صفحات الثقافة

وامعتصماه/ صقر أبو فخر

 

 

يروي نجاة قصاب حسن أنه دخل، مرة، على فارس الخوري، فرآه يَعُدُّ أعواد الثقاب في علبة كبريت سورية، ليرى هل يتطابق عدد الأعواد في داخل العلبة مع ما هو مكتوب على غلافها

(40 عودًا)؛ فقد كان الصدق لديه أمرًا مهمًا جدًا. وفارس الخوري هو الذي كتب عنه الصحافي الفلسطيني، محمد علي الطاهر، في سنة 1956 قائلًا: “لولا النقطة في اسمه لصار رئيسًا لسورية”، أي لو أن اسم عائلته الحوري، مثلًا، أو الجوري (أي مسلم) لاختاره الشعب، بلا تردد، رئيسًا للجمهورية.

الصدق على المستوى السلوكي يعرفه جميع الفتيان، منذ دروس الأخلاق في المرحلة الابتدائية. ويبدو أن جميع تلك الدروس لم يكن لديها التأثير الملموس في النفوس. أما على المستوى المعرفي، فالمسألة تختلف جذريًا؛ فجميع خطايا المسلمين، على سبيل المثال، حُمِّلت لعبد الله بن سبأ، ولم يأتِ البرهان القاطع على وجود هذا الشخص قط، وربما اختلقه المؤرخ والمحدِّث، سيف بن عمر، الذي ذكر حروبًا لم تقع، وصنع أبطالًا من قبيلته، مثل القعقاع بن عمرو، وابتدع لكل بطل قصة، حتى أنه نظم قصائد في الفخر والحماسة والهجاء والوصف، ووضعها على ألسنة أولئك الأبطال، وتحدث عن معاهداتٍ واتفاقاتٍ، عقدها أبطاله مع أهالي الأمصار المفتوحة، مما لم يقع شيء منه.

كيف نصدّق، اليوم، قصة فتح عمورية (امرأة في عمورية تصرخ “وامعتصماه”، فتصل الصرخة إلى بغداد، فينتخي المعتصم، ويجرد حملة يفتح بها عمورية) إذا علمنا أن ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” يؤرخ للمعتصم كالتالي: “هو ثامن الخلفاء العباسيين، وفتح ثمانية فتوحات، وأقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وولد سنة ثمان ومائة في شعبان وهو الشهر الثامن، وتوفي وله ثمان وأربعون سنة، وخلّف ثمانية بنين وثماني بنات، ودخل بغداد في سنة ثمانية عشر ومئتين، بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة بعد موت أخيه المأمون”.

محرقة طارق بن زياد، بدورها، غير صادقة، بل هي حكاية شاعت، وخطبته البليغة بالعربية وضعها المؤرخون على لسانه، وهو مولى بربري، حديث العهد بالعربية. وتبين، في ما بعد، أن طارق لم يفتح الأندلس، وأن الفتح العربي جرى على نحو مغاير للمرويات العربية الشائعة. وحتى حكاية “شفيقة ومتولي” المصرية التي تحولت أفلامًا ومواويل وأغاني لا علاقة لها بالحقائق التاريخية، بل تندرج في حقل الأدب الشعبي الذي يخترع أبطالًا على غرار “متولي”، كضرورة لتكوين الجماعات وصوغ هويتها. وكل ما في الأمر أن متولي كان خفيرًا في بور سعيد، وهربت أخته “بخيتة” (شفيقة في الحكاية) التي كانت تصاب بنوبات هياج، وهامت في الشوارع. وعرف متولي أن نساء داعرات أشفقن عليها وآوينها، فذهب إليها وكان يحمل خنجره الميري، وعندما شاهدته تجمدت من الخوف وماتت. وكي يقال إنه غسل عاره، راح يطعنها وهي ميتة. وفي فلسطين، سرت حكايات “أبو جلدة” (أحمد حمد الحمود)، والعرميط (صالح أحمد)، سريان النار في القصب اليابس، وجعلت المخيلة الشعبية منهما أبطالًا ومناضلين ضد الاستعمار، وهما ليسا كذلك على الإطلاق.

… الشائع أن الصحافي هو “مؤرخ اللحظة”، لكن الصحافي يكون، أحيانًا، مثل رجل الاستخبارات: يستورد الحقائق ويصدِّر الأكاذيب. لذلك، لم نكن نصدّق أبواق السلطات العربية المستبدة، حتى لو قالت الحقيقة، لأننا تعودنا عليها، وهي تُطلع النجوم في عز الظهيرة، والويل لمن لا يصدق. أما اليوم، فما عدنا نصدق أحدًا، لا السلطات ولا المعارضات. كيف سيقرأ من يأتي بعدنا حوادث هذه الأيام إذًا؟ ربما تصبح الأكاذيب الجارية في أفواه السياسيين العرب والقادة العرب والصحافيين العرب مصادر لمؤرخي المستقبل. فيا للهول!

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى