الرئيسية / صفحات الثقافة / وداعا ابراهيم أصلان: ملف عن رحيله

وداعا ابراهيم أصلان: ملف عن رحيله


بوسطجي» الرواية

عبده وازن

لطالما خيّل إليّ أنّ إبراهيم أصلان هو بذاته شخصية روائية تحتاج إلى من يجعلها «بطلاً» في رواية تلائم طرائفه الشخصية ومزاجه وإيقاع حياته. فهذا الروائي الذي بدأ حياته «بوسطجياً» حمل معه، إلى عالم الرواية، اللحظات الفريدة التي عاشها متنقلاً على دراجته، في الأحياء وبين البيوت والحارات، راصداً بعينيه النبيهتين حياة الناس العاديين، في الضواحي والمدينة، ومراقباً عن كثب تفاصيل المشهد اليومي الذي لا تختلف واقعيته عن نزعته الفانتازية، الشديدة الطرافة.

جاء إبراهيم أصلان إلى عالم الرواية من الحياة نفسها، في كل ما تعني الحياة من شجون وهموم وأفراح عابرة، وليس من الدراسة والكتب. وثقافته التي ظلّت «هامشية» نظراً إلى موهبته الكبيرة، تأتت له لاحقاً، عندما راح يقرأ بنهم كبار الأدباء العرب والأجانب الذين ترجموا إلى العربية. ولم تمض أعوام على انخراطه في صفوف الكتّاب الشباب آنذاك، بعدما ساعده نجيب محفوظ على التخلّص من مهنة «ساعي البريد»، حتى راح يلمع اسمه ويبرز موقعه الذي اشتقّه بنفسه، والذي بدا منذ معالمه الأولى غاية في التفرد والبداهة. لم يبال أصلان كثيراً بما يسمى «ثقافة» ولم يشأ يومًا أن يسلك درب الكتاب الملتزمين والمناضلين والمسيّسين والأيديولوجيين.

عاش أصلان التحولات التي طرأت على الواقع المصري والعربي من بعيد ولكن كأنما هو في قلبها، تبعاً لانحيازه الدائم إلى عالم المهمشين والفقراء والمسحوقين الذين عاش بينهم وخبرهم عن قرب. وقد حمل هذا العالم إلى قصصه ورواياته، بنضارته وعفويته وبساطته، وبسحره اللامع وطرافته. وهذا ما أصرّ على تسميته «نثار الحياة»، هذا النثار الذي يختصر جوهر الحياة ووجهها الآخر، ببراءة تامة. وكم أفاد أصلان من عيشه في ضاحية «أمبابة» الشعبية، المتاخمة للقاهرة والحافلة بما لا يحصى من الحكايات والقصص والأحداث والشخصيات الجاهزة لأن تدخل عالم الرواية من بابها العريض. وظل أصلان أسير هذا العالم الهامشي بطرائفه ووقائعه حتى بعدما غادره إلى «المقطم» ضاحية الطبقة الوسطى. ويكفي استعراض شخصيات روايتيه «المالك الحزين» و»عصافير النيل» وسواهما حتى يتبدّى بوضوح هذا العالم المهمش الذي لم يغادر ذاكرة أصلان يوماً ولا مخيلته.

وفي الآونة الأخيرة كان أصلان مبهوراً بـ «الثورة» التي اندلعت وهزت الواقع المصري، على رغم تخوّفه من بضعة آثار سلبية قد تنجم عنها، وعمد إلى تدوين يوميات من هذه الثورة كما عاشها في ميدان التحرير. لكنه قال أكثر من مرة إنّ الكتابة عنها لم تحن وينبغي الانتظار قليلاً.

لم أصدّق أنّ إبراهيم أصلان كان في السابعة والسبعين عندما وافته المنية. كنت أظنّه أصغر عمراً، بل كأنني شئت أن أبقيه في الستين. فهذا الكاتب الذي يصخب طرافة وسخرية ما كان ليوحي أنّ العمر قادر على الغدر به، وما كان هو ليصدّق أنّ الشيخوخة ستطرق بابه، على رغم مرضه. كاتب ساخر في الحياة كما في الكتابة، ساخر من الحياة كما من العالم، من الأفكار الكبيرة والصغيرة…ساخر حتى الألم، حتى الأسى الذي يقلب الهزء مأساة. ساخر من شدّة ما عانى وقاسى ومن شدة ما تناسى وتجاهل وتغافل عن الإحساس المأسوي بالحياة.

أذكره جيداً بسيارته «الفولز» الخضراء القديمة، تعانده مرات وتتعطل، فيضحك ولا يشتم، بل يسخر منها مشبهاً إياها بـ «الدابة» الحرون. أذكره في إقباله الدائم على التدخين والشراب وكيف كان يتحايل على زوجته المحافظة، فيخبئ «مؤونته» في مكتبته. ومرة، عندما شاع أمر «شرش الزلوع» اللبناني الذي سبق «الفياغرا» أوصاني بأن أجيئه بما أمكنني منه، ولبّيت، لكنّ «الشرش» هذا لم يكن عند حسن ظنّه.

كان إبراهيم أصلان مقبلاً على الحياة بنهم، يألف العيش كما يطيب له أن يعيشه، ببساطة وألفة ودهشة. وكان له إيقاع خاص به، إيقاع لا هو بطيء ولا هو بالسريع أو المتسارع. كان يشعر دوماً أنّ الوقت ما زال أمامه، وأنّ هذا الوقت الصديق، لن يغدر به…

لا… يا شيخ؟!

محمد علي فرحات

يشـــاركني أصــدقاء إبراهيم أصلان بأنه يملأ حياتهم بهجة، حين يصمت سامعاً وحين يعلّق موجزاً أو يستطرد ناسجاً مشـــهداً من كلام الجـــلسة. رجل حكاية بلا حدود، بسرد محدود يكتفي بالإشارة ويترك المجال للقراء.

حين أحدثه وجهاً لوجه أو عبر الهاتف كانت لازمة كلامه: «لا يا شيخ»، مستغرباً في ما يشبه السؤال.

رجل الدهشة أمام المشاهد والأحداث والأفكار، تتخيل معه أن كائنات العالم وأشياءه جديدة كأنها خلقت للتوّ، وأنها تصلح في أي وقت لنستلهم منها الحكايات التي تدهش.

هل يفتح عينيه حيث هو الآن قائلاً: لا يا شيخ؟

إبراهيم أصلان ابن القاهرة الألفية كان يجددها في عينيه فلا يبقى شيء قديماً، من جامع السلطان حسن إلى الأهرامات. كل ما نراه جديد حين نفتح عيوننا جيداً ونصيخ السمع لأصوات الناس وحكاياتهم السائلة مثل نهر النيل، بل يمكننا أن نسمع صوت الحجر ومنحنيات الشوارع القديمة إذا أحسنّا توجيه آذاننا إلى مصادر الأصوات.

لم يكتب كل ما رأى وكل ما سمع، كان يتخير الأكثر تلاؤماً مع عاطفته وشاعريته، بل الأكثر انسجاماً مع فكره المنحاز إلى الفقراء. كان المشهد التعبيري لبيئاتهم أكثر إيحاء لديه من بيئة الأغنياء التي تشبه صوراً في مجلة أجنبية تحتاج إلى مترجم.

بذلك يبدو أصلان معلماً بالمعنى الكلاسيكي للكلمة رجوعاً إلى ما قبل السيد المسيح. ومصر التي يستهلكها السائح في أيام وحتى في أشهر، تعجز أعمار البشر في أحقابهم المتلاحقة عن استهلاكها إذا شاهدوها بعيون مثل عيني إبراهيم أصلان.

«لا… يا شيخ!؟»، تكفي الدهشة لتتفجر ينابيع الأشياء أمامنا ونكتب أقل مما يتوفر لنا أن نكتب.

وعن إبراهيم أصلان الكثير. رؤيته هو البوسطجي لبشر فارس، رائد الرمزية في الشعر العربي، وهو يتلقى الرسالة من باب بيته الموارب في حي غاردن سيتي، حيث يرى أصلان مكتبة عامرة تمتد حتى آخر الرواق. ورؤيته لرفعت الجمال (الجاسوس المصري في إسرائيل الذي سمّي في الرواية والمسلسل التلفزيوني رأفت الهجان) عند باب محله حيث يبيع راديوات وأدوات كهربائية، كان الجاسوس قبل إرساله إلى إسرائيل أنيقاً، لكن إبراهيم أصلان يفك طلسم تلك الأناقة، فالبزة وربطة العنق من قماش رخيص. إنها أناقة الفقراء.

كتب إبراهيم أصلان ما يكفي لذكره في الأدب المصري والأدب العربي، على رغم القول إنه مقل، لكن مشافهاته للأصدقاء كثيرة وتحتاج من يجمعها في كتاب. أين أنت يا شعبان يوسف يا صاحب المروءة، ودليلك المرشد الأمين عمدة القاهرة الأدبي سعيد الكفراوي؟

ابراهيم أصلان الروائي المصري الراحل شرّع أبواب السرد على ثقافة الحياة

الصائغ الذي لم أتعلم منه

> يكفي نطق اسمه لتقفز ملامحه إلى مخيلتك بشاربه الكثيف وعينيه المبحرتين في العمق وتقاطيع وسامة ملامحه وعفوية حديثه، وتعلق يده بسجارته المغروسة في فمه على الدوام. رحل هذا العملاق مسجلاً اسمه كأول الراحلين لهذا العام، وكأن العام لا يريد المضي في أيامه قبل أن يلتهم سادناً من سدنة الحرف البهي، رحل بعد أن رأى ولادة مصر التي يحبها ويعرف تفاصيلها الليلية تماماً، وحين أقول الليلية كونه كائناً ليلياً كما يصف نفسه. فأصلان يرى أن القاهرة لا تنام ولكل وقت من أوقاتها كائناتها، ولأنه عاشق لليل تجده يفتش في شوارع القاهرة عن شخصياته الليلية.

كنت مبهوراً به من خلال روايته «المالك الحزين» التي تحولت في ما بعد إلى فيلم سينمائي حمل اسم «الكيت كات»، وهو الحي الذي عاش فيه أصلان وسط مجاميع من البشر كل منهم له حكاية تلصص عليها أصلان بحرفية الفنان، كي يخرجها من واقعها إلى الواقع الفني. تكررت لقاءاتي بأصلان في القاهرة وفي مؤتمرات عدة تباعدت زمنياً، وفي كل لقاء يكون حال إبراهيم كما تركته آخر مرة، نتبادل الأحضان وكأننا لم نغب عن بعضنا إلا ليلة، فالرجل بقي على دماثة خلقه من غير أن يمسسها تحريف أو كبر. في يوم سألته عن مقدرته على اقتصاد الكلمات في أعماله الروائية والقصصية، فأجابني بأن ما تحذفه لا يستحق أن تندم عليه، فلو كان مهماً لما رضيت روح الفنان بحذفه. منه تعلمت اقتصاديات الأدب ومع ذلك لم أطبق ما تعلمت منه. رحل إبراهيم الآن وبقي متناثراً في كل شخصياته التي كتبها بحرفية صائغ الذهب.

عبده خال

القبض على المشهد السردي لحظة حدوثه

> قصة أو رواية الأديب المبدع والراحل العظيم إبراهيم أصلان، تجدد الرغبة في أن نعيش حياة أفضل بوعي أوسع، كما يكرر دائماً، هذه فلسفتها بكل بساطة وهذه رؤيتها النقدية العفوية. قدمها أصلان في كتبه السردية بكل عفوية وهدوء وجمال وعمق. هذا الفنان المبدع فعلاً، الذي تحولت القصة الإيحائية العميقة التي يكتبها، فجأة، إلى رواية، رحل، فجأة أيضاً، بعد أن ترك لنا «خلوة الغلبان» و «شيء من هذا القبيل» و«حكايات من فضل الله عثمان»، وهي كتبه الفنية الأدبية السردية العظيمة غير المصنفة التي سارت خطواتها في كل حارات القاهرة على مدى نصف قرن من الإبداع، إضافة إلى رواياته وكتبه القصصية المعروفة.

جميع كتابات إبراهيم أصلان في المقالة والقصة والرواية وحتى حكاياته الشفهية العذبة التي أمتعتنا كثيراً، كانت في المنطقة الوسطى، ما بين الرواية والقصة، أو ما بين السرد والشعر الإيحائي، أو ما بين اليقظة والحلم، دائماً إيحاءات في المنطقة الوسطى، لكنها ليست محايدة وليست مباشرة… إذ صاغ بأسلوب مختلف وعميق من المشاهد اليومية ومتاعبها ومباهجها القليلة، لحظات سردية غاية في البساطة وغاية في العمق أيضاً، ذلك حين يقوم هذا الكاتب الفنان بالقبض على المشهد السردي لحظة حدوثه فعلاً، حتى لو كانت هذه اللحظة في عمر إبراهيم أصلان، إنها محاولة القبض على الزمن، أو محاولة إيقافه ربما.

فهد العتيق

صوت متفرد

> هذا رجل معجون بطينة أرض مصر، ومية نيل مصر الزلال الطيبة، وهواء مصر، وشجرها وعصافيرها وطيبة أهلها ونخوتهم. هذا رجل مصري خالص حتى النخاع، بصدقه ونبله وصوته وابتسامته وكلمته وكرامته وإخلاصه وترفعه وقهره وثقافته وإبداعه.

إبراهيم أصلان، صوت متفرد على الساحة الإبداعية العربية في القصة والرواية، وتفرده بشخصه ومسلكه الإنساني، في هذا الزمن الفقير والملتبس، يضيف الى تفرده الإبداعي الكثير الكثير، ويجعل من فقده حادثاً مؤلماً، يمضّ في القلب. «تعلمت تكثيف اللغة في حضن الناس الغلابة». هكذا أسرني إبراهيم مرة، وأخبرني أن عمله كموظف في قسم البرقيات البريدية، وحبه لمساعدة الناس الفقراء، أبناء جلدته، جعله يطلب منهم الاختصار في كلمات البرقية، كي لا يحملهم فوق طاقتهم. وتبتسم عيناه لي، يضيف قائلاً: «اللغة تحيا بين الناس، وعلينا أن نتعلم منهم الأجمل». لأن إبراهيم أصلان ينطوي على روح كريمة، وهدف غالٍ نبيل، فلقد عاش كالنسمة، لكنه في الوقت نفسه كان يمتلك من خبرة الحياة وعمق الثقافة وسعة الاطلاع ما يجعل الحديث معه متعة، وقراءة كتبه فائدة كبيرة، وتتبع عوالمه إضافة مهمة لحياة القارئ.

طالب الرفاعي

علامة مهمة

> بالطبع أنا في غاية الحزن، وأعتقد أن وفاة الصديق الروائي الرائع إبراهيم أصلان، إحدى الخسارات الكبرى، للكتابة ولغير الكتابة، فقد كان من الشخصيات التي صنعت مجداً، وعاشت في هدوء بعيداً من الزخرفة التي تصنعها الشهرة، أعتقد أن إبراهيم كان من أكثر الناس موهبة، من نوع تلك المواهب التي يمكن قراءتها في العيون، ومنذ بداياته في «مالك الحزين» و «يوسف والرداء»، إلى كتاباته اللاحقة، مثل «وردية ليل»، و «عصافير النيل»، لم يتنازل أصلان عن ضخ الجمال في كل ما يكتب، الفكرة قد تبدو عادية، لكن قراءتها قصة لأصلان، تمنحها اللاعادية حد الإبهار. ذكاء كبير، ودرجة عالية من الثقافة، أعتبرها مثالية. أتذكر حين أهديته روايتي الأولى «كرمكول» عام ١٩٨٨، لم يحتف بي فقط، لكنه اشترى منها نسخاً عدة وزعها على قراء كثيرين، تماماً مثلما فعل محمد مستجاب. منذ شهر التقيت أصلان في الشارقة، كان جميلاً كعادته، جلسنا على شرفة فندق «ميلينيوم» لساعات، وكان عادياً في وجهه وتنفسه، لم ألحظ عليه شبهة غياب سيحدث. وكان أيضاً يمارس السخرية كما يمارسها دائماً، وأبدى انزعاجاً من مصور لإحدى المجلات التقط له عشرات الصور.

أمير تاج السر

الأرستقراطي الجميل

> هناك أشخاص يحتلّون قلوبَنا من دون أعمارهم، يدخلونها متخفّفين من كل ما يجمعهم بالآخرين، فإذا بهم حين يغادرون يباغتوننا، ولا يعزّينا قطّ أن نكتشف أنهم لم يرحلوا عنّا مبكرين.

كان إبراهيم أصلان استثنائياً، أديباً وإنساناً. هكذا كنت أنا أراه. كالخارج من كتابٍ أو من عملٍ مسرحيّ، منفرداً، دانياً ونائياً، مثلما تكون الشخصيات التي هي مزيج من الأهل ومن أبطال الحكايات. وكان من القلائل الذين يجعلون أهلَ مصر في مخيّلتي، سكّانَ عالمٍ على حدة، وناسَ معرفة وسعة وسخاء.

لم أعرف صامتاً بقدره ومتواصلاً بقدره، مُقِلاً بقدره وصائباً كريماً بقدره، سلس الابتسامة، لطيف الحزن، سمحاً وودوداً.

كأنه الأخير. لا بل هو حتماً الأخير.

وداعاً أيها الارستقراطي الجميل.

نجوى بركات

كفى موتاً يا عمّ

نبيل سليمان

للتو، أي منذ ساعات، وربما منذ أيام، وقع ما يأتي:

في مساء رطب ومنعش لواحد من أيام معرض الشارقة للكتاب، وفي بهجة اللقاء بمن فاتني لقاؤه أو لقاؤها منذ سنة أو منذ عشر، أطلّ إبراهيم أصلان وجمال الغيطاني. وسرعان ما تحلقوا وتحلّقن حولهما، ولكن بعد أن ظفرت بعناق لا يبرد الشوق. وسرعان – أيضاً – ما تصدر إبراهيم المنصّة، فعاودني ما يراودني كلما رأيته في مثل هذا الموقع والموقف: أمتلئ إشفاقاً عليه، أكاد أنده: ارحموا هذا الطير. العمّ إبراهيم ليس رجل منصّة، العم إبراهيم مثله مثل بوعلي ياسين، دعوهما للجلسة غير الرسمية في مقهى، في بيت، بلا أضواء وبلا مكبر للصوت. لكن إبراهيم كذّب وساوسي كما فعل في كل مرة شاهدته فيها يتصدر منصّة.

