الرئيسية / صفحات الثقافة / وداعاً خوان بانيويلوس

وداعاً خوان بانيويلوس

 

 

ترجمة وتقديم: خالد الريسوني

في المكسيك العاصمة، رحل الشاعر المكسيكي خوان بانيويلوس (Juan Bañuelos) قبل أيام قليلة، عن أربعة وثمانين عاماً. رحل التشياباسي (نسبة إلى ولاية تشياباس حيث ولد) الذي كان -كما وصفه الشاعر خوان خليمان- “يعبر الواقع بعيون قديمة لكنها راهنية وحاضرة، حيث يحدث هذا اللقاء بين واقعين وزمانين عبر الألغاز، فـ “اللغز يحاكي الإنسان”، حسب بانيويلوس، وكلمته تعانق الطبيعة لتحوّلها إلى طفولة وتعيدها إلى المكان الذي لا أحد يستطيع أن يبصقه”.

يقول خليمان “هنا تطلّ الدهشة، حين يؤسّس بانيويلوس أسطورته الشخصية مع الأساطير الجماعية للماضي وفي مادته غير القابلة للاختزال يعثر على التماعات الآتي. إنه كما يرغب أن يكون، ماء للجميع لا ينضب أبداً. صُوَرُه تمتلك وجهاً ينبثق للتو من التراب، وتعيش من خلالها حالة ثابتة من الإعجاب والدهشة والذهول. يرتعش في هذه الصفحات إصغاء أخلاقي لصراعات ومعارك الروح وعلى الأخص للغز الإنساني. خوان بانيويلوس لا يمضي إلى الشعب، هو من هنالك شعبٌ، في تواضعه وتألّقه، قادم من الاستغلال والجوع والفقر، ومن كل ذلك يعرف كيف يستمدُّ الجمال والأمل”.

يعتبر بانيويلوس (1932-2017) من الأصوات المميزة والبارزة في المشهد الشعري المكسيكي، ولطالما اعتبره البعض صوت المحرومين لأنه كان يدافع باستماتة عن قضايا المحرومين من السكّان الأصليين، خصوصاً في الإقليم الذي انتمى إليه بكل جوارحه إذ كان يلقّب بالشاعر التشياباسي نظراً إلى تبنيه وتمثّله والتزامه بقضايا السكان الأصليين لتشياباس من الناحية السياسية وتعبيره عنها شعرياً.

وقد برز ذلك بشكل واضح في دعمه للتمرد الثاباتي الذي تزعمه القائد ماركوس على رأس حركة الجيش الثاباتي للتحرير الوطني، فقد تم اختيار الشاعر بانيويلوس عضواً في اللجنة الوطنية للوساطة بين الحكومة والحركة التمردية، ومن الناحية الشعرية ارتبط اسم بانيويلوس بجماعة شعرية مندمجة ضمت خمسة شعراء مكسيكيين هم: أوسكار أوليفا، وإيراكليو ثيبيدا، وخايمي أوغوستو شيلي، وخايمي لاباستيدا، وكان هو الاسم الخامس الذي يكمل العقد.

انطلقت هذه الجماعة سنة 1960 من خلال إصدارها لعمل شعري جماعي ضمّ خمس مجموعات لهؤلاء الشعراء تحت عنوان بارز: “السنبلة المتمردة”، واشتمل على “أبواب العالم” لخوان بانيويلوس، و”الصوت المثلوم” لأوسكار أوليفا، و”شموس الليل” لإيراكليو ثيبيدا و”العجلة والصدى” لخايمي أوغوستو شيلي، و”الانحدار” لخايمي لاباستيدا.

كما برز الشاعر، الذي درس في كلية الحقوق وكلية الفلسفة والآداب وكلية العلوم الاجتماعية التابعة للجامعة الوطنية المستقلة للمكسيك، من خلال مساهمته في تأسيس المجمع الأدبي لتشياباس، وتنسيقه لعدة ورشات شعرية في الجامعة الوطنية المستقلة للمكسيك وفي جامعات غيريرو وكيريتارو وسينالوا وتشياباس.

