الرئيسية / صفحات الثقافة / وجهي يؤلمني يا مارك زوكربرغ!

وجهي يؤلمني يا مارك زوكربرغ!

 

    روجيه عوطة

إلى هناء جابر، صديقتي بلا مزدوجين

عام 2009، تغلبتُ على وحدتي بالدخول إلى الـ”فايسبوك”. عام 2012، عدت وتغلبتُ عليها، بالخروج منه. أمضيت عمري الـ”فايسبوكي”، البالغ أربع سنوات، بين وحدتين، فاقداً أدنى شروط الحضور الواقعي، كالجسم والزمن، فضلاً عن الإجتماع التصادقي المباشر والفعلي بكل مستوياته.

في مملكة مارك زوكربرغ، أمضيت عمراً من تنزيل الصور وتبديلها، وكتابة “الستاتوسات” ونشر الفيديوات، جامعاً “الأصدقاء”، ومعجباً بالصفحات ومنضمّاً إلى المجموعات. علّقتُ وناقشتُ ووزعت الـ”لايك” على ما ينشره الأصدقاء في “بروفايلاتهم”، حتى جاء اليوم الذي أقفلتُ فيه حسابي الـ”فايسبوكي”، وانتحرت افتراضياً، مستردّاً وجهي من “كتاب الوجه”. وقتها، اكتشفتُ أن وجهي يتألم، ويتسبب لي بأوجاع اجتماعية، على خلاف حالي الصحية السليمة في عالم الإفتراض. كان الـ”فايسبوك” قد هرَّم وجهي قطعاً صورية صغيرة، وعندما غادرته، أخذتها معي وحرت في تركيبها من جديد.

بعد فترة، اتضحت أجزاء وجهوية معينة من سيرتي الـ”فايسبوكية”، فحاولتُ أن أركّب بعض المقاطع من عمري الإفتراضي، محدِّداً أطرافه ومُظهراً تبدلاته، كي أصل في النهاية إلى ماهية حضوري داخل ماكينة الوجوه. لقد كنت “صديقاً”، فأصبحت “متلصصاً”، ثم “شهيداً”، في سياق افتراضي فسيح وغير تراتبي. لكنه، في الوقت عينه، سياق صوَري ومحكوم بإيديولوجيا التقنية.

الصديق وقت الـ”تلييك”

سمح لي الـ”فايسبوك” أن أجمع الكثير من “الأصدقاء” في القائمة المخصصة لهم. عدد قليل منهم انتقل من الإفتراض إلى الواقع كي يصبح من أصدقائي الحقيقيين. لكن “سِفر الوجه” لا يشجع على هذا الإنتقال، لأن علة انتشاره بيننا هو التفسخات التي أدركت الفضاءات العلائقية الحديثة، في مقدّمها فضاء الصداقة، ذات المعايير المبهمة والمقاييس الغامضة. في الأرض الزرقاء، كل الأشخاص “أصدقاء”، حتى الخصوم والأعداء واقعياً، يتحوّلون بالكبس على الأزرار والنقر على الخانات إلكترونية إلى “أصدقاء” إفتراضيين، تتحكم بهم وظائف وآليات محددة، كالتفاعل والمراقبة وغيرهما.

تتساوى الصداقة والمعلومة داخل الـ”فايسبوك”، إذ يتوافر “الأصدقاء” بغزارة في وصفهم معلومات وأرقاماً إلكترونية، ما يوهم بانكسار الوحدة التي يحياها معظمنا في العالم الحديث. لكن الوفرة التصادقية لا تعني تحقّق الصداقة فعلياً، ومن الضروري أن لا تتحقق كي لا يفقد الـ”فايسبوك” قيمته الإتصالية، وتقتصر خدماته الإفتراضية على تأمين المعلومات. لا علاقة بين غزارة الأصدقاء والصداقة داخل الموقع الأزرق، كما أن كثرة المعلومات لا تتيح، في أغلب الأحيان، القبض على الحقيقة أو التمييز بين الأخبار الصحيحة والملفقة.

المحرّكات الأولية في الفضاء التصادقي هي المقارنة من جهة، والإمتثال من جهة أخرى. يفرض الـ”فايسبوك” على مشتركيه متابعة أخبار “أصدقائهم”، والتفاعل معها من خلال التعليق والـ”تلييك” (الإعجاب). شيئاً فشيئاً، تغدو وسائل التفاعل أهم من غاية التصادق نفسها، بحيث تستوي العلاقة بين “الأصدقاء” على أساس التعليق والإعجاب فقط.