بلا رسميات وبلا كلفة يحدث القاعة، صوته أقرب إلى الهمس، وعلى رغم ذلك لا يخفي ما أورثه التدخين من شروخ. عينان تناديانك إلى الغور، لتتوه بين المكر والبراءة والذكاء والسذاجة والطيبة والدهاء، وقد كان جلُّ ذلك مما أشعر به لأول مرّة، كما في كل مرة، فالعم إبراهيم من أولئك البشر الذين لا تفتأ تتعرف إليهم، ليس لغموض فيهم وحسب، بل لما يكنزون في دواخلهم.

حين طُلِبَ مني التعقيب على ما أنعم به إبراهيم أصلان على القاعة الصغيرة المحتشدة، تلعثمت كما تتلعثم يدي كلما حاولت أن أكتب أو أتحدث عن كتابته أو عنه، فأكتفي بالقول: إبراهيم أصلان يقطّر الرواية التي لا تُقطّر، ويقطّر القصة التي لا تُقطّر، كما لعله يُقطّر الحياة.

* * *

للتو أيضاً، أي منذ رفّة جفن، وقع ما يأتي:

في مساء بارد ومقلق لواحد من أيام (18 و19 يناير) اصطحبني محمد زاهد زنابيلي الذي أسس دار التنوير، إلى الصين الشعبية، أي إلى حي إمبابة، وبالضبط إلى وكر – لا إلى بيت ولا إلى غرفة – هو وكر إبراهيم أصلان، حيث حشرتنا الكتب والكراسي التي ليست بكراسي، والترابيزة التي ليست ترابيزة. وعلى وقع قرقرة الشيشة والصوت المشروخ وضحكة الأعماق وذيول منع التجول ليلاً وأصداء ثورة 18 و 19 يناير… على ذلك الوقع سكن العم إبراهيم روحي، إنساناً ومبدعاً، وما همّ من بعد أن تُباعد أحياناً سنواتٌ بين لقاء ولقاء، ففي غيابه هي ذي (وردية ليل) أو (يوسف والرداء) أو (بحيرة المساء)، هي ذي قصة ليست كالقصص، أو رواية ليست كالروايات، أي قصة – حكاية أو رواية – حكايات، بل هي ذي (مالك الحزين) أو (شيء من هذا القبيل) أو (خلوة الغلبان) أو (عصافير النيل)، هي ذي (حكايات من فضل الله عثمان) فما معنى اللقاء أو الفراق يا عمّ إبراهيم؟

* * *

بين لقاء إمبابة ولقاء الشارقة أربع وثلاثون سنة. وبين لقاء الشارقة وما يســـمى موت إبراهيم أصلان أو غيابه أو رحيله أربعون يوماً، تخــللها هاتف وحيد بيـــننا. وهكذا هو الزمن مع العم إبراهيم. وما دام لا حول لي ولا طول في ذلك، فسأنصرف عن الحزن وما شـــابهه إلى غواية إبراهيم أصلان الكبرى: غواية الإبداع المقطّر، أي: عالم من النكرات، من الألســـنة، من الشفوي، من اليومي، من الهامـــش، من مصلحة البريد، من الكيت كات، من الصاعق الذي يفجّر قصّة أو رواية أو حكاية، من اللقطة الأليفة المدهــشة في آن، من هذا الذي يســـمونه بفخامة: الاقتصاد اللغوي… ولكل ما تقدم دعوني أهمس في أذن العم إبراهيم: قوم بقى وكفاية موت.

روائيون مصريون يودعون صاحب «مالك الحزين»

جمعت الشهادات: سلوى عبدالحليم

بهاء طاهر

أشعر وكأني أنا الذي مات، لذلك يصعب عليّ أن أسترسل في الكلام، كل ما يمكنني قوله الآن عن إبراهيم أصلان ما كنت دائماً أقوله له هو شخصياً كلما جمعنا لقاء: إنني أعتبره شاعر القصة القصيرة في مصر، والذي لا يُبارَى.

وأظن أن كل من لديه حس أدبي، وتذوق للنثر العربي، وقرأ أعمالاً لإبراهيم أصلان مثل: «بحيرة المساء»، و»يوسف والرداء»، و»حكايات فضل الله عثمان»، حتى تلك الصور القلمية التي كان يكتبها أخيراً في جريدة الأهرام، يستطيع أن يشعر أن ما قدَّمه أصلان نثر فريد من نوعه، والمتلقي لهذا النثر يجب أن يكون على درجة عالية من التذوق، لكي يعرف الفرق بين النثر الذي قدَّمه أصلان وغيره من النثر الذي لا يضيف إلى القارئ شيئاً من المتعة الأدبية والفنية والفكرية.

> صنع الله إبراهيم

كان صاحب لغة متميزة وحداثية، ووفاته خسارة جسيمة.

> رضوى عاشور

«رحيل زميلنا وصديقنا الكاتب الكبير والجميل إبراهيم أصلان، واحد من أبرز كتاب الرواية والقصة القصيرة في الستينات خسارة كبيرة.

ما قدَّمه أصلان، سواء في قصصه القصيرة أو رواياته الثلاث «مالك الحزين»، و«عصافير النيل»، و«حكايات فضل الله عثمان» كان وساماً وإضافة حقيقية في أسلوب كتابة النثر العربي الفصيح المشبع بإيقاعات العصر والممزوج بالأسى والضحك.

كانت جمل إبراهيم أصلان قصيرة، وكلماته محسوبة، كأنما يتوجس مما قد تحمله من أوجه أذى؛ فروايته الفريدة «مالك الحزين»، وكنموذج على نصوص وكتابات أصلان، هي صوت منفرد لعزف على آلة الكمان، يشي بمنمنمات لعمر يغتاله الفقر والقمع والهزائم، وفي الوقت نفسه عمر يتأمل الحياة منعكساً على جدول غاض ماؤه، فاستولى عليه الأسى، وظل موزعاً بين الصمت والقول الخافت الحزين. هذا ماقلته عن إبراهيم أصلان في دراسة مقارنة مكتوبة ومنشورة قبل أكثر من عشرين عاماً.

> إبراهيم عبدالمجيد

إبراهيم أصلان كان من المجددين الكبار، سواء على مستوى القصة القصيرة أو الرواية، ورغم أنه كان كاتباً مُقلاً، لكنه كان مبدعاً من طراز نادر وفريد، صاحب معمل خاص في الكتابة الأدبية، دائم البحث عن لغة خاصة، تحمل معاني جديدة وعميقة في آن، هذه اللغة تصبح وبمرور الوقت لصيقة بعمله الأدبي، وقد تجلى هذا الأمر في معظم أعماله، ومنها على سبيل المثال مجموعته القصصية «بحيرة المساء».

رحيل أصلان خسارة كبيرة للحياة الأدبية والثقافية، هو من واحد من أبرز المبدعين الذين أثروا الكتابة الأدبية، والذين تأثر بهم الكثير من الأدباء؛ لدرجة أننا نجد ظله في كثير من الكتابات التي جاءت بعده.

> محمد البساطي

«الحديث عن إبراهيم أصلان من الأمور الصعبة على نفسي الآن، وكل ما يمكنني قوله، إنه كان صديق عمر، وكاتباً لا مثيل له».

> عماد أبو غازي

إبراهيم أصلان قدَّم للثقافة المصرية وللإبداع العربي القصصي والروائي إسهاماً مميزاً وإضافة مهمة وفريدة.

رحيل جسد أصلان عنا لا يعني غيابه، لأنه باق بكل إسهاماته وإبداعاته ودوره في الثقافة المصرية، على مدى يقرب من نصف قرن…كل ما يمكني قوله وفي جملة واحدة إن إبراهيم أصلان باق بيننا لم ولن يرحل عنا.

> محمد سلماوي

رحيل إبراهيم أصلان خسارة فادحة؛ لأنه من الأعمدة الأساسية في الأدب المصري المعاصر، بعد أن تداعت أعمدة عدة بدءاً من يوسف أبو رية مروراً بمحمد عفيفي مطر وخيري شلبي … هذا الجيل من الكتاب يتداعى، وهو جيل مهم في الأدب المصري. هذا الجيل الذي تفتحت موهبته فترة السبعينات الرافض لحركة التراجع المصري التي بدأت منذ هذه الفترة حتى قيام ثورة 25 يناير مطلع العام الفائت. أصلان كان ينتمي إلى هذا الجيل الرافض، والذي عبَّر عنه الشاعر أمل دنقل في قصيدته «لا تصالح» وعبَّر عنه أصلان في روايته «مالك الحزين»

هناك أدباء أعمالهم تظل خالدة، وتكتسب حياة خاصة بها لا تزول بزوال صاحبها، ولا علاقة لها بكون الأديب موجوداً على قيد الحياة أم لا، أصلان من هؤلاء الكتاب فأعماله علامات، وقصصه القصيرة عبّرت عن الإنسان المصري وهمومه وأوجاعه ببساطة وتلقائية شديدة ودون افتعال أو إقحام لأيدولوجيات سياسية لدرجة أنها قد توهم القارئ أن كاتبها لم يبذل مجهوداً في الكتابة، لكنه السهل الممتنع.

أعمال أصلان ستظل خالدة، لكن ما سنفتقده حقيقة هو شخصه النبيل بمعنى الكلمة كان إنساناً صاحب خلق عظيم، لا أذكر أنه اغتاب أحداً أو تحدث عن زميل له في شكل جارح ولو مرة واحدة طوال حياته.

كان أصلان مثالاً نادراً في الحياة الثقافية حيث نجد انفصالاً كاملاً بين الأديب بوصفه إنساناً مرهف الحس والمشاعر وبين تصرفاته في حياته اليومية والتي قد تكون على عكس ذلك تماماً.

أديب على خلق له من النبل والشهامة ما نفتقده الآن في الحياة الثقافية. كانت إنسانيته جياشة في هدوء ودون افتعال، كان مثل نهر النيل يمضي في ثبات وعمق إلى مقصده دون ضجيج أو إزعاج.

> يوسف القعيد

إبراهيم أصلان يُلخَّص بالنسبة إليَّ مقولة «إن الكاتب هو الأسلوب» فهو لم يكن من أصحاب الكلمات أو الأساليب الرنانة أو من كتاب البلاغة العربية القديمة، لكن الأسلوب بمعنى طريقة انتقائه كلماته ووضعها بجوار بعضها والتي تجسد شخصيته ورؤيته إلى الحياة.

كان أصلان يلتقط لحظات عادية جداً من الحياة نمر بها ولا نلتفت إليها، ولا نتصور أبداً أن بداخلها إمكانات درامية صالحة لكي تكتب أو تدون أو يتم التوقف أمامها. من هذه اللحظات العابرة جداً صنع أصلان عالمه وأسلوبه وطريقته الخاصة جداً في الكتابة الأدبية.

أصلان أيضاً من الكتاب القلائل الذين لم يكتبوا حرفاً واحداً إلا عما يعرفـــونه جيداً وعاشوه جيداً بمعنى أنه لم يكن يقرأ لكي يكتب، ولم يكن يتعمد أن يعـــيش حيوات لكي يعكسها في إبداعاته، ولم يكن يتثقف لكي يعكس ثقافته في كتاباته، وكان يفصل دائماً بين القراءة والكتابة على الرغم من كونه قارئاً جيداً وكاتباً جيداً أيضاً.

يجب أن يقام لإبراهيم أصلان تمثال في مدخل حي أمبابة؛ لأنه خلَّد هذا المكان في كتاباته، ولولا أصلان ما كانت الدنيا قد عرفت هذا الكيان الذي كنا ننظر إليه دائماً بوصفه مبعثاً للمشاكل وللفتنة الطائفية ومنطقة للعشوائيات، لكن أصلان نظر إليه نظرة إنسانية وفنية وأخذ أجمل ما فيه.

أصلان دخل أمبابة ولم يبرحها أبداً على الرغم من أنه انتقل إلى العيش في حي المقطم، لكن روحه ووجدانه وكيانه كله ظل هناك معلقاً في هذا المكان الذي جعل منه إمبراطورية خاصة به، شأنه في ذلك شأن الكتاب العظام. كانت أمبابة بالنسبة إلى أصلان مثل «بطرسبرغ «بالنسبة إلى ديستوفسكي، و«موسكو» بالنسبة إلى تولستوي، و«ريف فرنسا» بالنسبة إلى فلوبير.

مَن يدبّج الرسائل ويوصلها إلى أصحابها بعد “استقالة” ابرهيم أصلان؟

البشوش المتواضع ساعي البريد كاتباً رواية المحو الأخير

ابرهيم فرغلي

كنا نجلس في مقهى “أم كلثوم” في وسط القاهرة، في ليلة باردة، أنا ومجموعة من الأصدقاء، أذكر منهم الآن كلاًّ من ياسر عبد اللطيف، وائل عبد الفتاح، ياسر إبرهيم، ونادين شمس. ثم جاء طيف إبرهيم أصلان، محمولا على سيرته، فارتفعت هالة قداسة افتراضية أعلى رؤوس الجميع، وبدأوا نغمة واحدة من الإعزاز والتقدير لأصلان وكتاباته.

الشعار المطلق المرفوع حول إبرهيم أصلان، أصابني بنفور تحفّزه فوبيا مستترة تراودني كلما شعرت بإجماع مطلق حول مبدأ أو فكرة أو شخص.

السرّ

قلت لهم إنني لا أفهم سراً لأسطورة إبرهيم أصلان هذه، وهو لم يكتب سوى ثلاثة او أربعة كتب، وكان ذلك قبل نحو اثني عشر عاماً. انبرى وائل عبد الفتاح يتحدث عن بلاغة الإيجاز، وعن المحو أكثر من الكتابة، وعن الكم والكيف، وعن أن الكاتب الحقيقي قد يكفيه كتاب واحد، وهو ما كان بديهيا بالنسبة إليَّ، لكني لم افهم كيف يكون هذا وحده مثاراً لصناعة أسطورة. وإذ شعرتُ بقصور عبارته في توضيح سر عبقرية اصلان، متشككا في أن وائل عبد الفتاح ينظِّر للكسالى الرائعين ويتحمس لهم أيا كانوا، تحول سؤالي إلى لون من الاستفزاز، مستثيراً إياهم لكي أفهم اكثر. زادت حدة العضب وارتفعت حدة النقاش، لكني أحسست في لحظة أن اليقين الكامل في أصلان أعجز الجميع عن إدارة النقاش بشكل مقنع، بالنسبة إليَّ على الأقل، تماما كما يدافع مسلم عن الإسلام من دون أي معرفة بما يدافع عنه، مع الفارق في التشبيه.

لكني بعد شهور من تلك الواقعة، قُدِّر لي أن ألتقي ابرهيم أصلان، من أجل مقابلة خاصة عن خيري شلبي الذي كنت أعدّ عنه ملفاً خاصاً بعيون المقّربين منه، بالرغم من أنني كنت أعرف جيداً أن أصلان يختلف تماماً من حيث أسلوب الكتابة مع شلبي، لكن كنت أريد ان أعرف كيف ينظر إليه إنسانياً وأدبياً، خصوصا ان بينهما علاقة طويلة ممتدة.

استقبلني إبرهيم اصلان في غرفة مكتبه بمكتب جريدة “الحياة”، في “غاردن سيتي”، باشّاً ودوداً، يتألق بشعره الأبيض المشعث الذي يمتلك اناقة فطرية خاصة، وتختفي ابتسامته خلف شاربه الكث، بينما تفضحها التماعة العينين الذكيتين. بادرني بحكاية تعرّض لها من زميل في “الأهرام”، اكتشف لاحقاً أن ذلك الشاب وأصلان نفسه كانا معاً ضحيتين لما دبّره لهما صديق ثالث من “الأهرام” أيضاً. إذ استغل الصديق جهل ذلك الزميل بالوسط الثقافي، وإزاء إصراره على أن يقوم الزميل بحوار مع أصلان وسؤاله لصديقنا عن الأسئلة التي يمكن ان يوجهها الى أصلان، فقد تفتق ذهن الصديق عن مجموعة أسئلة لا توجَّه إلا الى كاتب مختص بالتراث واستلهامه، مثل جمال الغيطاني، ولكن ليس البتة الى أصلان.

كنت أضحك بقوة فيما أصلان يحكي بطريقته الجذابة، وبضحكات متقطعة، وبنبرة صوته المرتعشة، كما كفّ يده التي كانت تمتد بين آن وآخر الى فنجان القهوة ليرتشف منه رشفة، كيف أنه ترك الزميل، وغادر الغرفة ليفكر في ما يحدث، ويحاول أن يفهم ويدخّن سيجارة، ثم عاد إليه وطلب منه أن يلقي بالأسئلة التي لديه دفعة واحدة، فإذا بها من العيّنة نفسها، فما كان منه إلا أن طلب منه الخروج من مكتبه على وجه السرعة.

بلاغة التكثيف

في ذلك اليوم تعلّمتُ درساً مهماً في الكتابة، وأعدتُ، عقب هذا اللقاء، قراءة اعمال أصلان بنظرة مختلفة، مدققاً في كل جملة، مكتشفاً جملة مهمة قالها لي يومذاك عن بلاغة التكثيف، موضحاً أن كتابة نص تُنجَز بما نقصيه من هذا النص ثم نستخدمه في الخلفية في الكتابة لاحقاً. ضرب لي مثلاً من لوحة لفان غوغ، لا نرى بها سوى كرسي من القش، أو لوحة أخرى لا يوجد فيها سوى زوج من حذاء قديم بال، يوجز به فكرة مطولة، ثم عاد ليوضح فكرته بالقول ان الكتابة عن العدل لا تعني أن نكتب عن العدل بل أن نكتب بالعدل، بالخبرات التي نعرفها عن معنى العدل وتحويلها عناصر للكتابة.

في جانب آخر من استبصاراته النافذة عن الكتابة، كان كثيراً ما يردد أن سيرته الذاتية كشخص، بالرغم مما قد يعتريها من مصاعب ومشقة، ليس في ذكرها بطولة، لكن الخبرة التي بنتها تفاصيل تلك الحياة هي ما يمكن الافادة بها من الكتابة، أو بنص قوله: “كل عمل فني هو سيرة على نحو أو آخر، لعلها سيرةُ تطورِّك وجدانياً. لكن الناس تعيش آلاماً وأحلاماً قد تكون أوجع مما يوجعني. الناس الشعبيون الذين عشت في وسطهم عندهم تجارب شديدة الغنى، ولو لم يعيشوا هذه التجربة كان يمكن أن يموتوا جوعاً، ومع ذلك لا يعتبر أحدهم أنه صاحب فضل لأن لديه تجربة غنية. ربما عليَّ أن أتمتع بقدر من الصلافة حتى أحدّث الناس عما جرى لي، باعتباري كائناً، “كما خلقت” وأريد أن أحدثهم عمّا عشته، بينما هم يعيشون ذلك بشكل مؤلم. لم أكن أستطيع أن أفعل ذلك. ولكن يمكن أن تتحول هذه الآلام كلها إلى نبرة في النص، طبقة صوت تحكي بها، درجة لون، الزاد الذي تشتغل به، أنا عندي يقين دائماً أنه ما دامت الأحاسيس حقيقية فستظل موجودة وراء القليل مما يكتب، إذا استطعتَ حوِّل هذه القيم الإنسانية كلها، والمواجع والآلام، من موضوع إلى أداة للتعبير”.

خصوصية المثقف المستقل

لكن الحقيقة ان هذا ليس الدرس الوحيد الذي قدّمه إلينا اصلان، فقد قدم درسا آخر بليغا كنموذج لمثقف مستقل، حتى على رغم عمله لفترة مسؤولا عن سلسلة “آفاق عربية” التي كانت تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، التابعة لوزارة الثقافة المصرية. فلم يتورط يوما في الانحياز الى السلطة الثقافية على أي نحو، ولم يسمح بأن يتم استخدامه على يد أي طرف، واضعاً مساحة كبيرة بينه وبين كل ما قد يبدو تابعاً للسلطة الثقافية. بل إنه غامر مغامرة جريئة ونشر رواية حيدر حيدر “وليمة لأعشاب البحر” بين ما أصدرته تلك السلسلة، فأثارت زوبعة كبيرة، حين كتب ناقد إسلامي تحريضاً على الرواية وناشريها، فانقلبت مصر تقريباً، مما اقتضى إخضاع أصلان للتحقيق. كما قرأت في الآونة الأخيرة أنه رفض لقاء الرئيس المخلوع حسني مبارك قبل عام في إحدى المناسبات الرسمية.

بدأت رحلتي مع نص اصلان بـ”وردية ليل” وشغفتُ بها متأملا ذلك الحد الفاصل الرهيف الذي يجعل من هذا العمل رواية لا قصة. وبفكرة أن عالماً كبيرا وخاصاً يمكن أن يعبَّر عنه بمثل هذا الاقتصاد، وبتلك العجائبية التي تتخلق من حوارات تبدو بسيطة بين شخصيات عادية لكن حياتها تلك غنية على نحو لا يمكن معرفته إلا بالإنصات إلى أرواحهم كما يفعل أصلان، ثم قرأت “بحيرة المساء”، و”يوسف والرداء”، ثم “مالك الحزين” التي أستعيد الآن كيف كنت أقرأها مبتسماً، ليس فقط من روح الشخصيات وخصوصيتها وطرافة فكرة الشيخ حسني الكفيف صاحب البصيرة، وعمقه، بل من لمسات اصلان الخاصة التي كان يمنحها لكل شخصية من شخصيات الرواية، مخصصاً كلاً منهم بأسطورته الخاصة، وبالكيفية التي يضفي بها اصلان على اللغة المقتضبة المقتصدة تلك اللمسات المشهدية التي تجعل من كل مشهد لقطة بصرية وشعرية من عمقها، مغلفاً ذلك كله بروح ساخرة ومرحة في الوقت نفسه.

اعجبني حين استلهم داوود عبد السيد فيلمه الشهير “الكيت كات”، نفاذه إلى روح النص، على رغم الاختلافات الكثيرة بين النص والفيلم، وأولها تأخير مشهد وفاة التربي، “العم مجاهد” الذي كان احد المشاهد الشديدة الشاعرية في الفيلم والتي اختزلت في ظنّي الروح الإنسانية والمهارة الكبيرة التي غلّف بها أصلان هذا النص الآسر.

يصف أصلان نفسه بأنه جهاز استقبال لا يرسل شيئا، وهي مقولة إن كانت تكشف شيئاً، فهي تعبّر عن تواضعه. لكن نصوصه، مضافا إليها تحفه الأخيرة الأدبية من مثل “حكايات من فضل الله عثمان” (اسم الشارع الذي ذكره عبورا في بداية رواية “مالك الحزين” في حي امبابة الذي أمضى فيه عمره كله تقريبا عدا سنوات أخيرة قليلة)، و”عصافير النيل”، و”خلوة الغلبان” وسواها، تكشف أن ما يستقبله بتأنٍّ وتمعن، يرسله في النص، بالشكل الذي يفعله فنان محترف يقوم بالنقش على خام صلد، فلا يقشر من مادته إلا برهافة، ولا يُرينا إلا الأصيل الذي يجعلنا نقول عن عمله إنه تحفة فنية.

أما وعيه بهذا فقد عبّر عنه يوما بقوله: “كان عندي يقين، ولا يزال، بأن الحقيقة الفنية ليست بحاجة لأي برهان للبرهنة عليها، شأنها شأن أي كائن بشري، وكان عندي إحساس بأن هذا الإبداع يقوم على صورة من صور الوجد. الإحساس هو الذي يقودك، علاقتي بالعالم تتكثف بإحساس يكاد يكون عضوياً، وأنا أسعى لإعطاء هذا الإحساس شكلاً أو قواماً، لا أريد أن أقول متجاوزاً الرسائل والمعاني، لكن أنا أسعى الى أفق آخر، الى معنى، ففي النهاية لا يمكن أن تبدأ من فراغ، ولكن من إحساسك متكئاً على تفصيل وآخر، تحاول أن تعطي هذا الإحساس قواماً وتسعى نحو معرفة ما. أحياناً ينتابني الإحساس بأن العمل الفني هو سعي نقيض لهذا المعنى”.

رجل مثل هذا، يأتنس الناس بوجوده، وبروحه، ووجوده بينهم، حتى لو لم يتواصلوا معه، فكيف بمن كان يعيش بينهم؟ كان خبر موته فاجعاً وموحشاً بالفعل لمحبيه، من البشر الذين أمضى حياته بينهم شخصاً عادياً، ولأهله في طبيعة الحال، ولكل من اقترب منه خلال ثورة 25 يناير وما بعدها في الميدان، كاشفاً عن اهتمامه الكبير بهذا الجيل، هو المعروف عنه دائماً رعايته للشباب واهتمامه بهم كما كل إنسان نبيل مثله، ومعبّراً عن سعادته بأنه عاش حتى يرى هذه الثورة على يد هذا الجيل.

يا عم إبرهيم: إليك، أو الى روحك الصافية، اعلن أن موتك قد أدهشني، أنا الذي عادة لا يدهشني شيء، وجعلني لوهلة أتمنى ألاً يكون الخبر صحيحاً، كما أعلن لروحك أن الحزن على رحيلك لا عزاء له، ربما إلاّ باستعادة تراثك الأصيل ودروسك العبقرية اللامعة التي حُفرت في الروح. لك الرحمة ولنا جميعاً خالص العزاء.

الشخص الذي ضحك طويلاً على الموت

جمانة حداد

كنت قد قرأتُ له قبل أن يؤتى لي التعرف اليه في ما بعد، عندما صدرت مختاراتي الشعرية “عادات سيئة” عن سلسلة “آفاق عربية” التي كان يرأس تحريرها في الهيئة العامة لقصور الثقافة. وكنتُ من قراءتي له قد كوّنتُ عنه انطباعاً، وجدته لاحقاً، على عكس الانطباعات عموماً، يتطابق معه شخصاً وإنساناً. فعلاً، إذا كان هناك بورتريه واقعي ينطبق على صورة الكاتب المتخيَّلة، فإن إبرهيم أصلان، الشخص والكاتب، هو خير من يمثّل هذا البورتريه، حيث تندمج الصورة التي في الخيال مع أصلها الذي من لحم ودم وبلاغة وامحاء ودماثة وبشاشة وتواضع، والذي من عينين تقدحان حباً وهامشيةً، ومن ضحكة وقحّة، ومن شاربين كاللذين يأخذان البورتريه الى حيث يشاءان. الصداقة التي توثقت عراها بين الفكرة والواقع، بلغت مداها الأرحب في هذا الكاتب الجميل البالغ الهشاشة، حتى صار في عيون عارفيه وقارئيه نوعاً من “الأيقونة”، لكن المنسحقة من فرط الانسحاب والخفر. ذهبتُ الى الكاتب فوجدته في الناس الذي عايشهم، وعاشهم. ذهبتُ الى أبطاله، فوجدتهم فيه، وفي الغلابة الذين أمضى حياته في ظهرانيهم.

ذهبتُ أيضاً الى الأمكنة، الى أمكنته الروائية، وقد كان عليَّ أن أذهب أولاً الى امبابة، لأعثر على مختصر الأمكنة هناك، وهي في أوج إيقاعاتها، المرئية المعيشة منها، وتلك التي يمكن تلمّسها في الغلف اللطيفة من الكواليس والحارات والأزقة.

كان ابرهيم أصلان كاتباً مقلاً، فمن أين اكتسب هذه الهالة التي تكلل الكتّاب الكبار؟

كان ابرهيم أصلان شخصاً مقيماً على الهامش وفي الظل المعتم تقريباً، فمن أين له أن يحتل مكانات مرموقة، ليس في الرواية المصرية فحسب، وإنما أيضاً في امتداداتها العربية؟!

لم يكتشف ابرهيم أصلان “بارود” الكتابة، باعتباره شيئاً صعباً ونادر الوجود. فقد كان هذا “البارود” بين يديه، وفي حياته، وعينيه، وجسده، وفي فضائه الواقعي المحسوس والوجداني. وماذا فعل لكي ينجح في تقديم هذا “البارود” الى الناس؟ لم يفعل شيئاً كثيراً: اكتفى بالتقاط الخلاصات الموجزة والمكثفة والمختصرة لهذه الحقيقة، وجعلها في لغة بسيطة، لكن قادرة على اختراق السطح وصولاً الى القعر.

أعتقد، بكل بساطة، أن العم ابرهيم استطاع أن يقترب كثيراً من جوهر الكتابة، ومن سرّها الأصيل. أعني أنه لم يتفلسف على القرّاء، ولم يخترع لهم كتابة حداثية موهومة، ولم يزعم شيئاً لم يعشه، ولم يأتِ بلبن العصفور. كان كاتباً، بما تعنيه هذه الكلمة من قدرة على إزالة ما يعتري الكتابة من إضافات وأحمال تعوق الالتصاق بالجوهر.

ولأجل ذلك نراه مكللاً بهالة، وفي المكانة المرموقة. وإذ ينال منه هذا الموت الرخيص أخيراً، فإنه لطالما عذّب هذا الموت وضحك عليه طويلاً، وسخر منه بالقهقهات التي تفتك بالموت فتكاً ميموناً.

راحـة المحـارب

واسيني الاعرج

إبراهيم أصلان… كان حاضراً حتى عندما أطفئت كل أنوار الأمل.

آن للمحارب أن يرتاح قليلا. مثلما جاء الدنيا على رؤوس أصابعه، وفي صفاء كلي انسحب منها بصمت عن عمر توقف على حواف 77 سنة كانت كلها نضالاً وسعادات صغيرة، ومرتبكة أحياناً. لم يستسلم إبراهيم حتى في أقسى الظروف وأصعبها، إذ كانت رهاناته الكبيرة في حياة أفضل، هي حقيقته الكبرى. وكان الأدب وسيطه الحقيقي وصديقه الأعظم الذي لا يخون. كان إبراهيم أصلان الذي على الرغم من المرض الذي كان ينهكه من الداخل، من أوائل الذين رأوا في كفاية فرصة لتوقيف الفساد السياسي، والحدّ من تدهور وضع كان ينشأ في الخفاء، يلغي كل التراث السياسي الديموقراطي لمصر بعد أن عوضه مبارك بجملكية صغيرة سيدها الفساد والتوريث والعمالة. لكن ثمن هذا الانخراط كان غالياً.

التقينا أول مرة في القاهرة في أحد مؤتمرات الرواية، ثم تأكدت هذه العلاقة عندما طلب مني أن أسلمه حق نشر رواية سيدة المقام في سلسلة آفاق عربية التي كان يرئس تحريرها، والتي انتهت بمصادرة وليمة لأعشاب البحر التي نشرت في السلسلة ومنع تسويقها وقتها وتسويق رواية سيدة المقام التي كنا اتفقنا على نشرها في السلسلة. كان حــــزيناً لانهيار مشـــروع أحبه، ولكــنه لم يتنازل عن موقفه وظل يدافع عن حق الكاتب والفنان في التعبير عن رأيه.

كلما رأيت إبراهيم في القاهرة، الرباط أو الدار البيضاء، أو بيروت، أو دبي أو غيرها، داعبته صادقاً: كيف حبيبي دون كيشوت اليوم. يرد ضاحكاً: على حصانه وفي قمة جنونه. وتغيب ضحكته تحت شاربين كثين يقربانه من شخصيات عميقة لا تنتمي إلى هذا العصر الذي ابتذل فيه تقريباً كل شيء. لقد حمل إبراهيم أصلان بالفعل نبل دون كيشوت وشجاعته وسخاءه، وقوته وشجاعته ويأسه أيضاً. فقد عاش في زمن انتهت فيه الفروسية، أو قلت حتى أصبحت نادرة ومتخفية وراء كتل الانتهازية والسهولة. ولكنه ظل حالماً وحاملاً سيفه، يحارب ليس فقط طواحين الهواء القلقة ولكن عصراً بُني على الرياء والكذب والاغتيال.

لكن معركته التي بدت خاسرة في ظلم قاس، سرعان ما تجسدت في سقوط الطغاة، لكن قلق الكاتب لم ينته أبداً فقد ظل إبراهيم يحمله معه بقوة. وما كان يحدث في مصر بعد الثورة لم يكن دائماً شيئاً مريحاً. فقد رفض مقابلة الرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك في سبتمبر 2010، عندما دعا هذا الأخير مجموعة من المثقفين للقاء في القصر الرئاسي، فكان أصلان من القلة القليلة وربما الأوحد الذي رفض هذا التكريم الغريب من نوعه لأنه كان يعرف مسبقاً أن ما يتخفى من وراء ذلك سوى ابتذال ما كان يعتمل في عمق المجتمع المصري من ثورات ورفض وانكسارات خفية. وكان أكبر تكريم له هو انتصار الثورة في لحظتها الأولى. ويبدو أن الموت كان أسرع من فكرة ترشيحه للأكاديمية المصرية للفنون له للفوز بجائزة النيل التي انطفأ قبل أن ينالها. وكأن القدر شاء له أن يظل كبيراً خارج الغوايات الصغيرة وإن كان قد تحصل على جوائز مصرية وعربية ودولية كثيرة.

لم تفقده الحياة عفوية الشاب الذي عاش في حي إمبابة والكيت كات، بالخصوص، والوراق والمقطم، التي شكلت مرجعه المكاني في الكثير من نصوصه القصصية والروائية التي فرضته كصوت كبير أمام قرائه. لينقل عامل البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، من المهني إلى الكاتب الذي لم يفقد علاقته بمرجعه الاجتماعي الذي ظل يشكل مادته الأساسية التي جعلت من نصوصه تندرج ضمن الأدب الذي يشتغل من خلال أدواته الفنية الداخلية على مجتمع آخر، غير مرئي، كان ينمو في الخفاء. أصدر إبراهيم أصلان في وقت مبكر، في نهايات الستينيات أول نصوصه وكان لمجلة الطليعة الدور الأساسي في إظهار موهبته الخلاقة التي أثارت انتباه الكثير من النقاد وقتها بالخصوص مع العدد الخاص: جاليري 68، الذي أصدرته مجلة الطليعة قبل أن يفرض وجوده الأدبي في الفترة نفسها كحالة متفردة بصدور أولى مجموعاته القصصية بحيرة المساء، والتي بينت العلامات الأولى لعالم ساحر كان يرتسم في الأفق. قبل أن يستقر الكاتب نهائيا في الذاكرة الجمعية المصرية والعربية بمالك الحزين التي حولت إلى فيلم: الكيت كات، وحولته نهائياً من الهواية إلى الاحترافية التي وضعت جهده في المكان الذي يليق به. كل النصوص التي جاءت فيما بعد لم تعمل إلا على تأكيد هذه الموهبة الخلاقة التي شكلت علامة مضيئة في الثقافة العربية بصدقها واستمرار نضالها حتى عندما تطفأ كل أضواء الأمل أو يبدو لنا ذلك.

(روائي جزائري)

في معنى أصلان

منصورة عز الدين

قبل أكثر من 14 عاماً وأثناء دراستي الجامعية، نشر لي إبراهيم أصلان قصة قصيرة دونما سابق معرفة. عرفت بأمر النشر بالصدفة وبعدها بأسابيع، فذهبت إليه في مكتب جريدة الحياة، حيث كان يعمل للحصول على نسخة من العدد المنشورة فيه قصتي. لا أتذكر الكثير عن تفاصيل هذا اللقاء، لكن ما لن يزول من ذاكرتي هو هذا الانبهار به كحكّاء شفاهي لا يقلّ مهارة عن الكاتب المبدع الذي كانه.

وقتذاك، كان الجميع يتكلم عنه ويعامله كأيقونة لا يجوز المساس بها. في سنتنا الجامعية الأولى، وبينما نجلس على سلم كلية الإعلام ننصت لزميل وهو يقرأ قصة جديدة له، صاح زميل آخر معترضاً: ما هذه المباشرة؟ ألم تقرأ أصلان؟!

نظر إليه صاحب القصة مستفهماً فواصل هو اعتراضه: أصلان لا يكتب أن البطل متوتر، إنما ينقل لك إحساسه بالتوتر من حركة جسده وطريقة سيره والتفاصيل المحيطة به.. إذا أردت الكتابة عليك بقراءته أولاً!

بعدها بأقلّ من عام، نصحني أحد أساتذتي في الجامعة بأن أتدرب يومياً على الكتابة. بعد التأكيد على أنه لا يقدم هذه النصيحة إلا لمن يراهن على موهبتهم، قال: «أصلان نفسه يفعل هذا»!

على هذا النحو، كان أصلان ولا يزال يحظى بتقدير قل أن يناله كاتب مصري حيّ، ربما لهذا فوجئت، في لقائي الأول به، ببساطته وتواضعه وذلك الدفء المغّلّف كل تصرفاته. لم أتكلم معه عن أعماله التي كنت قرأتها كلها، فقط استمعت له وهو يحكي عن طفولته فتتحوّل كلماته على الفور إلى مشاهد وكلمات متحركة أمامي.

في لقائي الأخير به، قبل شهرين تقريباً، كان أصلان بحضوره الآسر نفسه، ولياقته الذهنية وسخريته الدافئة نفسيهما.

قلت له إن جيل الستينيات خسر كاتباً كبيراً. كنت أقصد إبراهيم عبد العاطي الذي قرأت له في «غاليري 68» قصتين قصيرتين تنمان عن موهبة لافتة. ما أن سمع أصلان الاسم حتى لمعت عيناه بفرح حقيقي، وبدأ يحكي عن رفيقهم القديم الموهوب الذي توقف عن الكتابة في بداية مشواره. يتشعب الحديث إلى موضوعات أخرى، لكن أصلان يعود من وقت لآخر لإضافة معلومة عن عبد العاطي مبتهجاً لأن هناك من يتذكره. الابتهاج نفسه الذي يكسو ملامحه حين يحكي عن يحيى حقي أو عبد الحكيم قاسم أو عبد الفتاح الجمل فيبدو كذواقة يقدر الكتابة الجيدة ويحتفي بموهبة الآخرين أكثر منهم.

حين مات خيري شلبي، كان أصلان شديد التأثر، بدا كأنما يرثي نفسه وزمنه. شعرت في ثنايا كلماته أنه أصبح يعيش بإحساس المغادر لا المقيم، ومع هذا كانت الصدمة شديدة حين وصلني خبر موته. أصلان أيضاً يموت؟! كان أول ما خطر ببالي. ذلك أن إبراهيم أصلان من الأشخاص الذين يصلحون كمرادف لكلمة الحياة ومعنى من معانيها. وجوده في مكان ما من العالم يمنح إحساساً بالطمأنينة حتى لو لم نتقابل إلا على فترات متباعدة. أعمال أصلان ستبقى بيننا، ونبرته الخافتة في الكتابة ستظل على ألقها وتأثيرها، لكن الخسارة الفادحة هي في خسارة إنسان نادر وبالغ العذوبة والرقة.

(كاتبة مصرية)

إبراهيم أصلان.. وداع صانع التحف

عباس بيضون

منذ وقت لم يطل. كان آخر حديث تليفوني لخيري شلبي مع إبراهيم أصلان. بعد هذا الحديث وصل إلى إبراهيم أصلان خبر خيري فذهب وأغرق جسد خيري بدموعه. ليت الدموع تسعفنا بعد أن وصل إلينا خبر إبراهيم. ليت الدموع تتحنن علينا. إذا كان للوداعة واللطف والأريحية اسم آخر سيكون إبراهيم أصلان، كلما ذكرنا مصر ذكرناه معها. كان مهدداً منذ وقت لكننا حسبنا أن الموت نسيه وأن غفلته عنه ربما تطول. لم يكترث الموت للعبتنا وغفلتنا وجاء قبل أوانه. قبل أوانه بالتأكيد فإبراهيم أصلان كان بكلمة واحدة حيا حتى آخر نفس فيه، صوته وسيجارته وحركات يديه زاخرة بالحياة، لم يكتب كثيراً إبراهيم أصلان، أمضى حياته كما قال وهو مرعوب من الكتابة. لكنه كان مثل قصة دائمة. لكم أشبه أدبه، الدقة والطرافة والشاعرية والصدق كانت تجمعه به. كان يعرف الأدب لدرجة ان يندمج فيه، كان يعرفه إلى حد أن يكونه. تسمعه يتكلم فتظن انك أمام قطعة من كتابته. لم يكتب كثيراً مع ذلك، لقد كتب بأنفاسه ونبضه وفنائه في الكتابة ومن هو كذلك لا يهتم بالكمية بل لا يعيرها التفاتاً، لم يكتب كثيراً مع ذلك فإن كثيرين، كثيرين جداً يرونه أكبر كتاب جيله، كثيرين مثله لم يعطوا اعتباراً للكمية، من كتب «مالك الحزين» و«عصافير النيل» و«وردية ليل» لا يحتاج إلى أكثر. كان إبراهيم أصلان، ربما، الكاتب المحبوب أكثر في الوسط الأدبي كله، المحبوب أكثر بالتأكيد، يعود ذلك إلى احترام عميق لتجربته قلما حظي بها كاتب، كما يعود أيضاً إلى أخلاقه، إلى ترفعه وأنفته وبعده عن المشاحنات الأدبية، بعده عن المنافسات العقيمة واحترامه الكبير لكلمته وأريحيته وقلبه الكبير العامر بالحب، كان محبوباً أكثر لقدرته الهائلة على ان يحب. يصعب ان نجد في الوسط الأدبي شخصاً بهذا الخلق. شخصاً احترم الأدب والكلمة لدرجة أن لا يبتذلهما، ان لا يتناتشهما، ان لا ينازع عليهما، كان مع ذلك ذا أصابع ذهبية. يكتب خبراً فتراه يتألق في مكانه. يكتب يوميات فتشع، يكتب أي شيء فتعرف انك أمام تحفة صغيرة. مع خيري شلبي وإبراهيم أصلان اللذين لحقا بعضهما إلى الغياب يتزعزع جيل الستينيات، نشعر أن تجربة كبيرة بدأت تطوى.

هكذا نجد أنفسنا أمام التاريخ الأدبي، أمام صفحة رائعة بدأت تدخل في التاريخ. ربما يحرّض هذا مؤرخي الأدب والنقاد على أن يبذلوا جهداً أكبر، على أن يجدوا أنفسهم أمام مهمة ملحة. مع ذلك فإننا نخسر إبراهيم لا كاتباً فحسب ولكن إنسانا وصديقاً. بل نخسره مثالاً، أخلاقياً وإنسانياً، ليت الدموع تسعفنا، ليتها تتحنن علينا، ستكون القاهرة العظيمة التي سر إبراهيم أن العمر سمح له بأن يلحق ثورتها، ستكون القاهرة بدون إبراهيم أصلان شاحبة شيئاً ما، ستكون «أمبابه» مكسوفة في قراراتنا وذاكرتنا. عم إبراهيم لن يلعلع بصوته ولن تفرقع ضحكته بعد. عم إبراهيم لن يكتب قصة اخرى.

عـن وعـد لـم يتـم

يمنى العيد

التقيته لأول مرة في تونس، صيف عام 1992. كنتُ قد قرأتُ له «مالك الحزين»، وكتباً أخرى، ولكن لم أكن أعرفه شخصياً.

كان يجلس وحيداً في إحدى زوايا المقهى المجاور لمطعم الفندق. نحيلاً، شارداً كأنه يعانقُ عالمه الداخلي ويأنسُ إليه. لكنه بادر إليَّ مرحباً عندما رآني مقبلة عليه.

أهلاً يمنى.

كان وجهه يطفح بالنقاوة، وعيناه تمتلئان بعالم سري.

كنت راغبة في الحديث معه. أود أن أحاور صمته الذي انطوى عليه عالم عشته في طفولتي. كأنما وددت بذلك أن أتعرَّف الى قرين لا أفصح عنه.

ما زلتُ أذكر جلستنا في حديقة ذاك الفندق التونسي. فوق الأرض على حافة فاصل ترابي. كنت تعبِّر عن ارتياحك لهذه البساطة بعيداً عن ضجيج الحوار الثقافي في القاعات المغلقة. بدوت مرتاحاً لهذا القرب من التراب الذي داعبته بأصابع يدك وقتذاك، التراب الذي يحتضنك الآن.

في ذلك اللقاء الثقافي أهديتني روايتك «وردية ليل» الصادرة بداية العام نفسه (1992)، ومعها محبتك.

أفتقدُ حضورك اليوم، وإن كنتُ لم ألتق بك سوى في تلك المناسبة، وفي مناسبة ثانية في القاهرة وكانت عابرة. لكني كنت أواظبُ على قراءتك وأتابعُ ما تصدره من أعمال.

دائماً كنتُ أودُّ أن أكتب عن تجربتك المميزة. وتأخرت لأني كنتُ أبحثُ عن موضعها في النظري الذي يميزها. عنيت علاقتها بالمعيش الذي تروي عنه. عنيتُ رداً تنطوي عليه أعمالك الروائية، رداً على القول السائد بأن الرواية العربية كُتِبت وتُكتبُ، فنياً، بالعلاقة مع الرواية الغربية. عنيتُ أصالتك، وتميزك، أي ما لم أشأ أن تكون كتابتي عنه في إبداعك، مجرد توصيف. وكنت، من أجل ذلك، أعمل على إنضاج فكرتي.

في العام 2010 كتبتُ عن روايتك «وردية ليل». عن ذلك المهمش فيها، الموظف في مصلحة البريد. كتبتُ ورحت أنتظر فرصة أخرى للقائك، للحوار معك.

لكن كان الزمن يمضي، وكانت الفرص تفوتني.

ها أنا أكتب إليك اليوم مخاطبة روحك الجميلة، الحاضرة أبداً بيننا وأهديك محبتي.

كاتـب لـلإنسانيـة

محمود الورداني

إبراهيم أصلان من الكتاب النادرين الذين كانت مواقفهم المعلنة لا تتناقض مع كتابتهم، ولا أظن أنه أخطأ مرة واحدة في مواقفه وخياراته. وكان محترماً ومقدراً ومحل ثقة في كل ما تولاه من مناصب. الأهم أنه كاتب متميز، لا أحب استخدام وصف «كاتب عالمي»، لذا أقول إن إبراهيم أصلان كان كاتباً للإنسانية. «بحيرة المساء» كل قصة فيها إنجاز كبير على مستوى فن القصة القصيرة.

هو أحد الذين شاركوا في نقلة نوعية كبرى للرواية بعد نجيب محفوظ. لا يجب أن نحزن لوفاة أصلان لأنه رأى الثورة، ونزل إلى التحرير للاحتفال يوم 11 فبراير وسهر هناك للصباح وكان في غاية السعادة. كان محباً للحياة، وترك أعمالاً خالدة، ومن كان مثله لا يموت.

أعرف أصلان منذ عام 68 وكنت جاراً له لمدة عشر سنوات، وأذكر أني قرأت معظم الأدب المترجم من مكتبته. كان صديقاً رائعاً محباً لأصدقائه وكريماً معهم.

(كاتب مصري)

وردية مـوت

طارق امام

فور انتشار الخبر، قيل إن إبراهيم أصلان مات وهو يتحدث في الهاتف، لم تكن هذه هي الرواية الوحيدة لملابسات لحظات أنفاسه الأخيرة، لكن تمريرها وتقبلها بديا متسقين تماماً مع الميتات التي تعوَّد أصلان أن يحكيها، ذلك أنها تحاكي ميتات شخوص قصصه، وتلائم تصوره «الفني» عن الموت. أكثر ما كان يدهشني في أصلان، تعامله مع الموت في الكتابة بخفة عجيبة، لينزع وقاره، يخففه من ثقله، من استثنائيته وملحميته.. وبحيث يصبح الرحيل دائماً مفارقة عابرة، مزحة كبيرة مؤلمة، يستدعي الناس ما فيها من مفارقات مضحكة في لحظات العزاء بالذات.. تماماً مثلما تسمع المرأة في (حجرتان وصالة)، آخر كتبه، صوت الهاتف المنبعث من «الفيلم العربي» المعروض في التليفزيون، فتصيح «حد يرد على التليفون» وتموت.. بينما يضحك الزوج الذي وصله نداءها، عندما يرى الممثل على شاشة التليفزيون ينهض ليرفع السماعة، وكأنه يطيع أمر زوجته.. وعندما يدخل ليخبرها أن الرنين قادم من شاشة التليفزيون وليس من هاتف الشقة، يرى عينيها المتحجرتين. في العزاء، تصير واقعة الموت ملتبسة بالمفارقة، لا تستطيع الشخصية «الأصلانية» مقاومة حكيها، مستغربةً، للمتجهمين، وكأن المثير، القابل لأن يُحكى، هو المفارقة البسيطة وليس واقعة الموت ذاتها.. هذا النمط من الموت، كان دائماً النمط الذي يغوي أصلان ويأسره.. وهو متكرر باختلاف الحكايات في كل أعماله تقريباً.

حتى في حكيه عن أصدقائه ممن رحلوا، كان أصلان يلتفت للمفارقات والتفاصيل التائهة، التي ربما يراها البعض غير لازمة في لحظات النهاية.. أدهشني مثلاً تأكيده على سؤال «خيري شلبي» له في مكالمته الأخيرة معه، عن اسم الجزء الثالث من الكوميديا الإلهية.. وتكراره لهذه التفصيلة في كل كلامه الشفاهه والمكتوب عنه فيما بعد، وكأنها مفتاح موت صديقه، رغم أنه كان يمكنه حذفها ببساطة.

أعتقد أن بعض الناس يموتون بالطريقة التي يريدونها.. «أصلان» لم يمت في المستشفى الذي دخله قبل أيام، لم يتألم كثيراً في احتضاره، ولم يغب في أوقات حرجة سابقه كان رحيله فيها متوقعاً، لكنه مات «على أهون سبب».. بالضبط، مثلما كان يميت شخصياته!

(كاتب مصري)

أيقــونــة الصفــاء

محمد عبد النبي

في 14 ديسمبر من العام الماضي تُوفي الممثل العجوز أحمد سامي عبد الله، وكان أشهر أدواره هو العم مجاهد بائع الفول في حارة الشيخ حسني، من فيلم الكيت كات، إخراج داود عبد السيد، والمُستلهم بتوسع عن رواية مالك الحزين لإبراهيم أصلان. ولم يُثر موت الرجل الطاعن في السن أكثر من الدهشة الممزوجة بالابتسام إذ كنا قد اعتدنا موته، منذ أن جرّه الشيخ حسني جثةً هامدة، على عربة الفول، في أولى ساعات الصباح في الحارة الصغيرة التي بناها مهندس الديكور أنسي أبو سيف لتأسر أبصارنا في فيلم الكيت كات. مشهد موت العم مجاهد من أشهر مشاهد الفيلم وربما السينما المصرية، لم يقتصر فيه داود عبد السيد على الرمزية البسيطة والمعهودة لموت القيمة، بل حوّله إلى حالة إنسانية فريدة تتجاوز الرمز وتعانقه معاً.

إذا كان العم مجاهد تحوّل إلى أيقونة للموت، فإن وجه إبراهيم أصلان، واسمه نفسه وابتسامته وبالطبع كلامه ونصوصه، قد تحوّل إلى أيقونة أخرى للحياة. لم نلتفت كثيراً لعمليات القلب التي أجراها، فبعض الأيقونات كأنها غير قابلة للموت. هكذا كان رد الفعل مختلفاً عند إعلان موت العم أصلان، الوجوم كلمة والمفاجأة كلمة أخرى، لكن متى كانت الكلمات تحمل العزاء أو تنقل الداخل؟

أيقونة العم أصلان كانت ومازالت – تشعّ في أعين الشباب بدرس البساطة، واختبار الحياة اليومية في أدق وأصغر تجلياتها، والاتكاء على الناس الغلابة في خبراتهم وحواراتهم دون أي نزوع للاتجار بهم وبمواجعهم، بل السخرية أحياناً من تلك الهموم والأشجان. أيقونة العم أصلان تشيح عن القضايا الكبرى وترفض الاستسلام للمقولات الضخمة، مفضلةً عليها التفاصيل الإنسانية الرهيفة والموجعة، من أولى قصصه وحتى آخر مقالاته. بوسع أي متأمل لأيقونة أصلان الأدبية أن يستشف روح الإنسان المتواري وراء تلك السطور، الإنسان البسيط ناصع الرؤية ثاقب النظرة، الذي يعرف كيف يصفي ركام التجربة اليومية ويغربله ويقطره حتى يصل إلى الماسات الصغيرة الجارحة. وتتوطد ثقتك بهذا الإنسان حين تسمع آراءه في الفن والكتابة، وتقرأ مقالاته عن مواقف مرّ بها أو أشخاص عرفهم. كل سطوره تؤكد هذا الحضور الخاص والهادئ، الذي يُضجره الضجيج والضوء. من بين أبناء جيله كان أكثرهم قدرة على استقراء جماليات السينما، دون أن تكون اللغة عنده أداة نفعية للمشاهد والحوار، ودون أن يؤطرها كذلك في صيغ أقرب للقداسة.

في متتالية قصصية قديمة لي، كتبت: «وكان يريد أن يقول لها إنه لا يفهم أصلان، رغم حبه لشغله، لا يعرف هو فؤاد التائه أبداً على هذه الطرقات كيف يُنقي أصلان الناس والشوارع، كيف يعمل جاهداً على تصفية اللوحة من كل الشوائب، مختاراً بعناية تفاصيل مرهفة». ومازلتُ متحيّراً، ليس فقط لأنني أحاول أن أكون ابناً باراً للفوضى والعشوائية والارتباك الكبير الذي نعيشه، بل لأنني أدرك الآن فقط أن صفاء كتابات أصلان ليس سوى ثمرة لصفاء النفس والرؤية. أُدرك الآن فقط أن هذا الصفاء قد يكون المُنجز الحقيقي لأي واحد منا، وسط بهلوانيات السيرك الذي نعيشه يومياً. مات العم أصلان قبل يومين، كما سبقه العم مجاهد في الفيلم وفي الواقع، غير أن أيقونة هذا الصفاء النادر باقية تناوشنا بطموحٍ يكاد يكون مستحيلاً.

(كاتب مصري)

الكتابـة المراوغـة والعصيـة

عمر شهريار

كتابة شديدة الخصوصية، تشبه ملامح وجهه، تلك التي لا تشبه أحدا، وتستطيع أن تتعرف اليها بسهولة شديدة، بسماتها المميزة. لم يكن العم إبراهيم أصلان كاتبا عاديا، فهو الذي حمل عبء القصة القصيرة وتجديدها بعد رحيل يوسف إدريس ويحيى حقي، الكاتبين الشهيرين للقصة، وبقي الأمل معقودا، في ازدهار هذا الفن على ثلاثة من جيل الستينيات: إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبد الله ومحمد حافظ رجب، وهم الذين منجزهم الأكبر في السرد القصصي، كل بطريقته الخاصة، وبأسلوبه المتفرد، لكن يحيى مات ورجب انزوى واحتجب، وظل أصلان وحيدا منفردا كعمود الخيمة الذي يأبى السقوط أو الابتعاد عن فنه الأثير، ظل قائما عليه، يطوره ويجدد فيه، ظل يحدو عليه كالأم التي تهتم برضيعها حتى يكبر ويشتد عوده. نعم كتب أصلان الرواية، وأنجز ثلاث روايات، لكنه يظل كاتب قصة بالأساس، فرواياته تشعر كأنها قصص قصيرة تتجاور لتشكل لوحة كبرى، وهل ننسى أعجوبته «وردية ليل» التي لا تعرف كيف تصنفها إلى أي نوع، كان الرجل بمهارته الفائقة كأنه يضرب كرسيا في «كلوب» الفرح، الفرح النقدي بالمصطلحات والتصنيفات التقليدية، ووضع النصوص في خانات محفوظة وثابتة، وهو الأمر نفسه الذي فعله بعد ذلك في «خلوة الغلبان» و«شيء من هذا القبيل» التي ما زالت فكرة تصنيف هذين العملين مهمة غير مأمونة العواقب، كونها تتأبى على القولبة.

العم أصلان أغوته الكتابة المراوغة، العصية، اللعوب، التي لا تستقر على شاطئ، وتهوى السباحة على سطح النظريات الجامدة. أغوته هذه الكتابة وأغوانا بها، فأصابتنا فتنتها وسحرها، وصرنا أسرى لجمالها الخلاب، الذي تحبه، لكنك لا تعرف سر جماله وأين يكمن ومن أين ينبع؟ إنه الجمال الذي عليك أن تسلم به وبسحره دون محاولة النبش في خلفياته، فيأخذك إلى عوالم مخملية تشبه الحلم، الذي تعيشه وقت قراءة قصة من قصصه، لكن الحلم الذي تمنحنا إياه قصص أصلان لا ينتهي مع نهاية عملية القراءة، بل يظل موجودا وكامنا في الركن الأعمق من اللاوعي، ويقفز إلى الذاكرة من آن لآخر، هكذا بلا استئذان، تضبط نفسك متلبسا باجترار شخصية من شخصياته، أو مشهدا ما من قصصه، وتعيش معها كأنها تحدث هنا والآن، وكأنك فرغت من قراءتها توًا.

لم تكن نصوصه، أبدا، جامدة، أو ذات بعد واحد، فقد كان الرجل، بمهارة استثنائية، يمزج السرد بالشعر، والشعر بالموسيقى، والموسيقى بالرسم، والرسم بالسينما، فتخرج من بين دفتي كتابه بشحنة جمالية وشعورية لا توصف، كأنك كنت بين يدي ساحر، وأصابك بسحره، تخرج مفعما بالجمال والحب والحياة، تخرج وقد أخذت نصيبك من الفنون كلها، وقد أعطاك حقك غير منقوص، لأنه إبراهيم أصلان الذي لم يهتم أبدا بالكم، ولم ينشغل بعدد الكتب، بقدر انشغاله بحذف ما يزيد على الحاجة، وأتخيله لم يكن يكتب قصصا، بل كانت قصصه مولودة معه، ويخفيها في مكان ما من رأسه، وفي اللحظة التي نسميها نحن لحظة الكتابة والإبداع يخرجها، لا ليكتبها، بل ليحذف منها ويصفيها، وينفخ فيها من روحه، تلك الروح الوثابة الحالمة السمحة، التي غافلتنا وصعدت إلى حيث يليق بها أن تكون.

(ناقد مصري)

بوابـة الستينيـات

شعبان يوسف

عندما تفتحت أعيننا نحن الجيل الذى جاء بعد هزيمة 67 مباشرة، كان كتاب الستينيات يزحمون المشهد بقوة، وكنت ألتقي يحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل ومحمد البساطي وكبيرهم عبد الفتاح الجمل وحكيمهم إبراهيم منصور ومعلمهم ابراهيم فتحي ومنشدهم محمد حمام ورائدهم سليمان فياض وغيرهم، وكنت أرى رجلا ذا شارب كثيف يضحك أحيانا بحساب، ويتحدث باقتصاد ، قالوا لى إنه إبراهيم أصلان. كان هذا من زمن بعيد. وكانوا يتوزعون فى القاهرة بأشكال مختلفة، ورغم أنني اعتقدت أنهم تنظيم سياسي وأدبي لم أعرف كيف أصنف إبراهيم أصلان وأين أضعه بين كل هؤلاء، خاصة أنه لم يدع صفة لنفسه، كان أحيانا يجلس على مقهى إيزافيتش أو استرا وفي ما بعد زهرة البستان، وطبعا في جلسة نجيب محفوظ على مقهى ريش، وكان محفوظ يقدره بشكل خاص جدا، وكنت ألحظ هذا التدليل الذي كان يتعامل به محفوظ مع أصلان.

عندما تصادقنا إبراهيم وأنا وجدت نفسي أمام أحد أبطال السير الشعبية، هؤلاء الذين يملكون عفة النفس ونبل التوجه، بعيدا عن أي انحناءات للسلطة كانت تتواتر أمامنا دون احصاء أو عد، وكان يقول لي في هدوء: لا يوجد كاتب نبيل لا ينطوي على نفس عظيمة ولن يولد الابداع إلا من هذه النفوس. كنت دوما أحرص على استدعاء هذه الجملة الدالة عندما أتأمل ما يكتبه في الصحف السيارة، وكان هو قلقا وكنا نشتبك تقريبا بشكل شبه يومي عندما كان يضجر مما يكتب ويتساءل مستنكرا: (هو اللي أنا باكتبه ده يا شِعب مش هرتلة)؟ كنت أطمئنه على ما يكتب خاصة انه كان يقرأ لي بعضه فى التلفون قبل النشر، لكن المقال الأخير المنشور في الأهرام أقلقني وشعرت بأنه فقد الزمام وفقد قدرة التحكم في بناء المقال ولذلك لم يكتب بعده، أظنه شعر وأدرك أنه لا يستطيع المداومة الآن، وأبلغني أنه سينتظر قليلا حتى يستعيد لياقته الذهنية. إبراهيم أصلان هو العنوان الرئيسي لجيل الستينيات وهو البوابة الكبرى، للدخول لتفاصيل هذا التنظيم الأدبي المترامي.

كتب كالأسطى وبقي هاوياً إلى النهاية

له مخطوطان يصدران قريباً في القاهرة

وقف على حدة بين أبناء جيله من «كتّاب الستينيات»، ومضى ببساطة مدهشة كما عاش وكتب. ابن أمبابة المقلّ الذي تعلّم الاختصار في مصلحة البريد، أخذ كل وقته في مراقبة العالم، ونقل مكانه الحميم وناسه في أعمال خاصة، تراوحت بين القصة والمقالة الأدبيّة والرواية. أبرز المثقفين المصريين كانوا في وداعه أمس في القاهرة

محمد شعير

القاهرة | إبراهيم أصلان (1935 ـــ 2012) لم يطل عذابه مع المرض. لم يمدّ يده إلى سلطة أو اتحاد كتّاب هزلي طلباً للعلاج. لم تلوّثه السياسة بألاعيبها. شهد الثورة التي حلم بها طويلاً. كان الفنّ الخالص لعبته، وملعبه، وعشقه. صاحب المشروع الروائي الذي ألهم أجيالاً، أسلم الروح أوّل من أمس وهو جالس على كرسيّه الهزاز بعد رحلة قصيرة مع المرض.

رحلة إبراهيم أصلان مع الفنّ والحياة لا يمكن تلخيصها بسهولة.

سنجد أنفسنا أمام صيّادٍ ماهر للحظات المستعصية على الكتابة. في مقتبل حياته، عمل في هيئة البريد لفترة طويلة، ومن هناك تعلّم الاختصار. الصيد والإيجاز أبرز سمتين في عوالمه الإبداعية. بدأ صاحب «مالك الحزين» (1983) الكتابة كسائر الكتاب، بالخواطر، ثم نشر مسرحية قصيرة في مجلة «الثقافة». وتجمّعت لديه عشر قصص قصيرة نشرها في الصحف، من بينها «عصفور على أسلاك الترولي»، وهي القصة التي تحوّلت إلى مدخل لرواية «عصافير النيل» (1999) لاحقاً. لكنّه كان يشعر أنّ هذه القصص تشبه قصص «الآخرين»، ولا تشبهه. لهذا، قرّر أن يمزّقها وعاد إلى القراءة، وتحديداً إلى كتّاب ثلاثة، هم هنري جايمس، وإرنست همنغواي، ومارك تواين. كتب عن هؤلاء في مجلة «الثقافة الجديدة»، ومطلع عام 1965، بدأ كتابة قصص «بحيرة المساء» التي أصدرها عام 1971 بعدما شعر أنّه وجد صوته. قبل أن يصدر أعماله، حدَّد أصلان موقفه من الكتابة: هناك كتابة «طليعية»، وأخرى «رديئة». برأيه ليس هناك حلول وسط، فإما أن يكون هناك فنّ أو لا يكون. وبالتالي، تصير أعمال أبناء جيله يحيى الطاهر عبد الله، ومحمد البساطي، وحافظ رجب، وصنع الله إبراهيم، كتابات طليعية… أما كتابات عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعي، والآخرين، فرديئة.

منذ الطفولة، كان الصيد هواية أصلان. تعلّم منه الصبر والقدرة على «معرفة الغمزة الملائمة لجذب السنارة»، وهي أمور تحتاج إليها الكتابة أيضاً. أما عمله في مصلحة البريد، فعلّمه أنّ كل حرف ينبغي أن يكون له مقابل مادي، ليخلص إلى كتابة كل ما هو مفيد وضروري فقط. كان يهرب من الكتابة بتمزيق ما يكتب. وعندما تعلم استخدام الكمبيوتر، اكتشف ما يتيحه من قدرة في «الحذف»، فسهّل مهمة المسح والإلغاء، لكن ليس مهمة الكتابة. هذا الأمر ميّز نصّه منذ البداية. كان يؤمن بأن كل ما يمكن استبعاده يجب أن يستبعد. فأهمية المكتوب تكمن في قدرته على التعبير عن كل الأوجاع غير المكتوبة، لأنّ ما هو حقيقي يكون عصيّاً على الكتابة في الغالب.

قلة الإنتاج هي «التهمة» التي كان النقاّد يواجهون بها أصلان. يكاد يكون أقل كتّاب الستينيات إنتاجاً. أصدر ثلاث روايات هي «مالك الحزين» التي تحولت إلى فيلم داود عبد السيد الشهير «الكيت كات»، وأدّى بطولته محمود عبد العزيز وشريف منير، و«وردية ليل» (1991)، و«عصافير النيل» (1999) التي تحولت أيضاً إلى فيلم للمخرج مجدي أحمد علي بالعنوان نفسه (2009). هذا إضافة إلى ثلاث مجموعات قصصية هي «بحيرة المساء» (1971)، و«يوسف والرداء» (1983) و«حكايات من فضل الله عثمان» (2003)… فضلاً عن كتابين نثريين هما: «خلوة الغلبان» (2003) و«شيء من هذا القبيل» (2007). أما آخر أعماله المنشورة، فـ«حجرتان وصالة» (2009) الذي سمّاه «متتالية منزلية». ومعظم أعماله صادرة عن «الهيئة المصريّة العامة للكتاب» و«دار الشروق» في القاهرة، و«دار الآداب» في بيروت، كذلك ترجمت إلى لغات عدّة منها الإسبانيّة والفرنسيّة والألمانيّة والصربيّة والإنكليزيّة. كان يقول دوماً: «أعتبر نفسي عاشقاً للكتابة وهاوياً لها. ولست كاتباً محترفاً مفروضاً عليه أن يكتب. ولديّ يقين بأنّه إذا لم يكن ما أكتبه يلبّي احتياجاً داخلياً لا يمكن تفاديه، فإنه من الصعب أن يلبّي احتياجاً لدى القارئ». كان أصلان يكتب إذاً كأسطى، يعشق عمله الذي يكتبه، وهو ما يتطلب منه «حالة مزاجية» عالية. لذا يريحه دوماً وصف الأديب الراحل يحيى حقي لهذا النوع من الكتّاب بـ«المنتسبون إلى الكتابة لا محترفوها». في أيامه الأخيرة، كان مبتهجاً بالثورة، يتابع تفاصيلها وتأثيرها. قال: «مهما كانت نتائج ما يحدث حالياً، فأنا ممتلئ فرحاً لأنني لم أرحل قبل أن أشهد أبناء مصر وهم يقدّمون للعالم بطاقة تعريف جديدة لهذا الوطن». رحل تاركاً لنا إرثاً متميّزاً وكتابين تحت الطبع سينشران قريباً.

جوائز

نال إبراهيم أصلان جوائز أدبيّة عديدة، منها «جائزة طه حسين» من جامعة المنيا عن رواية «مالك الحزين» عام 1989. كذلك حاز «جائزة الدولة التقديرية في الآداب» عن دورة عام 2003، و«جائزة كفافيس الدولية» (2005)، و«جائزة مؤسسة ساويرس للأدب المصري» (2006) عن «حكايات من فضل الله عثمان».

تلك الحكايات الصغيرة هي ما يجمع بيننا: راقب العالم كأنّ لديه الزمن كله

تسعة كتب مشغولة بالتفاصيل الصغيرة هي رصيد صاحب «ورديّة ليل» الذي وضع عدسته على الأرض، ليرى ملحها وينقل دهشة لا تنقطع

محمد خير

القاهرة | من المعروف بداهة أنّ أمثال إبراهيم أصلان حينما يموتون فإنهم لا يموتون فعلاً. لذا، فالحزن العادي على الموت قد لا يكون في محله هنا، بل هو حزن صمت الموسيقي في نهاية الحفل، واعتزال اليد عن هوايتها في نحت الكلام، وانتهاء الوعد بتلقّي المزيد من النصوص الأصلانية المتأنية، المتباعدة، الفريدة. ولأنه ليس موتاً حقيقياً، فلا عزاء يفلح فيه سوى أنّ العم أصلان لم يحفل كثيراً بالزمن منذ «بحيرة المساء» إلى «حجرتان وصالة».

عندما أصدر مجموعته الأولى «بحيرة المساء» عام 1971، كان في منتصف الثلاثينيات، وهي سن يصلها كتّاب اليوم وفي حوزتهم ثلاثة كتب أو أربعة. لكن أصلان لم يكن يعاني أزمة نشر، بل يعتنق تمهلا نادراً في الكتابة اتضح في روايته «مالك الحزين» الذي أورد في نهايتها أنّها كتبت من ك1 (ديسمبر) 1972 إلى نيسان (أبريل) 1981. هذا التأني لا يعنى سوى أنّ صاحبه لا يحفل بما يتقاتل عليه الآخرون من «مجد» و«عالمية». وها هو يغادرنا وليس في جعبته سوى 9 كتب تتنوع، لا كما تتنوع الأخرى بين رواية وقصة، بل بين نصوص يمكن أن نصنّفها، وأخرى لم يسمّها سواه، «متتالية منزلية» هو الاسم الذي أطلقه على كتابه الأخير «حجرتان وصالة». وفي «خلوة الغلبان» و«شيء من هذا القبيل»، ثمة إيحاء مخادع بأننا إزاء مقالات لا نلبث أن نكتشفها كحالات عصية على التصنيف، لكنها ليست عصية على القلب. وفي إحداها، يقول إنّه اختار اسم «بحيرة المساء» من نصف شطر بيت لعبد الوهاب البياتي. وبعد سنوات، يلتقي الشاعر العراقي فينصحه الأخير بأن «على الواحد أن يعيش ويراقب ما شاء، شرط أن يحرص على بقاء مسافة بينه وبين الواقع، مسافة يأمن معها ألا ينكسر قلبه»، لكن أصلان يعترف بأنّ القلب انكسر فعلاً. ومع ذلك، يبدو أنّ نصيحة الشاعر وجدت موقعاً مألوفاً في كيانه، فراقب العالم كأنّ لديه الزمن كله. ولهذا ربما لم ينشغل بالمعارك الصغيرة بل بالتفاصيل الصغيرة، ورسمت فرشاته العالم عبر جزئياته الدقيقة ولحظاته الغافلة وكلماته العابرة. وفي جميع نصوصه، تكاد الصفحات تضيء من فرط البياض لقلة الكلمات. ويبدو السرد الفعلي أحياناً ليس في الأحرف والعبارات، بل في المساحات الخالية بينها، ويكاد يستحيل اقتباس شيء من النصوص. الدهشة ليست في سطر بعينه، بل في ما يظهر وما لا يظهر معاً. يصعب الاجتزاء والاقتباس. ولهذا، فعندما اقتبس داود عبد السيد «مالك الحزين» في فيلمه «الكيت الكات»، استقى روح النص وصنع منه لغته السينمائية الخاصة. هكذا احتل «الكيت كات» مكانه في قائمة أهم الأفلام، واحتلت «مالك الحزين» مكانها بين أهم الروايات.

