعضهم ان النظام السوري يراهن على أهمية دوره في المنطقة، وعلى تردد واشنطن في معاملته كما عاملت الرئيس الليبي معمر القذافي. اي بتحريض مجلس الامن على اتخاذ عقوبات عسكرية لحماية المدنيين من اعتداءات القوات النظامية (القرار 1973).

اضافة الى هذا الرادع، فإن دمشق كانت تراهن ايضاً على صداقة روسيا والصين في مجلس الأمن. وقد لبت الدولتان الدائمتا العضوية، رغبة سوريا في رفض مسودة البيان المقترح من قبل بريطانيا والمانيا وفرنسا والبرتغال. أي البيان الذي يدعو الى ادانة السلطات السورية بسبب قمع المعارضة.

وحول هذا الموضوع، اكد نائب وزير الخارجية الروسي جينادي غاتيلوف، ان الوضع في سوريا لا يشكل خطراً على السلام والأمن الدوليين… وأنه لا يجوز اتخاذ قرارات متسرعة قبل وضوح الصورة.

وقد ايدت الصين هذا التوجه على الفور. ويرى المراقبون ان موقف روسيا والصين نابع من اعتبارات عدة سياسية واقتصادية اهمها: اولا – الخوف من إضاعة صفقات بمليارات الدولارات عقدتها موسكو مع حكومات شرق أوسطية، وهي تخشى من ردود فعل سلبية يقوم بها زعماء جدد ساعدتهم الدول الغربية على الوصول الى الحكم. ثانياً – إعادة تشكيل خريطة الشرق الاوسط في غياب رؤساء يعتبرون من الاصدقاء التقليديين لروسيا والصين. ومثل هذا التغيير يؤثر على الدور السياسي الذي تقوم به هاتان الدولتان لحل قضية الشرق الاوسط.

الدول الغربية فوجئت يوم الاربعاء الماضي بالموقف المتشدد الذي وقفه الرئيس دميتري ميدفيديف عندما اعلن رفضه استخدام القوة العسكرية ضد السلطات السورية. وهو حالياً يمهّد الأجواء لاستضافة وفد من المعارضة الليبية بعدما وافق القذافي على الإذعان لقرارات مجلس الأمن. ويشير هذا التوجه الى رغبة موسكو في حماية مصالحها بعدما وقّعت عقوداً بمليارات الدولارات في مجالات التسلح والطاقة والبنية التحتية.

القيادة الروسية دعمت موقفها المؤيد للسلطة السورية بتحذير الولايات المتحدة من ان قواعدها في تركيا وقبرص والعراق، ستكون هدفاً لصواريخ سورية. وبخلاف القذافي الذي سلم صواريخه البعيدة المدى مع مخزون السلاح النووي، فإن سوريا بقيت محتفظة بأكبر كمية من صواريخ “سكود” مع ما يرافقها من سلاح بيولوجي. وهي في الوقت ذاته تعتمد على ترسانة “حزب الله” الصاروخية اذا ما اضطرتها الظروف الى خوض حرب إقليمية.

ولكن التحذيرات الروسية لم تردع الاتحاد الأوروبي عن فرض حظر على ثلاثة عشر مسؤولا بينهم ثلاثة من عائلة الأسد. وقد شملت القائمة رموز النظام من الذين اعتبرتهم فرنسا وبريطانيا والمانيا متورطين في قمع المتظاهرين. وقد نال رامي مخلوف، ابن خال الأسد ورئيس شركة “سيريتل” للهاتف الجوال، الحصة الكبرى من قرار العقوبات نظراً الى ضخامة المحفظة الاقتصادية التي يملكها.

ومن المؤكد أن التصريح الملتبس الذي أدلى به مخلوف لصحيفة “نيويورك تايمز”، قد شجع المعارضة السورية على استغلاله للإيحاء بأن اسرائيل لا تريد تغيير النظام القائم لمصلحة نظام سلفي شبيه بالنظام الايراني. قال حرفياً: “لن يكون هناك استقرار في اسرائيل، اذا لم يكن هناك استقرار في سوريا”.