تحدد الوسيلة قيمة “الصداقة” الـ”فايسبوكية”، وينحو “الأصدقاء” إلى المقارنة بين عدد اللايكات والتعليقات المتروكة على الستاتوسات التي كتبوها للتوّ في بروفايلاتهم الخاصة. قد تنقلب المقارنة إلى تنافس في جذب المشتركين، فيراقب المرء نسبة التفاعل مع كتابته وصوره، وانطلاقاً منها يهندس شخصيته الإفتراضية، متفاعلاً مع العدد الأكبر من “الأصدقاء”، للحصول على مكافآت التفاعل. تالياً، يمتثل إلى قوانين الـ”فايسبوك” ويخضع للصورة التي صنعها الموقع له.

بالمقارنة الإمتثالية، يقلّد المرء “أصدقاءه” ويتبع خطواتهم نفسها كي يحصل على أكبر عدد من اللايكات والتعليقات مثلهم. يزول وجهه الذاتي، ويلبس وجوه الأصدقاء، التي غالباً ما تكون متشابهة، ولاسيما أنها إنتاج الموقع الإلكتروني نفسه، بمعاييره وشروطه التماثلية.

تختزل وسائل التفاعل الـ”فايسبوكي” غاية التصادق، وهذا الإختزال ينم عن قانون الموقع الأولي، أي الإختصار. فعلى هذا التفاعل أن يتصف بالسرعة الخبرية وبالوميض الصوَري، وخصوصاً أن الموقع يتغير ويتطور بشكل مستمر ومتواصل. لا يجوز أن تكون الجُمل المكتوبة في خانة “الستاتوس” بطيئة وطويلة، بل مقتصرة على عدد محدد، كي يجري التفاعل معها بسرعة، تعليقاً وإعجاباً. أما في حال مخالفة قانون الماكينة الـ”فايسبوكية”، فيُطرد المشترك خارج الصفحة الرئيسية حيث يجتمع الأصدقاء الذين ينتقيهم الـ”فايسبوك” حصراً بحسب القوة التفاعلية التي يمتلكونها. يشترط الـ”فايسبوك” على المشترك أن يتمتع أولاً بالسرعة الإخبارية كي يصبح “صديقاً”. ثانياً، أن يخضع لإقتصاد الفعل التصادقي، أي لعرض الخبر وطلب التفاعل معه، بالتعليق والتلييك، كي لا يخسر المشترك قيمته كـ”صديق”. بالفعل، إذا قرر المرء أن لا يكون سريعاً، وغير ملتزم اقتصاد التفاعل، ينزع الـ”فايسبوك” صفة “الصديق” عنه رمزياً، من خلال عزله وتهميشه، ومنعه من الظهور على صفحات الـ”أصدقاء”.

كلما أمضى المشترك وقتاً أطول على الـ”فايسبوك”، معلّقاً ومعجباً بما ينشره المشتركون الآخرون، ارتفعت نسبة التفاعل معه، واندمج أكثر في الفضاء الإفتراضي، وانخرط في بورصة “الصداقة”، حيث الصديق وقت التعليق والتلييك. إدمان الـ”فايسبوك” هو السبيل إلى “الصداقة” التي يوفرها الموقع لمشتركيه، كمعلومة متكاثرة ومتوالدة عند اتباع الوسائل التفاعلية المتاحة، فيستحيل التفاعل ضرباً من الوهم، والصداقة نوعاً من المتاجرة أو المقايضة.

البصبصة وجهاً ضد وجه

تنحرف “الصداقة” الـ”فايسبوكية” إلى نوع آخر من التقابل الوجهوي. بدل أن يتعادل المشتركون وجهاً لوجه، بدون أن يخضعوا لاقتصاد العرض والطلب، يميل بعضهم إلى السيطرة على بعضهم الآخر، من خلال التلصص. عملاً بقانون القوة التفاعلية، ينصرف “الأصدقاء” إلى التجسس بعضهم على البعض، بحيث يصبح وجه كلٍّ منهم وجهاً لصوصياً، فيمضي المرء معظم وقته متلصصاً على بروفايلات الآخرين، متفرساً في وجوههم، وممعناً النظر في أخبارهم وصورهم وكلماتهم. يمارس المرء لصوصيته بدون أن يترك أثراً خلفه يدل على مروره في صفحاتهم الشخصية، كما لو أنه يخدع “الأصدقاء” وينتزع قوتهم خفيةً.