ربما كان ثمة سبب آخر لقلة أعماله أنّه لم يكتب سوى عمن يعرف. عندما عمل في إدارة البريد، كان شاباً. فتحت له مرة الباب مراهقة جميلة تسأله فجأة «إنت بتشتغل كده ليه؟ كنت في الثامنة عشرة من عمري، وهي لاحظت حرجي وصمتي، وقالت مستنكرة: إنت شكلك حلو سيب الشغل ده واشتغل شغل تاني. وأخذَت الخطاب وأغلقت الباب»، لكنه لا يحكي تلك الحكاية في كتابه «وردية ليل» الذي يدور في عالم موظفي البريد. بل انتظر ليحكيها في «خلوة الغلبان». انتظار هو نوع خاص من تقطير التجربة وتقطير الكلام، ومن يعلم فربما دفعته تلك البنت حقاً في ذلك الزمن البعيد كي «يشتغل شغل تاني». لكن نصيحة كاتب عجوز مغمور لم تكن تقل إدهاشاً، عندما نصح الشاب إبراهيم «لازم تكتب، الكتابة هي الشيء المهم». ويسكت الشاب متأملاً سوء حال الرجل، فإذا بالعجوز يصيح فيه غاضباً «أنا مش مقياس. فاهم؟». وسواء كان السبب صرخة الرجل أو سؤال البنت أو نداءه الذاتي، وجد الشاب نفسه في طريق كتابة لا تتعجل نفسها. وبين مصلحة البريد وحواري إمبابة وشوارع الكيت كات، وجد الناس الذين عَبَر من خلالهم إلى أسئلة الوجود. وعندما ترك كل ذلك إلى المقطم، البعيدة عن الزحام، كتب الحزن المنزلي في «حجرتان وصالة»، حيث التلصّص على الكفاح الذاهل لكهل ترحل زوجته، وتتركه في متاهة الأدوات المنزلية وعلب الدواء، ثم ينتقل أصلان نفسه في أيامه الأخيرة من بيته إلى بيت آخر. وفي عموده الأخير في «الأهرام» يسأل نفسه: «هل يليق أن يكون البلد هكذا؟ وتروح أنت تحدث القارئ عن الكتب والانتقال من مسكن إلى آخر، هل هذا كلام؟» ثم يجيب: «تلك الحكايات الصغيرة العابرة التي نتبادلها طيلة الوقت، في كل مكان، هي ما يجمع بيننا، وما يبقينا على قيد الحياة».

كتابة التقطير: متتاليات حياتيّة

خليل صويلح

ليس من قبيل المصادفة أن يلجأ إبراهيم أصلان إلى كتابة «الشيفرة» وتقطير الكتابة إلى الحدود القصوى. عامل التلغراف القديم أتى ببلاغة «البرقية» إلى الكتابة، ولم يحد عن الاختزال والكثافة، منذ تجاربه المبكرة، فباتت نصوصه علامة مسجّلة تخصُّ صاحبها وحده. ليس الاقتصاد اللغوي فقط ما يميّز كتابات صاحب «وردية ليل»، بل الالتقاطة الصارمة للمشهد الذي يعبره الآخرون دونما اهتمام. كان يلتقط كنوزاً ممّا يراه سواه «نفايات الحياة اليومية»، أو مشهديات ما قبل الكتابة. هكذا يقلّب المادة الأولية بموشور متعدّد الأطياف، عبر الكتابة والمحو، إلى أن يجد جهة البريق، وإذا بنا إزاء شخصيات، وأمكنة، ومواقف، يصعب تخيّل ثرائها الحياتي، قبل أن يصطادها صاحب «مالك الحزين» بكمينه المحكم. على الأرجح، فإنّ أصلان كان يدرك بإمعان معنى عبارة «العالم يبدأ من عتبة بيتي». وجد في إمبابة، الحي القاهري الشعبي الذي نشأ فيه وأهداه أروع شخصياته القصصية والروائية، فضاءً سردياً لا ينضب، في تناوبٍ آسر بين هامشية حضور هذه الشخصيات وفاعليتها من جهةٍ، وقدرتها على صناعة الحلم من جهةٍ ثانية.

هذا النحت المتواصل للعبارة، لجهة الدقّة في الوصف، ونبش داخليات شخصياته، واختزال المسافة بين المحكي والمكتوب، وضع صاحب «عصافير النيل» في منطقة الدهشة والفانتازيا والابتكار، في تقنيات الكتابة نفسها. سنلحظ تحولاً تقنياً متواتراً في أعماله. هو بدأ قاصّاً، ثم روائياً، وانتهى إلى ما سمّاه «نصوصاً سردية»، كما في «خلوة الغلبان»، و«شيء من هذا القبيل»، وأخيراً «حجرتان وصالة» التي عنونها بـ«متتالية منزلية». انتقاله إلى العيش من حي إمبابة الصاخب إلى شقة في المقطّم، انعكس على حجم فتحة العدسة، فانكبّ على اكتشاف جمالية المكان الضيّق. شخصيّات لا تغادر أمكنتها المغلقة، إلا نادراً، وهي حين تغادر لطارئ ما، تجد حياة موازية على سلّم البناية، أو في زقاق معتم. أبواب مغلقة، وأخرى مفتوحة، نحو مشفى، أو عيادة للطب النفسي، أو صيدلية. حيوات تضيق بأرواح أصحابها، في لحظة ما قبل الاختناق، ونفاد الهواء..

مثقفو مصر شيّعوه إلى «باب النصر»

سيد محمود

القاهرة | أمس، وصل إبراهيم عبد المجيد باكراً الى بيت إبراهيم أصلان في المقطم لتوديع جثمانه، فوجد سعيد الكفراوي ينتظره فتعانقا طويلاً ثم انخرطا في بكاء طويل. انتبه الكفراوي الى أنّه هو الذي ورّط أصلان في المجيء الى المقطم وترك امبابة. حكاية قطعها دخول الموسيقي العراقي نصير شمّة الى المشهد، ومعه الشاعر السوري محيي الدين اللاذقاني ليودعا «مالك الحزين». دقائق ثقيلة مرت قبل أن يتحول الشارع الى سرداق مفتوح ضم رفاق أصلان في سنواته الطويلة، التي لم تكن كلها قاسية، لأنّ بهجته منحت عمره المزاج الذي يليق بصاحب «خلوة الغبان».

هذا هو العنوان الذي اختاره لأحد أجمل كتبه، وبدا صوفياً أكثر مما تحتمل الكتابة، «لكن الحياة تحتمل طالما عشتها خالية من الآلام المنافسة وأحقادها»: هكذا قال مرةً وهو يسير في شوارع «غاردن سيتي» بحثاً عن سيارته الـ «فولس فاغن» القديمة التي رفض التخلي عنها، ثمّ تركها لابنه هشام، الذي فأجاه باحتراف الكتابة وهو يعبر سنواته الثلاثين.

جاء السينمائي مجدي أحمد علي الذي حوّل رواية «عصافير النيل» الى فيلم شجي. وكان قد بدأ العمل على تحويل عمله الأخير «حجرتان وصالة» الى مشروع سينمائي جديد، مع محمد الرفاعي. قاوم مجدي رغبته في البكاء ثم أمسك يد الروائي محمود الورداني، والناشر محمد هاشم، وظهر في اللقطة محمد المخزنجي، الذي يندر أن تراه في مشاهد مزدحمة مماثلة. فالكاتب الهامس رأى دوماً في أصلان ملاذاً وركناً لا يمكن تفاديه في أركان السرد المصري. قبل أن تخرج جنازة العم إبراهيم، ويوارى جسده في الثرى، أطلّ ناشر أعماله إبراهيم المعلم (الشروق)، ووقف الى جانب وزير الثقافة السابق عماد أبو غازي، الذي بكى طويلاً وهو يصلي على الجثمان. وقبل أن ينطلق المشيّعون الى مقابر الأسرة في باب النصر، الى جوار سور القاهرة الشمالي، وقريباً من حي الحسينية وباب الفتوح، نبّهنا عماد أبو غازي الى أنّ المقابر ذاتها ضمت رفات المؤرخ المصري المقريزي، قبل أن تنقل المحافظة الرفات الى وجهة مجهولة. وتبادل الجميع حكايات عن الراحل بدت كلّها كأنها «تمارين على الابتسام»، وإذا بالجميع يعودون إلى كتبه المؤجلة. قبل وفاته، كان يعمل على إعداد كتاب بهذا العنوان يضم المقالات التي كان يكتبها لصحيفة «الأهرام». كتب صاحب «وردية ليل» في «الأهرام» طوال ثماني سنوات، ناجحاً في إعادة الاعتبار إلى فن المقال الأدبي. هذا النوع تعرّض لإهمال متعمد، من وجهة نظره، بعد غياب يحيى حقي، الذي نظر إليه أصلان دوماً كـ «جبل شاهق» من جبال الكتابة.

عاش إبراهيم أصلان ومات مثل صياد ماهر لأكثر اللحظات الحميمية التي تستعصي على الكتابة، لكنها تلين بين يديه لتتحول إلى «حياة من لحم ودم». فالبشر هم السر الحقيقي في كل ما أنجزه أصلان، ودرسه الأهم والأكبر هو ألا نبتعد عن الحياة.

جلس على كرسيّه الهزاز… ومضى

محمد شعير

منذ أسبوعين، أنهى إبراهيم أصلان اجتماع «اللجنة العليا لمكتبة الأسرة» التي يرأسها. توجّه إلى وسط القاهرة، وسار في شوارع وسط القاهرة قبل أن يصل إلى مقهى «زهرة البستان». هناك، احتسى الشاي، ثم غادر إلى مقهى «الجريون» الشهير. في تلك الليلة التي بدا فيها كأنه يودّع أماكنه الثقافية التي شهدت الكثير من معاركه، حدثنا عن أمه «السيدة التي لم تكن تنام إلا بعد أن تطمئن على عودته وتناول عشائه. ثم تدخل لتنام بهدوء». ذات مرة، نسيت ما إذا كانت قد تركت لإبراهيم نصيبه من اللحم أو لا، فظلت مستيقظة بجوار سريره حتى استيقظ عند الظهيرة، فسألته: «هل تركت لك نصيبك؟» أجابها بنعم، ثم انسلت لتنام. كان صاحب «يوسف والرداء» يتحدث بعذوبة عن والدته، وعن صديقه الروائي الراحل خيري شلبي. كان الجميع يضحك من حكايات «المقالب» بين الاثنين. يقول إبراهيم: «كان يصرّ على أنّني لست كاتباً لأنني مقلّ، والأديب الحقيقي ينبغي أن يصدر عشرات الأعمال. وأنا من جانبي، أصرّ على أنه ليس كاتباً لأنه يكتب كثيراً. وأنا أحاول أن أقنعه بأنّ الكاتب الكبير ليس بعدد الأعمال. ذات مرة، اتصل بي يسألني عمّا إذا قرأت روايته الجديدة. أجبته: لا يا خيري. قال لي: والنبي اقراها مش حتصدق إني أنا اللي كاتبها».

ضحكنا وهو يتحدث عن العم خيري صديق عمره، وكدنا نبكي وهو يتحدث عن مكالمتهما الأخيرة التي سبقت رحيل خيري بلحظات. تحدث يومها أصلان عن الموسيقى والعمر الذي لن يكفي ليستمع إلى ما يحبّ، وعن مدرسة التلاوة المصرية، وعن الثورة التي كان يرى أنه فرح جداً بها، مهما كانت نتائجها. كان يقول: «لم أرحل قبل أن أشهد أبناء مصر وهم يقدمون للعالم بطاقة تعريف جديدة لهذا الوطن». وأول من أمس، خرج أصلان من المستشفى بعدما قضى أربعة أيام في إجراء التحاليل والفحوص وعلاج عضلة القلب المجهدة. خرج والتقى الأصدقاء. لم يكن سعيداً وهو يتحدث عن ترشيحه لجائزة «النيل»، لكنه أبدى رغبته في مشاهدة فيلم «منتصف الليل في باريس» الذي يتحدث عن همنغواي أستاذه الحميم. وعده سعيد الكفراوي بأن يحضره له في اليوم التالي. لم ينتظر أصلان أن يشاهد الفيلم. جلس على كرسيه الهزاز الذي لطالما كتب عن حبّه له… ومضى!

حجرتان وصالة لإبراهيم أصلان غرائبية الموت العابر

طارق إمام

في المسافة بين المجموعة القصصية والرواية، تحققت تجربة إبراهيم أصلان الأخيرة ‘حجرتان وصالة’، والتي اختار لتوصيفها عبارة مبتكرة هي ‘متتالية منزلية’.

هو إذن لم يوصفها بمصطلح ينتمي للقص أو السرد من قبيل ‘رواية، مجموعة قصصية، متتالية قصصية’، كأنه غير مشغول بالإعلان عن النوع قدر انشغاله بالتوصيف ‘الموضوعي’ للعالم الذي يشير له العنوان. بل إن عبارة ‘متتالية منزلية’ كانت تصلح في حد ذاتها عنوانا فنيا أكثر منها ‘توصيفا نوعيا’ يدل القارىء على طبيعة العمل.

أيضاً، وقياساً على رواية سابقة لأصلان نفسه مثل ‘وردية ليل’، كان يمكن أن تكون’حجرتان وصالة’ رواية من نفس القماشة، تحفل بقدر من الانزياح عن البنية المألوفة للعمل الروائي. ذلك أنها تتحرك بنائيا وتكوينيا وفق نفس المنطق الذي انبنت عليه ‘وردية ليل’: مقاطع أو فصول لا يحيل أحدها إلى الآخر زمنيا بشكل مباشر، ولا تتقدم بحدث للأمام، ويربطها بعضها ببعض مركزية الشخصيات والمكان، في ظل غياب حدث واحد مركزي كبير وحبكة رئيسية، مقابل حضور ملفت لأحداث فرعية صغيرة وحبكات فرعية.

اختار أصلان إذن ألا يطرح ‘حجرتان وصالة’ كرواية تعزف على لحن سابق له، وصك لها توصيفا يبدو’شخصيا’ لا يمكن إغفاله لدى مقاربة النص.

العنوان، المدعوم بتوصيف شارح، يحيل بشدة للمكان. والمكان هذه المرة داخلي، هو البيت.الخارج لا يحضر، حتى قرب منتصف المتتالية، إلا عبر بلكونة وحيدة تصل الداخل بالخارج وتفصله عنه في الوقت نفسه. في النصف الثاني يتبادل الخارج اللعب مع الداخل، لكن أيضا للتأكيد على الأخير.

2

ثمة مفارقة أولى، فالمكان يحضر في هيمنته، في شبابه، بالتوازي مع شيخوخة ساكنيه وعجزهم. حضور المكان هنا يقابل بالضبط غياب أصحابه وقرب رحيلهم. العجائز فقط يلوذون بالبيوت. ربما كانت تلك حقيقة ما، إما بسبب التقاعد ـ مثل خليل، الشخصية المركزية الأولى ـ أو انتفاء شرط الخروج ـ مثل زوجته إحسان.

النصوص، في مفارقة متصلة بسابقتها، تكاد لا ترسم الشخوص إلا من الخارج، في رصد سلوكي مهيمن.. بينما ترصد المكان من داخله، تحلله وتتأمل معانيه الكامنة. ثمة تبادل للأدوار هنا.. يتشيأ الوجود الإنساني حتى يصير ما نراه منه هو خارجه.. ويتأنسن المكان حتى اننا نبذل الجهد الأضخم لقراءة أعماقه. هذه لعبة أولى تمتد في المتتالية وتتجلى عبر حلقاتها الثماني والعشرين.

المفارقة الثانية، والمهمة في ظني، هي شكل العلاقة بين الرجل المتقاعد ـ الأستاذ خليل ـ والزوجة إحسان. انها هنا علاقة الرجل بالمرأة، وليست علاقة الأب بالأم مثلما يقتضي الحال في شخصيتين تنتميان عمريا لهذه السن.

خليل مثلا لا ينادي زوجته أبدا بـ’أم سليمان’، ابنهما الأكبر، كما هي الحال في بيوت هذه الطبقة، يناديها على الدوام باسمها، وهي أيضا تفعل ذلك.

العلاقة يتخللها على الدوام ‘سوء تفاهم’ بالمعنى الوجودي الذي يتجاوز البعد الاجتماعي المباشر والسطحي. تعيدك لأول الزواج وليس آخره، ولجوهر كل علاقة إنسانية تمور بالتناقضات في حقيقتها رغم تماسكها السطحي الهش، حيث سوء التفاهم، والعادات المختلفة، والشجار على تفاصيل تافهة، حتى أنني تمنيت، بشكل شخصي، أن تقترب المتتالية من لحظة جنسية تجمعهما، لا لكشف العجز الذي نتوقعه جميعا، لكن للوقوف على المفارقة التي اتكأت عليها النصوص كثيرا في خلق حالة الطرافة السوداء التي تتخللها.

ينهمك كل من خليل في علاقة كاشفة بالأشياء، غير أنها تؤكد على تناقضهما.

علاقة خليل بالأشياء تؤكد دنيويته: فهو مهتم بالتليفزيون، دال الاطلاع على الدنيا، وبالأطباق والأواني المتعلقة بالطعام والشراب، وبتفاصيل الطعام ومذاقاته، أما إحسان فغائبة في تفاصيل تؤكد على الغياب، مثل ملابس ولديها القديمة بعد ان غادرا البيت، ونومها على سريريهما بالتبادل، كأنها ترثي موتهما الرمزي ورحيلهما عن عالمها الأمومي.