رفيق بانيويلوس في جماعة الخمسة، خايمي لاباستيدا قال عنه عندما وصله خبر رحيله: “كنا أصدقاء منذ عام 1957. كان صديقاً حميماً، ويمكنني أن أقول إنه كان أخي. نحن الذين شكّلنا جماعة السنبلة المتمردة بدأنا نرحل: في البداية رحل إيراكليو، والآن خوان، إنه لأمر جدّ مؤلم، لا أمتلك كلمات لأعبر”.

عُرف الشاعر المكسيكي بدفاعه عن قضايا السكان الأصليين في المكسيك، نال العديد من الجوائز الشعرية وترجم إلى عدة لغات، من أهم مجموعاته “أبواب العالم” (1960)، “أكتب على الجدران” (1965)، “لا ثبوت له في المحاضر” (1971)، “مصير اعتباطي” (1982)، “حيث يموت المطر” (1992)، “بخطو العشب” (2000)، “أعيش، ذاك يحدث” (2012)، صدرت أعماله الكاملة عام 2000 تحت عنوان: “البدلة التي لبستها غداً”.

 

ضدّ الزمن

لا تقُولي إنَّه البَحرُ إنْ كنتِ لا ترينَ سوى زبداً،

لا تُلْهِي عينيكِ في الأشياء العابرة.

تجاهلي إنْ كان الوقتُ ليلا؛ إن كان نهارا، ولا ترغبي

في انقلابِ الضَّباب.

إنْ كنتِ بعْدُ ما تزالينَ بجانبي، استمعي إليَّ حقّاً،

فهذا الحب ينبثقُ من جرحي الذي يتخثَّرُ

أيَّاماً، وخطواتٍ، وذكرياتٍ.

البحثُ عنا. المباغتة. أن تحِبَّ في هذا اليوم

مثل مِشْبَكٍ فوريٍّ فوقَ مِقبَضِ سيفٍ مُلتَهِب

جعلتِ اللذةُ من شفاهٍ ضَوضاءَه الشاسعَ.

كمْ هُوَ مُحزِنٌ أن تقاتلَ ضدَّ كلِّ

من يحاول أن يفصل بيننا! عشاقُ فجرٍ

على شفقٍ من اليود.

لمْ أجِبْ على شيء. لا الزمنُ الذي حين مَرَّ

دفعني مرات عديدة تجاه ذاكَ السِّياج

الذي يسمونه نسياناً، وفي العادةِ بحراً.

■■■

 

حيث يُتحدَّثُ عن الحبِّ فقط

للرِّجال والنساء

الذين ينتظرون العيش دون عزلة،

للحرباء السميك الصامت مثل ماء،

للهواء المشاكس (الهواء طائر واقع في الشرك)

للذين ينامون بينما أواصل سهري،

للمرأة الجالسة في ساحة وهي تبيع صمتها.

في النهاية، تقول بعض الأشياء الحقيقية

بلسانِ إجماعٍ عاشقٍ.

للأطفال الذين يحلمون بالفاكهة

ولأولئك الذين يغنّون أغنيات دونما كلمات في الليالي

وهم يقتسمون الموت مع الموت،

أدعوهم إلى الحياة

مثل فتى كان يهدي تفاحة،

أضرم النار في نفسي

لكي ينعموا لجيدا بأيام الشتاء هذه.

لأن امرأة تستلقي بجانبي

وأنا أحب العالم.

■■■

 

حكاية نهائية

 

لأنه ليس طبيعيا أن أشتكي،

بأن أمضي متأسيا بأصواتي

للفجر، وللطيور،

بأن ألقي كلماتي مثل أحجار.

لأنه ليس طبيعيا،

أعرف جيدًا ما قيمة

الزمن في موسم الحرث.

اليوم يعلم الجميع أنني إذا ناديتُ،

إذا صرختُ، فإني ألمسُ مِنْ كلِّ واحدٍ

البثر الأسود الذي يحمله.

(أسفل الحياة ثمَّة طعمُ

اللغة الأم، ثمة تلك الرائحة المعتمة

للرَّمادِ المُبلَّلِ)

يحدث

ما يشبه فتيل نورٍ.

استيقظ وبسلاسة

ألمسُ للفجر طفولته.

أكتفي برضى لكن المساء يأتي

ولا أقبل أن تغسل النجوم

عيني.