من ينصاع إلى آلية التلصص في الماكينة الـ”فايسبوكية”، تلازمه عقدة “أين الذي يحبني؟”، التي يفاقمها التنافس بين المشتركين على جمع التعليقات واللايكات. نتيجتها، يزداد الإدمان سوءاً، وتوظّف خدمات الحساب الـ”فايسبوكي” في غاية الإجابة عن استفهام وسواسي لا شفاء منه. لا يكتب المشترك أي جملة من دون الهجس برأي “المعلّق”، ولا ينشر صورة من دون الهجس بموقف “المعجب”. وإذا لم تحظ الجملة أو الصورة بعدد من التعليقات واللايكات، يمحوها أو يتخلى عنها. بسبب هاجس التفاعل، يستحيل “الأصدقاء” سلطةً على الآراء الشخصية، فلا يبدي المرء رأيه سوى إذا كان ملائماً مع رأي “الجماهير” الـ”فايسبوكية”، ولا يطرح موقفه إذا كان مختلفاً عن موقفها. ما يؤدي إلى تماهي “الأصدقاء” بآرائهم ومواقفهم وصورهم، التي غالباً ما تستحيل سطحية وجوفاء، كلما اشتد تنافسهم، واستتروا بالبصبصة. تالياً، يكون “الذي يحبني” هو الذي أبصبص عليه أكثر من الآخرين، و”الذي أحبه” هو الذي يبصبص عليَّ دائماً.

بالتلصص، يفقد الـ”فايسبوك” ديموقراطية الـ”وجهاً لوجه”، فتصبح الوجوه مضادة بعضها للبعض الآخر، أما “الصداقة” فتنقلب إلى نقيضها، أي إلى التعدي على الخصوصية. هذا الخلل ليس عارضاً، أو فردياً، متعلقاً بكيفية استخدام الموقع، بل أنه خلل بنيوي، تنتجه الماكينة الـ”فايسبوكية”، انطلاقاً من آلية الـ”لا-خصوصية” التي تستند إليها في التعامل مع المشتركين. إذ يملك الـ”فايسبوك” الصفحات الشخصية لكل مشترك، بالإضافة إلى كل المعلومات التي يتداولها فيها، كأخباره وصوره وبيوغرافيّته، ومن حقه استعمالها في كل ميدان، أو بيعها من أي جهة. من المعلوم أن الموقع يبيع المعلومات هذه من شركات تجارية في أنحاء العالم، فتستفيد منها عبر الإطلاع على اهتمامات الفرد الشرائية، وعلى أساسها تطرح منتجاتها في الأسواق، فيرتفع الطلب على بضاعتها وتحقق الأرباح.

إذاً، يتعامل الـ”فايسبوك” مع مشتركيه بأسلوب التلصص والتعدي على المعلومات الشخصية، ويشترط عليهم التعامل بالأسلوب نفسه، كي يبقوا “أصدقاء”، وكل واحد منهم يملك قوة تفاعلية، يحصل عليها خلسةً. تُختصَر حياة المشترك بالمعلومات التي ينشرها على صفحته الخاصة، وتصبح عبارة عن قاعدة بيانات معلوماتية، يتداولها “الأصدقاء” وتستخدمها شركة “فايسبوك” بلا علمه. لذا، يستحيل “الصديق” سلعةً، معرضة للسرقة والتتجير، بالتوازي مع كونه موضوعاً للغش التصادقي.

على المدى البعيد، تتعارض الوظيفة اللصوصية للماكينة الـ”فايسبوكية” مع بناء العالم الافتراضي، الذي لجأ إليه الكثير من المشتركين هرباً من السلطة المعرفية الرسمية وإعلامها الأحادي. فقد وُصف الـ”فايسبوك” بـ”موقع الربيع العربي”، خصوصاً أنه ساعد المنتفضين في جميع البلدان على التواصل وترتيب تحركاتهم وتحفيز الناس على المشاركة في التظاهرات. إلا أن هذا الوصف كان “فايسبوكياً” أيضاً، لأنه اختزل الثورات بالتقنية، واختصرها بموقع واحد، مع العلم أن المواقع التواصلية الأخرى لا تقل أهمية عن “كتاب الوجه”، الـ”يوتيوب” والـ”تويتر” على وجه التحديد. بالإضافة إلى أن الوسيط التواصلي لا يحدد الهدف من استخدامه، على خلاف الحياة الـ”فايسبوكية”، حيث التفاعل يختصر الغاية، فيبقى المشتركون صوراً معلّقة في بروفايلاتهم، يثورون وينتفضون إعجاباً وتعليقاً وتلصصاً.