وكان من المنطقي أن يسارع سفير سوريا في واشنطن عماد مصطفى الى اعلان تبرؤ الدولة من هذا الكلام لأن مخلوف لا يتولى أي منصب رسمي. ولكن هذا التفسير او التبرير لم يمنع أصوات المعارضة من إثارة الشكوك حول تصريح يحمل معاني عدة. منهم من قال ان كلام مخلوف يحذر من مخاطر إشعال حرب في المنطقة تنهي الهدوء المخيم على مرتفعات الجولان. ومنهم من قال ان سقوط النظام القائم منذ اكثر من أربعين سنة، سيشجع ايران على احياء فرص المواجهة المتواصلة ضد اسرائيل بواسطة “حزب الله” و”حماس” والانتفاضة.

والمرجح ان رامي مخلوف كان يحذر ادارة أوباما من التمادي في ممارسة ضغوط سياسية – اقتصادية داعمة لموقف الاتحاد الأوروبي. وان على اسرائيل التدخل مع واشنطن لمنع تغيير جذري في سوريا لن يكون في مصلحة الاستقرار والسلام في المنطقة. خصوصا بعدما قررت موسكو إحياء الحرب الباردة في الشرق الأوسط.

ومع ان اليونان والبرتغال وقبرص رفضت إدراج اسم الرئيس بشار في قائمة العقوبات الاوروبية، إلا ان المرسوم الرئاسي الذي اصدره باراك أوباما يوم الأربعاء الماضي، فاجأ حتى الرئيس الفرنسي ساركوزي. وينص المرسوم على فرض عقوبات على الرئيس بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع ورئيس الوزراء عادل سفر وأربعة من الوزراء، اضافة الى اثنين من قادة الحرس الثوري الايراني بسبب دورهما في قمع الاحتجاجات.

ويُستخلص من هذا التحول الأميركي المفاجىء أن أوباما لم يعد يفرّق بين النظام ورئيسه، وأن الولايات المتحدة ستعلن حرباً سياسية ضد روسيا المدافعة عن الأنظمة العربية الصديقة مثل ليبيا وسوريا. وهذا معناه توظيف كل الأسلحة المتاحة لدى سوريا، لإرباك النفوذ الأميركي في المنطقة، وتصنيف المحتجين والمتظاهرين في عداد العملاء والمأجورين والمستحقين غضب النظام وقنابله المميتة!

لهذه الأسباب وسواها سيتأثر الوضع الداخلي اللبناني بمجريات الأحداث التي امتدت الى منطقة عكار ومدينة طرابلس مع مئات الجرحى والمشردين. كما يتأثر الوضع السياسي الذي اعتمد على سوريا في حل مشكلة الفراغ الحكومي وتسهيل مهمة نجيب ميقاتي بحسب الوعد الذي أعطاه بشار الأسد. علماً بأن الأحداث الدامية في سوريا قد شغلت رئيسها عن كل أمر آخر. وعليه يرى المراقبون أن حكومة ميقاتي – لا فرق أكانت تكنوقراطية أم إنقاذية أم اتحادية – لن تبصر النور في ظل الأجواء السياسية القاتمة، وهذا معناه ان “حزب الله” سيتخذ قراراً جريئاً لحفظ نفوذه ومكاسبه على الأرض، بدلا من استخدام العماد ميشال عون واجهة إعلامية لرفع سقف المطالب المتعذرة التنفيذ. ويعترف زعماء 14 آذار ان فرصة التدخل السوري قد فاتت، وأن دمشق تفضل وضع الورقة اللبنانية على طاولة المفاوضات مع واشنطن، بدلا من تقديمها مجانا لتشكيل حكومة يصعب ان  تحكم!

 

(كاتب وصحافي لبناني)

النهار

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...