هذا التشيؤ بقدر ما يباعد بينهما في كشفه لشخصية كل منهما، بقدر ما يقربهما على مستوى واحد: التأكيد على غياب التواصل المتبادل. حتى أن إحسان تغدو مرتعدة كلما فوجئت بوجود خليل في الشقة كأنه رجل غريب، مثلما تستغرب كلماته التي يقولها منذ عشرات السنين.. وتنتابها ‘حالة’ .. لا يجد خليل حيالها سوى الطرق على كوب لينبهها إلى وجوده!.

3

نحن طوال الوقت هنا حيال عبث من نوع خاص، وأمام غرائبية تتفجر، حادة وصادمة، من المألوف والمبذول واليومي، من الحياة العابرة، ومن الموت العابر على حد سواء. لا يكاد يعبر مشهد عادي، من تلك المشاهد التي تمر بالدنيا، دون أن يتطور من داخله، ليتحول إلى مشهد لا معقول.. لا يصدق. يصير مشهدا كابوسيا يلائم شخصيات فصامية أو مصابة بالوساوس القهرية.

إنه تأويل شعري يشتغل على سردية العابر و’خبريته’ المبذولة، صانعا تلك المحصلة النهائية من الإدهاش.

سؤال خليل عن طول ابنه، هذا السؤال العابر، يصبح فجأة هما حقيقيا وشغلا شاغلا له، بين فرضيتين عبثيتين.. ان ابنه البالغ طال فجأة، أو أنه قصر. والسؤال يتكرر مرة أخرى في مقطع آخر من المتتالية لكن بصورة اخرى، حين يشك خليل أن إحدى ساقيه صارت أطول من الأخرى.. الأصوات التي يسمعها في العيادة والقادمة من لا مكان، وهي أحد أعراض الوسواس القهري وفق الطب النفسي. يكاد خليل يكون شخصا مفارقا رغم عاديته الظاهرة. موهوم وقادر على الاستغراق في فرضيات قهرية تقوده طوال الوقت. بالمقابل تبدو إحسان أكثر اتزانا، غير أن لها أيضا مفاجآتها غير المتوقعة، مثل خوفها المفاجىء منه كلما عبر، اصرارها على المساواة بين الأخين الغائبين في نومها يوما على سرير هذا والآخر على سرير ذاك.

اننا نبدو أمام شخصين غارقين في أحلام يقظتهما، متورطين في ‘خرف’ ما قد يكون بسبب الشيخوخة أو الوحدة.

والمدهش أن العالم عندما يتسع قليلا، وهو ما سيحدث بعد موت إحسان، سنكتشف أن عددا غير قليل من الشخصيات تملك نفس الهواجس التي تغمرها بضوء غرائبي: عبد العال، صديق خليل، المشغول بالسؤال عما إذا كان ملك قطارا ‘لعبة’ في طفولته أم لا، والمتحسر أكثر لانه لم يسأل أمه ‘التي ماتت ومعها السر’ عن ذلك قبل رحيلها، والتي ماتت بدورها متحسرة لأنها لم تسأل أباه عن سبب طلبه للمنشار قبل موته! .. محمود الصدفجي الذي صار يكلم نفسه داخل شقته بصوت عال بعد موت زوجته، وتعود أن يغير ملابسه الداخلية خارج الشقة أمام أعين الجيران، بل وزوجته نفسها التي عرف بأنها ستموت عندما جلست بكامل زينتها في سرير المرض لأن كل أفراد أسرتها الذين رحلوا فعلوا ذلك قبل وفاتهم. الأستاذة كوثر التي رفضت قضاء حاجتها في حمام شبه ريفي لأنها خجلت أن ترى الخراف والدجاج عورتها!.. وغيرها. تكاد لا تعثر في المتتالية على شخصية استثنائية، رغم ان كل الشخصيات، في حقيقة الأمر، من العاديين.

4

كيف ينظر الراوي لشخصياته تلك؟ من أي وجهة نظر يحركها ومن أي زاوية يرصدها؟ انه دون شك سؤال جوهري في أي نص سردي. وأصلان من المنحازين للراوي المحايد، عين الكاميرا التي لا تعرف أكثر مما ترى. ترصد فقط ما يحدث تاركة من يقرأ، وكأنه يرى، لينتج الشخصيات من الداخل. نعم.. ثمة حضور لذلك الراوي هنا، غير أنه يتخفف من ذلك أحيانا!. لماذا يقدم الراوي بطله باعتباره ‘الأستاذ خليل’ وليس خليل فقط؟.. انه موقف بشكل ما، كأن الراوي لا يجرؤ على تقديم بطله باسمه المجرد. كأنه يكتب عن شخص حقيقي لم يناده يوما خارج النص باسمه مجردا. بعد موت إحسان، يطلق الراوي على بطله في أغلب الأحيان اسم ‘أبو سليمان’، ويسبغ على إحسان لقب ‘الحاجة’.

إنه تحول لافت لتفصيلة تبدو هامشية في علاقة الراوي باسمي شخصيتيه. تحول خليل إلى أب بعد موت زوجته، عبر كنيته، مغادرا وظيفته كرجل التي حضرت قبل ذلك، ومنح احسان قداسة ما بلقب مجاني حيث لم تحج في الحقيقة.

اذن.. لماذا، بالمقابل، يطلق الراوي على الابنين لقب ‘الولدين’ في تعميم يدعو للتساؤل؟،انه موقف الأب هنا وليس موقف الراوي، انه وعي خليل نفسه بهما وليس وعي الراوي الذي تفصله عن الشخصيات مسافة معقولة. انه موقف راو ‘عجوز’ يرى الأصغر سنا ‘أولادا’.

الراوي أيضا منحاز بشكل كبير للتعابير الشفاهية، وتلك التي اصطلح على كونها شفهية حتى لو أثبت المعجم فصاحتها، والأمثلة بالفعل كثيرة حتى أنها تستعصي على الحصر، فهي جزء من الأداء اللغوي للراوي بامتداد العمل كله، منها على سبيل المثال:(الصبح بدري، لغاية الفيشة القديمة ما وقعت على درجة السلم الأخرى، والحاجة استغفرت ربنا، عملت الشاي، من أيام ما كان شابا، قعد أمام التليفزيون، قلع البنطلون، يتطوح على خفيف، دخل معه ساعة الكشف، لم يعد يلبس الطقم من أصله.. إلخ)، والمسألة تتجاوز التعبيرات الجزئية لتتخلل الروح السردية في جملتها. تبدو العديد من المقاطع كأنما ‘فصحت’ على آخر لحظة .. هذا الاقتراب المحموم من تقريب الشفاهي للكتابي لم يكن من آليات أصلان الأثيرة في السرد، وإن انحاز له منذ البداية في الحوار، ويجب ألا نغفل هنا أن أصلان ربما يكون الوحيد في جيله الذي حسم اختيار العامية لإدارة حوار أعماله بينما ينحاز آخرون للحوار الفصيح ويمزج آخرون بين الفصحى والعامية في الحوار.

يبدو هنا كما لو كان الوعي الشفاهي يدير الوعي الكتابي ويقوده لمناطقه، وهو ما حقق هذا القدر من التفكيك للراوي المحايد، الجاف بطبعه.

5

بموت إحسان يغزو الخارج الداخل، كأنها كانت البيت نفسه بالمعنى الرمزي.

نحن هنا إذن أمام تحول سردي، لا تتسع له كلمة ‘مجموعة’، بل هو دون شك أقرب للرواية وإن لم يحقق منطق الرواية طوال الوقت.

هنا يعود السؤال من جديد عن الطبيعة النوعية لهذا العمل. إن أصلان، امعانا في تأكيد قصديته بفكرة المتتالية، رقم المقاطع، كأنما لم يكتف بترتيبها، والترقيم علامة زمنية تستخدم في الروايات ولا تستخدم في المجموعات. ثمة إشارة هامة إذن للمتلقي: اقرأ هذا الكتاب مرتبا. المتتالية بالتأكيد إحالة زمنية، بينما كلمة’مجموعة’ إحالة مكانية، النصوص فيها تتجاور لا تتتابع. هل تحقق الرهان هنا؟ انتظرت حتى منتصف الكتاب تقريبا لأبدأ في التيقن من تحققه، وتحديدا في المقطع الثاني عشر’ أبيض واسود’، ذلك المقطع المحوري، الذي ماتت فيه إحسان.

المتتالية وفق هذه البنية مقسمة زمنيا إلى وحدتين كبيرتين، الأولى ما قبل هذا المقطع/ المنحنى، والثانية ما بعده. ربما لن تلمح فيما عدا ذلك تتابعات زمنية محورية بين مقطع وآخر، لكن هذه اللحظة أتت بما يشبه الذروة الروائية: مأزق معقد يواجهه البطل وعليه أن يتصرف حياله.

أيضا بعد هذا المقطع يتحدد زمن الأحداث الباقية بأربعين يوما، فالمتتالية تنتهي بـ’ أربعين’ إحسان، بينما يبدو زمن ما قبل هذه اللحظة مموها، يمكن ان يكون أياما أو أسابيع أو شهورا، وربما حفنة سنوات.

تنقلب حياة خليل بعد موت إحسان، رغم ان ذلك يحدث في لحظة انتهت فيها حياته بالفعل قبل ذلك، ربما منذ احالته للتقاعد ومغادرة الولدين للبيت.

المفارقة الجديدة هنا أن حياة خليل تنقلب لتعود إلى سيرتها الأولى، ينتقل إلى منزله القديم الذي عاش فيه قبل زواجه، وتعود علاقاته بأصدقائه القدامى للظهور.

في هذه اللحظة يتسع المكان فجأة، كانما تصبح الحجرتان والصالة صحراء مترامية يتيه فيها شبح شخص وحيد. العالم السري لخليل يبدأ في الانكشاف للآخرين، تعد له ابنة البواب الشاي، وتنتهك زوجتا ابنيه حرمة المطبخ لتطهوان طعامه، ويباغته ذات مرة رجل ظل يراه دائما دون ان يتحدثا ولو مرة. ان هذا الجار لا يدخل الشقة الا بعد موت رجاء، وهو سلوك مليء بالدلالة، رغم انه لا يذكرها في جلسته ولا يبدو انه يعرف بأمرها من الأساس.

ان باب شقة خليل، بعد موت إحسان، يصير مفتوحا على الدوام، يتركه دون أن يغلقه، في إشارة بالغة العمق للتحول الذي صار عليه البيت وخليل معا.

أيضا عالمه القديم، عالم أصدقائه القدامي يهيمن، عبد العال وتوفيق وغيرهما. تعود حياتهم المشتركة القديمة للظهور.

خليل أحيانا يلجا للاقتراض، رغم انه لم يفعل ذلك في حياة إحسان، هل تضاعفت مصاريفه بموتها لانفتاحه أكثر على الخارج؟ أم لغياب مدبرة المنزل؟.

ما بعد موت إحسان هو خارج البيت، وحضور الشخصيات المتواترة، بما فيها شخصيات ماتت ويتذكرها خليل، يستحضرها لتحيا مرة أخرى، مثل محمود الصدفجي وزوجته.

إن هناك مفارقة أشد قسوة تحضر في كل ذلك، تتمثل في أن الحياة تتسرب لحياة خليل بعد موت إحسان. انه مثلا يحضر ‘فرح’ قبل أن يمر الأربعين، بل وتصيبه حسرة عندما يغادر مبكرا، ويظل محافظا على عادته بالفرجة على التليفزيون، وهي أشياء في الوعي العام تناقض مظاهر الحداد المتبعة.

وفاة إحسان ـ كتحول درامي ـ تدفع خليل ليكون أكثر شجاعة ، وهي سمة في الأبطال الملحميين، كما تكشف عن دنيوية خليل القارة فيه.

وفي مقطع كاشف جدا، بعنوان ‘زقاق جانبي’، يتحدث خليل لأول مرة عما فعله فيه الموت، مؤكدا انه جعله لا يخشى الأسئلة، لأن موت الأسئلة، في تحليل أعمق، هو موت الحياة. يقول خليل للمرأة البسيطة التي سألها بعبثية عما إذا كانت تملك الدجاجة البنية التي رآها معها وذكرته بكتكوت قديم تاه من زوجته، أم أنها وجدتها في الشارع:’ شوفي حضرتك. أنا ضيعت ستين سنة من عمري على الأقل وانا عندي أسئلة من هذا النوع.نفسي أسألها ولا أقدر، لأني كنت محرج.ودي مأساة يا هانم، والدليل هو اللي حصل دلوقت، هل فيه ضرر أصاب حضرتك من السؤال؟…. علشان كدة انا قررت من ساعة وفاة الحاجة، إن أي سؤال يشغل بالي لازم أسأله على طول’.

بتأويل ما، كان على إحسان أن تموت ليعود خليل للحياة، حتى أنه في المقطع الأخير، وبعد انتهاء أربعينها مباشرة في المقطع قبل الأخير والمعنون بـ ‘آخر الليل’ ولاحظ دلالة العنوان، يستيقظ مبكرا في ‘أول النهار’ ، ولا حظ مرة أخرى العنوان الدال الذي تنتهي به المتتالية، وتجاور العنوانين، ليشتري الفول ويتناول إفطارا شهيا. ان خليل ‘ دخل وفتح النافذة لنور النهار وجلس على الكنبة. كان منتعشا مثل رجل غلبه النوم في مكان يعرفه ثم قام ليجد نفسه في مكان غريب. وتهيأ له أن حياته صارت وراءه ولا سبيل لاسترجاع شيء مما مضى، إلا أنه لم يصدق نفسه’.

يودع خليل آخر الليل ليبدأ أول نهاره، ينتهي الأربعين كأنما بذلك ينتهي موت إحسان نفسه، لتلوح نهاية المتتالية، والتي على حزنها، يصر خليل أن تكون سعيدة، بقدر ماهي نهاية مفتوحة، تحيلنا لحياة خليل الآتية، بنفس القدر الذي تحيل به إلى موته القادم.

ورَحَلَ إبراهيم أصلان شَاعِرُ الغُرَبَاءِ والمكان رفيق مالك الحزين

ممدوح فرَّاج النَّابي

إذا كان هناك وَصْفٌ يَلِيقُ بالأديب الرَّاحل إبراهيم أصلان (3 آذار/مارس 1935ـ 7 كانون الثاني / يناير 2012 )، فهو شاعر الغرباء (كما وصفه صديقه عبد الحكيم قاسم) ويمكننا أَنْ نضيف و[ المكان ] كما برز عبر سيرته غير المدونة؛ ليصير شاعِرَ الغرباء والمكان في آنٍ واحد.

فبقدر ما ضاق ذَرْعاً بالترحال مع والده من شبشير الحصة بالغربية (تبعد عن طنطا في دلتا مصر بحوالى تسعة كيلو مترات)، حيث مسقط الرأس، إلى القاهرة حي الحسين حيث وجد والده فرصة عمل في البريد، ثم انتقل مع الأسرة إلى حي باب الشعرية، ومنه إلى حي الكيت كات الذي التصق به وجدانياً، فتجلَّى بوصفه مكاناً حيّاً، مازجاً بين البعد الجغرافي والتاريخي والنفسي في بوتقة واحدة، في أعماله كافة، قبل أن يتركه قبل قليل ليقطن في المقطم.

لم تحتفظ ذاكرته بذكريات عن القرية (وفي المقابل لم يتناول في إبداعه عالم القرية قط، مع أن معظم شخصيات روايتيه نازحة من القرية في مفارقة ذات مغزى، بأن المدينة الحديثة في تكوينها امتداد للقرية) بل كان كارهاً لها آنفاً، ومقتصداً في زيارته إلى مسقط رأسه مع أبويه حتى ندرت هذه الزيارات تماماً. الشيء الوحيد الذي سجلته ذاكرته من مرحلة الطفولة، هي تلك الصورة التي ظلت تراوغه حتى في كتاباته، وهي صورة لشخصٍ رآه يجلس في إمبابة على النيل يقرأ، وهو ما دفعه إلى القراءة، وبالفعل باح لأستاذ اللغة الإنجليزية (ويبدو الآن واضحاً وجلياً سرّ شخصية قدري الإنجليزي في رواية ‘مالك الحزين’ وسرّ إجادة البهي لمشهد من شكسبير باللغة الإنجليزية في ‘عصافير النيل’ بحكم دراسته في مدرسة أجنبية) الذي ارتبط به بعلاقة متينة، فأعانه على الاشتراك في مكتبة عامة، ومنها بدأ عالمه يتشكَّل، في موازاة العالم الآخر النقيض (عالم البيت) حيث الأب والأم حازمان بحكم ريفيتهما، وهو ما أثَّر على شخصية أصلان ذاتها. فتلك الغربة التي جاءوا بها من قريتهم فرضت عليهم جدار العُزْلَةِ مع الجيران، وكذلك أصلان، لذا اتَّخَذ من اللغة وسيلةً لإظهار غربته التي عاناها، بما تمثُّله هذه اللغة من أداة مهمة وسيطة في نقله ما يريده للقارئ، وهو ما كان يدرك صعوبتها لذا استعاض على حد قوله بـ ‘كل حواس القُرَّاء السَّمْعية والبصرية وحتى حاسة الشَّم’ كما جاء في مقابلته مع المجلة الألمانية ‘دويتشة فيله’، حتى يوصِّلَ ‘الصُّوَرة’ إلى القارئ بأقرب شَكْلِ ممكن لما يدور في خيال الكاتب. وكذلك شخصياته التي تعيش غريبة عن واقعها (لاحظ يوسف وفاطمة في مالك الحزين، ونرجس والبهي في عصافير النيل)، أو تصطنع لنفسها عالماً من خيالها تقاوم به قسوة الحياة (كما فعل الشيخ حسني في مالك الحزين، وما فعله البهي في عصافير النيل، حيث انشغل بكتابة الشكاوى لكل الكبار بمن فيهم رئيس الجمهورية) وكذلك خلق من أستاذ اللغة الإنجليزية موازياً لصورة الأب التي كانت تميل إلى الحزم والصرامة في البيت، حيث المنزل المتواضع المكون من غرفتين، يعيش فيه الأبوان إلى جانب ست أخوات (لاحظ الاقتصاد في لغته وأعماله، هناك مجموعة بعنوان حجرتان وصالة).