شهداء المقبرة الاستعراضية

بفعل المقارنة الإمتثالية، تُختصَر وجوه المشتركين بوجهٍ واحد في ماكينة الـ”فايسبوك”. بفعل رغباتنا المكبوتة من ناحية، والوظيفة الافتراضية التي ستؤديها من ناحية أخرى، يُختصَر الجسم بصورة أحادية، مجلوّة ومصقولة باستمرار. إذ لا مكان للجسم المترهل في الأرض الزرقاء، فصورتنا الشخصية دائمة الإنقباض، ولا يجوز أن تتراخى أو تتورم. لكل مشترك صورته الثابتة، التي لا يمكن الزمن أن يؤثر فيها، وخصوصاً أن الـ”فايسبوك” آلة غير زمنية، أو يقتصر الزمن فيها على وقت النشر والتفاعل فحسب.

لا يستطيع العنصر الزمني أن يخدش صورتنا، فهو مجرد ومضات غير مترابطة، لا تتمتع ببداية أو نهاية على الإطلاق. في إمكان كل شخص أن يدخل إلى الـ”فايسبوك”، يمضي عمراً غير قليل في رحابه، ثم ينسحب، مغلقاً حسابه، وعندما يعود، ستكون صورته التي تركها هي نفسها، والكلمات، التي كتبها في المرة الأخيرة، على حالها، كأنها كُتبت للتو. لذا لن يشعر بالغربة على إثر عودته من الواقع إلى الإفتراض، بل سيندمج سريعاً في “كتاب الوجه”، ويصبح واحداً من مواطني “الصداقة”.

مهما كانت طويلة المدة الزمنية، التي تفصل بين الدخول إلى الـ”فايسبوك” والخروج منه، فهي لن تؤثر في الصورة الإفتراضية، ولن تفسدها، بل ستبقى مصقولة وطازجة إلى الأبد. أما الجسم فيها، فلا تظهر عليه علامات الضعف والوهن، ليس لأن الزمن الـ”فايسبوكي” معدوم فقط، بل لأنه جسم بلا جلد، بحيث لا يحتك بأيّ شي ولا يتفاعل مع أيّ عنصر آخر. كما أن أعضاء هذا الجسم متفرقة، لا يجمعها أو يلفها غطاء جلدي، فلا تجد الأمراض مساحةً تترك آثار الخور عليها، سالخةً إياها عن هيكلها.

الصورة الـ”فايسبوكية” مضادة للموت، والجسم فيها لا يتألم مطلقاً. يحتاج الوجع إلى حيز كي يتمدد داخله، ويطلب الموت من الجسم ثبوتاً مكانياً كي يقبض عليه وينال منه. هذه الشروط غير متوافرة في الـ”فايسبوك”، إذ أن الصورة تُسكِن جسمها في مكان افتراضي، لا يمكن الموت أو الأوجاع أن يتسللا إليه. حتى لو استطاع الموت الإنسلال والوصول إلى هذا المكان، فسيفقد قيمته مباشرةً، لأن الجسم لن يتحرك أو يُخرج صوتاً يدل على فقدانه الحياة. اللغة التي تتكلم بها الصورة الـ”فايسبوكية” لا يفهمها سوى “الأصدقاء”، الذين يسكنون المكان نفسه، كما لو أنهم شهداء يعيشون بين الواقع والإفتراض، بين أجسامهم المتحللة وصورتهم النضرة، المعلقة في الصفحات الشخصية.

المكان الذي يسكنه الجسم داخل الـ”فايسبوك”، مهندَس ومدروس بدقة. لا يتسع لجسمين على سبيل المثال، لذا تشبه الصورة الجسمية أرضاً منبسطة، لا تلال فيها ولا مرتفعات وانتفاخات. لكن مساحتها محددة، لأن المكان الإفتراضي شبيه بتابوت مفصّل بحسب مقاس الجثة التي ستُترك داخله. وعندما تُجمَع توابيت “الأصدقاء” في فضاء واحد، يستحيل الـ”فايسبوك” برّاداً للموتى، أو مقبرة استعراضية، حيث تستعرض الأجسام المحنطة مفاتنها، على الرغم من موتها.