كيف ألمسُ النورَ بهاتين اليدين

إذا كان الهواء يشتبك معنا، والجوع يشتبك معنا

ويجعلنا نرقص، ونرقص

أهي حكاية

أفواه دُفِنَتْ

واللبلاب؟

أصهر قلبي ببروقٍ.

لا تدعوا أحدا يتأمل حزنه!

ألا تقيس الشمس الأيام؟

ألا تقيس يوم الفلاح؟

وما تكون تلك الأيام سوى شمس وشمس أكثر،

نسغا غريباً وعطشاً،

زلزالاً يبحث عن لفافته

تحت رحمة أكتوبر العنيف للأشياء؟

وأنا أمام هذا الغابِ وهذا الزمن أتحدَّثُ،

مع جُرحي الأرضيّ، المضاعفِ،

العنيفِ على نحوٍ مضاعفٍ.

أمام الرهبة أمكثُ، أيُّها الأصدقاءُ،

مثل البحرِ، حيناً،

جالساً في الرّمال.

■■■

 

جمرة عارية

هي لحظة الرغبة.

تستلقين عارية

تتمدَّدين مثل تلّة تعضّها الشمس.

أبدأ في تأملك من قدمك النائمة في الهواء،

ساقاك الدقيقتان بينما أرفع أنا عيني،

يتواعدان على اللقاء في مرفأ أسود، مُحاصَرٍ

بفحمٍ مبللٍ، فحمِ الشِّفاه،

شفاهٍ مُعترشةٍ.

في هذه اللحظة أكملُ عُمْرَ الرَّغبة

في الوجه الأشد نعومة للمساء.

تنزلق الفاكهة،

تنمو كل دقيقة، وتتضخم محترقة.

في السادسة حسب المرآة أتوغلُ فيك

مثل ضيْف يُنتظرُ في لهَفٍ،

بسيطة مثل نهر الأيَّام

أغطيك بجلدي، جلدِ الرَّجُل،

أنا اللغة التي تجري في عروقك لأحفَظ صمتَكِ،

وأقتلعُ عينيك في ألم،

وأمنحكِ ذراعين أخريين لكي أحْزِنَ الحياة،

فمِي رذاذ على نهديْك،

أخطِّطُ كاهِلَك لكي أكتُبَ اسمكِ،

بعظامي أتحدَّثُ إليكِ،

وشكواكِ الأكثرُ امتداداً حين يستمعُ الليل.

يا لها من حيوانات بشرية.

وحينما نبقى وحيدين، عاريين لما ينتهي كل شيء،

يُمطرُ برَداً الإحساسُ بأنَّ الهواءَ

قد كَشَفَنَا.

■■■

 

شَرُّ الانفصال

أنتزع الثقة

من حُنُوِّي/

تتحوّلُ

عينايَ

اصطخاباً /

أطالبُ بعِقابٍ مثاليٍّ

لكلماتي.

في الفجر

أسحبُ السُّلَّمَ

كي لا يصعد

أيُّ ضوءٍ إلى النوافذِ/

ولكي تكونَ

طيبتي

لا متبصِّرَة

مثل كلبٍ

ولكي تُمَجَّد

غرائزي

في البرك

لتتعثَّرَ الحياةُ

ويصيرَ قدمُها

الجريحُ

مبتوراً.

أنتزعُ الثقة

من دمي

ومن جنسي/

ولأسماعي

كل صوت /

في كلِّ مرة

كل ظلٍّ

كل قرنٍ

وليكن كاهلي

شَرْشفاً

مُجْدباً.

الغياب اتحاد لانهائي.

كل شيء

مُحَرَّمٌ عليَّ:

حتَّى المرارة.

■■■

 

خمرية

علَّقْتُ على شفتيها دهشة.

مثل نمر بنفسجي كانت عيناها تنزفان.

ادخرتُ الضوء تحت شعرها.

الشمس مسامرات ظلال تحت رموشها

كانت تهمهم مثل عنب في المعصرة.

أعدتُ بناء الحمّى بغتة،

وكان ثمة ما يشتعل بين جواربها.

صغيرة بأعوامها السبع عشرة

هويتُ تحت عنقها

لما تحت الجسد

كانت سفينتان هشتان

تمضيان إليها من أجل أن تغرقا.

اقــرأ أيضاً

ماذا فعلنا بوطننا يا خوسيه إيميليو

العربي الجديد

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...