في هذه المقبرة الإستعراضية، لا صورة تزول ولا جسم يتحلل، خصوصاً إذا التزم المرء مكانه وانصاع لقانون التحنيط الإفتراضي، فلا ينتفخ أو يتورم. يطرد الـ”فايسبوك” كل جسم سمين أو مترهل إلى خارجه. السمنة بالنسبة إلى هذه الماكينة اعتداء على أمكنتها المهندسة، وتجاوز للمهام والوظائف التي حددتها مسبقاً. مهما انتفخ بطن المستخدم الواقعي للـ”فايسبوك”، نتيجة جلوسه لساعات أمام الشاشة بلا إتيان حركة، يبقى جسمه الإفتراضي متماسكاً وممشوقاً.

بالخفة والهدوء، تحافظ أجسامنا على قيمتها الإفتراضية، مثيرةً “الأصدقاء”، ومتفاعلةً معهم، بلا احتكاك غير صوري، فالتصادق على الـ”فايسبوك” مثل التفرج على واجهة محل الأزياء، والتفرس في وجه المانيكان، صاحبة الرأس البلاستيكي المقطوع.

Deactivate

في السياق عينه، تحولتُ في الفترة الأخيرة من عمري الـ”فايسبوكي” إلى مجرد صورة، “تصادق” كأنها تستعرض سلعة أو منتجاً ما. كما أنني أصبحتُ كائناً آلياً، يمضي وقته الإفتراضي متنقلاً بين بروفايل شخصي وآخر، موزعاً التعليقات والـ”لايك” على “ستاتوسات” الآخرين وصورهم. في أحيان كثيرة، كنت أوزع من دون قراءة ما نشره “الأصدقاء” على جدرانهم الإلكترونية.

منعني إدماني الـ”فايسبوكي” من مزاولة أي عمل آخر غير ضجري. على خلاف ما كنت عليه في المراحل الأولى من حياتي الإفتراضية، حيث كنت أتفاعل مع الآخرين بدقة، بدأتُ أجمع الأخبار والمعلومات حول مواضيع كثيرة، لا أعرف متى أستخدمها، وكيف وأين. وضعتها كلها في ملفّ خاص، احتفظتُ به طويلاً، حتى جاء اليوم، الذي تخلصتُ فيه من هذه المعلومات المتكدسة في لابتوبي. كنت أجمع المعلومات و”الأصدقاء”، وأكدس الأسماء والصور الجديدة في قائمة “الصداقة”، محاولاً الإحاطة بأنواع الإهتمامات والأحداث والأخبار. كان ضجري فظيعاً، ووحدتي ضخمة جداً، ما جعلني أبحث عن وجوه كثيرة، أغلق بها الحفرة الواسعة داخلي.

أتاح لي “كتاب الوجه” مساحة كتابية مهممة، إذ نشرت في بروفايلي الشخصي القصائد والنصوص والصور وغيرها. لكنني كدت أفقد في النهاية وجهي الخاص، أي ذاتيتي. بدل أن أكتب انطلاقاً من رغباتي، كنت على وشك الكتابة من أجل الآخرين، المختزلين إلى “تعليق” و”لايك” فحسب. نتيجة الخسارة المحتملة، فضلتُ الإنقطاع عن الـ”فايسبوك” لفترة زمنية طويلة، تخللها بعض الإستثناءات، ولاسيما عند وقوع أحداث مهمة في البلاد، ما كان يعيدني إلى المملكة الزرقاء لأعبّر عن موقفي ببعض الكلمات، ثم أرجع إلى غيبوبتي الواقعية، بعيداً من ضوضاء مارك زوكربرغ.

في المرة الأخيرة، التي عدت فيها إلى الـ”فايسبوك”، سألتني إحدى صديقاتي: “أين كنت؟ بماذا أنت مشغول؟”، فأجبتها بأنني أقفلت حسابي في “كتاب القناع”، كي أقطب وجهي في الخفاء، وهذا ما أفعله الآن يا أصدقائي في الـ”فايسبوك”!

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...