ويبدو أن علاقته بأبيه غير الظاهرة على المستوى العام وإن كان قد سرَّبها إلى نصوصه (كما في علاقة يوسف بأبيه) وما يسودها من توتر في كثير من الأحيان، قاده إلى الفشل في دراسته، وهو ما كان بمثابة التحدي والتمرد، لآمال الأسرة المنعقدة عليه، فألتحق بالعمل في وظيفة أسهمت بل كانت مكوناً أساسياً ـ إلى جانب انعزاليته ـ في اقتصاد لغته وميله إلى الاختزال والتجريد، ومن جانب ثانٍ رافداً مهماً في إنتاجه الإبداعي، حيث عمل بعد أن ترك التعليم بـــ ‘هيئة المواصلات والاتصالات السلكية’ ومنها أخذ عالم روايته أو للدقة حلقته القصصية ‘وردية ليل’. بل إن الفشل على المستوى الشخصي تحوَّل إلى فشل على المستوى الاستاطيقي / الجمالي، ليظهر قسوة الحياة على هؤلاء المهمشين، الذين يعيشون في الحياة دون أن يعرفوا لماذا يعيشون أصلاً (لاحظ فشل يوسف المتعدِّد في مالك الحزين؛ ففشل في أن يكتب رواية، وفشل في مشاركة أصدقائه المظاهرة، وفشل في علاقاته الجنسية مع فاطمة، وبالمثل شخصية عبد الرحيم في عصافير النيل، تميَّزت بالفشل في كل شيء بما فيه صيد السمك، باستثناء فحولته الجنسية القوية، في مفارقة باذخة لثنائية الحياة / الموت، فالجنس أصل الحياة، ومع ذلك في الحياة هو ميت).

لم تكن الانعزالية، والاقتصاد سمة لإبداعه فقط، بل تعدّته إلى شخصه، فأصلان معروف عنه الميل إلى البساطة، والابتعاد عن معارك المثقفين، يقف في الظل كطائره ‘ مالك الحزين ‘ صامتاً متأملاً ينتظر موته (المعروف عن طائر مالك الحزين في الواقع إذا نَقُصُ الماء عنه أَحْجَمَ عن الشُّرْبِ حتى مات من الظمأ)، فجاءت إليه أول طعنة في معركة رواية ‘وليمة لأعشاب البحر’ لحيدر حيدر عام 2000، رغم أنه لم يكن هو المقصود، وإنما وزير الثقافة السابق ‘فاروق حسني’ لكنه صادف أنه كان رئيساً للسلسلة ‘آفاق عربية’ آنذاك، فنجا الوزير من المصيدة، واستقال أصلان بكبرياء. هذا هو الاستثناء الوحيد لدخوله في سِجَالٍ مع غيره، وإن كان في حقيقة الأمر دُفِعَ إليه دَفْعاً، والأعجب ظَلَّ مثل طائره صامتاً عازفاً عن الحديث.

ومثلما تميَّزت حياته بالاقتصاد والعزوف، تميز أيضاً نتاجه الإبداعي بالقِلَّةِ، مقارنة بأصدقاء جيله الذين خرجوا من عباءة غاليري 68، حتى أنهم أطلقوا عليه ‘الكاتب بالمحو’ أي أنه يكتب ثم يمحو ثم يعيد كتابة عمله الأدبي أكثر من مرة ليقدِّمه لقرائه مكتملاً . فمن أعماله الروائية رواية ‘مالك الحزين’ 1982 والتي تحولت إلى عمل سينمائي شهير بطولة (محمود عبد العزيز، ونجاح الموجي) من إخراج داوود عبد السيد بعنوان ‘الكيت كات’ إنتاج عام 1991 ورواية ‘عصافير النيل’ 1999 التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج مجدي أحمد علي إنتاج عام 2010 وبطولة (فتحي عبد الوهاب وعبير صبري ودلال عبد العزيز)، ومن مجموعاته القصصية ‘بحيرة المساء’ عام 1971 و’يوسف والرداء’1987 و ‘خلوة الغلبان’عام 2003 و’حكايات من فضل الله عثمان’ عام 2005 و’حجرتان وصالة’ عام 2009 ـ إضافة إلى حلقة القصة القصيرة ‘وردية ليل’ عام 1985، في آخر سني عمره اهتم بالمقال القصصي، وفي كل هذا الإبداع لم يتخلَ عن تلك الوصيَّة التي صدَّر بها رواية مالك الحزين ‘لبول فاليري: ياناثانيل أوصيك بالدقة لا بالوضوح ‘ كانت عيناه كما يحلو أن يقول بمثابة الكاميرا، التي تُسَجِّلُ الهامش والنثار الذي يتحوَّل بلغة أصلان إلى مُدْهِشٍ وَعَجِيبٍ، كما يُثْري عمله بالتفاصيل الدقيقة المهمة، التي تجعل منه وثيقة حيَّة على الواقع، ففي مالك الحزين اعنتاء واضح بالمكان وتاريخه، وتطوّره، دون أن يُشْعِرَكَ السَّرْدَ بأنك إزاء عملٍ مُثْقَلٌ بالتاريح والأحداث، بل يجذبك بدقة تصوير شخوصه، وتتبعهم عبر كاميرته السينمائية في أحلامهم وإحباطاتهم، أفراحهم وأتراحهم، وفي إدهاشاتهم، ونزواتهم. عالم ثري، مُشْبَع بالروح الشعبية، التي تؤمن بقدرها ومنساقة إليه، فلا يمكنك أن تجد مشهداً في الرواية العربية قاطبة كهذا الذي فعله حسين عبد الشافي لاعب الكرة وصديق الشيخ حسني عندما مات أبوه ‘فلم يكن يملك شيئاً ولا الستر، وأنه احتار ماذا يفعل، لم يكن يريد لأن يفضح نفسه وهو الكابتن المشهور على مستوى العالم، ويستدين من أجل دفن والده، لذلك أخرج غياراً نظيفاً ونزل بوالده البحر، وخلع ثيابه وغطسَّه في الماء الطاهر ثلاثة مراتٍ، تلا الشهادتين، ثم ألبسه الغيار النظيف، وصعد به إلى الشاطئ، وأخذه أمامه على الدراجة، وسنده بين يديه كأنه لم يمت، وذهب به من هناك حتى سيدي عمر ودفنه هناك بمعرفة عبد الخالق الحانوتي’ أية بساطة هذه؟ وأية واقعية سوداء هذه؟ في الوقت ذاته، كما يؤلمك في سرده عن المهمشين، وعن أبسط أحلامهم كما حلمت نرجس في ‘عصافير النيل’، فمن شدت خوفها من الظلام، تطلب من زوجها في طفولة وصدق ملموس بأن’ يستأجر لمبة لينير لها تربتها بعد وفاتها، ولو لأسبوع واحد’، فيجيبها بواقعية بأن هذا ‘سيكون مكلفا جدا..’ الإجابة هنا تنم عن إيمان حقيقي يملأ قلب هذه الشخصيات التي قهرتها الحياة، ومن شدة القهر استسلمت للمصير. أو التجاوز عن الأخطاء الصغيرة كما حدث مع البهي وعبد الرحيم في المسجد، حيث سقطت قطعة معدنية من أحد المصلين، فإذا بجارهما في الصلاة يأخذها في جيبه، ويضحكان معاً بعفوية، أو السخرية المريرة من واقع فادح قيمُّه تتمزق، فسعى الأشخاص لمقاومته بالفعل المضاد كما فعل الشيخ حسني، فراح ينتصر على لقب الشيخ الذي يكرهه، بالانغماس في الحياة، والسعي للجنس والحشيش والسهر المتواصل، كل هذا بمثابة السخرية والتحدي لهذا الواقع الذي منحه لقباً لا يحبه، أو كإصرار البهي على كتابة الشكاوى لأحقيته في المد لسن الخامسة والستين، بعد أن وصل إلى سن المعاش، فكتابته الشكاوي للكبار بمن فيهم رئيس الجمهورية، نوع من الرفض وعدم الإذعان لمرارة الواقع، مثيله الشيخ حسني الذي قاد الماكينة وهو أعمى . هذا هو عالم أصلان الذي ينسجه، بكل إحباطاته وآماله، سخريته، وآلامه، واقعيته وعجائبيته، جماله وقبحه …..إلخ.

أول أمس غيبه الموت عن عمر يناهز 77 عاماً، حتى لا يرى تلك الخيانات التي يفعلها المثقفون مع دوران الصباحات والمساءات، مات وحيداً منعزلاً عنهم، فامتثل لعقد الشراكة بينه وبين السلطة الذي وضعه معاوية منذ زمن بعيد ‘لأبي بكر بن عثمان بن الحارث الذي كان يكثر من الجلوس عنده دون أن يلي عملا أو يطلب نائلا إلى أن ضاق به صدر الخليفة، فقال له أمام بقية مثقفي وكتاب عصره: يا ابن أخي هي الدنيا فإما أن ترضع معنا أو ترتدع عنا’ فآثر أن يرتدع لا أن يلتقم، رحمك الله.

* ناقد أدبي وباحث أكاديمي، كلية الإلهيات ـ جامعة ريزه ـ تركيا

كاتب وأكاديمي فلسطيني

ابراهيم اصلان.. الموت العلني لمالك الحزين

علي حسن الفواز

قد يبدو الموت قدرا مثل الحياة، وقد يكون موقفا فلسفيا من الوجود يبرر نزعة تشاؤمية، او هروبا او انتحارا، مثلما يبدو هذا الموت احيانا احساسا باكتمال دورة الحياة، واقفال لعبة الزمن، وان ما يضاف اليها من سنوات مهرولة سيكون محض فرجة انطولوجية على النهاية التي اكتملت.

لكن الموت قد ينحني من زاوية اخرى على ان يكون موقفا متعاليا، فيه الكثير من القوة التعبيرية التي تستكنه الرفض والاحتجاج والاحساس بأن العالم الذي يصنعه السرديون لا يتحمل اية لعبة في القباحة او القهر الذي تصنع نقائضه بالمقابل الاستبدادات او الحروب او القسوة التي تشوه جوانيات الانسان…

ابراهيم اصلان الذي مات وهو مسكون بالحزن والاحتجاج الخبىء، وربما باحلام لم يفصح عنها، ورغم كل السخرية التي كانت تسكنه، الاّ ان حزنه العميق كان يتمدد كثيرا في عروقه، يضعه عند حافات حادة، حافات لا يمكن ادلجتها، ولا يمكن لمجهولها او رعبها ان يقترح اي اوهام تؤنسن وجوده او حتى افقه الغائم، او لتبرير استمراره المضني في لعبة التماهي مع القبح الذي يصنعه الاخرون بوصفهم الجحيم-على طريقة سارتر.

موت ابراهيم اصلان موت لذاكرة شهدت على زمن ثقافي وسياسي مرعب، وانطوت على احساس فجائعي اثقله كثيرا بالخيبة، وربما اورثه احساسا بأن الاطمئنان لم يعد بالجوار، او لم يعد قابلا للسكنى المفتوحة عند المقهى او عند رصيف الشارع او عند شلة الاصدقاء المهلوسين الذي يثرثرون كثيرا عن السياسة والشعر والجنس والزعماء الذين لا يشيخون.. واحسب ان ابراهيم اصلان قد ادرك هذه القسوة الموحشة والفاضحة التي بدأت تهبط على الناس وعلى الكلام، فطائره الحزين كان رمزا لكائنه الاعمى-الشيخ حسني- المضاد للقسوة، والذي كان يتفرج بعمق على العالم ويرى سرائره، اذ يجسد من خلاله سخريته للكائن المتكامل الذي يرى الاشياء دون الموقف من السلطة او رموزها. صورة بطله هي رؤيا مضادة لكل افكار المواجهة السطحية، من خلال اصطناع ضدية، صورة اخرى مشحونة بالحياة الضاجة بمستويات نفسية صاخبة، فضلا عما يرسم لها من تفاصيل تحتشد بالاناسة اليومية، حيث الخوف واللذة والاحباط والحلم والضحك والغناء، وربما هو اراد ان يقدم لنا نموذجه العميق للكائن المصري الذي يصنع مزاج وجوده من خلال لذاته المشتبكة بالاخرين، تلك اللذات التي لا تبدو بوصفها مراثي لعالم يعيشه بتلقائية بسيطة، بقدر ماهو استعادة لقوة الرؤيا التي تقوم على الاصغاء والتلمس لاصوات وسطوح يعيشها بعمق رغم ما فيها من النعومة المضللة، والكلام الذي يغترب عن صاحبه..

في هذه الرواية يصنع اصلان شهادة على واقع مصري/حياتي/شعبي مفعم بالمرائر، والمصائر المتقاطعة، لكنه مفعم بالحياة ايضا، حيث الجسد يضج بالرغبة، وحيث الرؤية تبحث عن عالم اقل غموضا، وحيث الفقر يأكل الامكنة والساعات ويترك الاخرين يبحثون عن(جحيمات)اقل وحشة، حيث جحيم الخوف، وجحيم التكرار، وحجيم النسيان، وحجيم اللذة المحبطة والجسد الباحث عن اشباعاته العميقة، وحيث الغناء/الصوت الذي يتحول الى قوة غامرة تحتشد بالغناء المصري الشعبي الدافق بالحياة والاحتجاج..

قد يقول البعض ان موت اصلان جاء سريعا بعد موت صديقه الروائي خيري شلبي وهما من جيل ما سمي بـ(جيل الغضب)الذي عاش صعود ازمة(الثورة)و(خواء اليسار المصري)و(هزيمة حزيران) و(صعود زمن القطط السمان). وقد يقول بعض ان موته السريع جاء مسكونا ايضا بصمت غريب بعد فصول الثورة المصرية التي كان يحلم بها كثيرا، اذ هو الرافض الصاخب لنظام حسني مبارك، والذي رفض مقابلته، وحمل معه الكثير من الاحتجاجات ضد كل مايمثله هذا النظام من سطوح هشة تمتص وعي الناس، وتتركهم مكشوفين لعذابات غريبة، ولعشوائيات مرعبة وعوالم جوانية مسكونة بالرثاء كتلك التي كان حريصا على ابراز تفاصيلها ودقائقها الانسانية والنفسية والحسية في رواياته المعروفة- في حي امبابة، ومالك الحزين وغيرها-

صمت اصلان قد يجد في ان القوى التي صنعت ازمته النفسية عام 2000 بعد صدور رواية حيدر حيدر(وليمة لاعشاب البحر) هي ذات القوى التي بدأت ترسم افق المشهد المصري الجديد، فقسوة القراءات الشائهة التي وضعته في زاوية مرعبة، زاوية الموافقة على التجديف، والتي دفعته الى الاستقالة من مسؤولية ادارة (سلسلة افاق عربية) بكل ما تعنيه هذه الاستقالة من مرارة ورعب واحساس بالخواء واللا جدوى، قد تكرر نفسها ثانية، وقد تقتل ايضا مالكه الحزين وتحاصر لذاته الشخصية التي كانت تعويضا واحتجاجا ضد عالمه المغلق..

ترك “مالكه” الحزين في أوراقه ورحل .. إبراهيم أصلان راوي الهوامش الخلفية

ب.ش.

الروائي والقاص المصري الكبير ابراهيم اصلان، الذي رحل بصمت الكبار، كما عاش بهامشية الكبار. قلّما انغمس في “معارك” أو انضوى في “شلل” ، أو حام حول الإعلام واضوائه. أو انخرط في اتجاهات معينة. كأنه على هامشه الحي، (كأنه لم يغادر حي امبابة الشعبي)، كما على كاتب أن ينمو، وعايش ما حوله، كأنما في عزلة مأهولة، بخصب، تاركاًَ الهوامش الانسانية. أو الاجتماعية، على مرمى كتابته. شخصيات من خلال العوام. من “الشوارع” الخلفية، من تلك التي تحفر عميقاً على الأطراف. من “وردية ليل” وهو عمل “في وردية” البريد، حارس المكنونات أو “غير حارسها” أو وصلها أو فصلها “كبوسطجي”، أو من “مالك الحزين” واحد أو أكثر من شخصيات مبددة امام عجزها وازاء ما يرتفع دونها من جدران عبثاً تهدمها او تبنيها، قوافل “الأحياء” و”ملفوظات” الفقر على مساحة من الشعر، ومن تحويل التفاصيل إلى منمنمات شعبية، فيها من التململ وضغط شروط الواقع، على ما فيها من القرب، وقد يكون “مالك الحزين” كما اقتبسه داوود عبد السيد من افضل اعماله السينمائية تحت عنوان “كيت كات”! متع الليل والحب والحزن والبعد، في مصائر محكومة بوقائعها. ولا تقلّ “تفاصيل” وعموميات بقدر ما تكون ان حيوات شخصياته مجدولة بهشاشتها قوية بعلاقتها، تبحث ولا تبحث، تقيم ولا تقيم، تصرخ ولا تصرخ، تنتمي ولا تنتمي. لذلك، يبدو ابراهيم اصلان جديداً، وطازجاً لأنه جاء إلى القصة والرواية من أمكنة أخرى، فلا هو بنى جداريات اجتماعية كنجيب محفوظ ولا مزج التواريخ والوقائع والمصائر كما فعل يحيى حقي في رواياته ولا صرخ محتجاً او “عبثا” كيوسف ادريس في “الحرام” أو في “الفرافير” محتجاً حاملاً رسالة وأكثر، ومهمة وأكثر، ولا هو واكب على “التاريخ” ومشتقاته والظواهر (الاستبدادية والحروب والوقائع) كصنع الله ابراهيم.. جاء ابراهيم اصلان كأنما على حدة. يصنع شخصياته لأنها صنعته. ينظر إلى حواليه لأن ما حواليه احاطه عميقاً. وحده هكذا ليشبه ما صاغه. وما تخيله، وما راوده وما عاشه وما عذبه وما امتعه، وما ابعده ايضاً. ابن ريف حمل ريفه إلى المدينة، على غير فولكلور. وعلى غير ارتداء, في داخله، كما في شخصياته، وشائج لكن تنفيها باستمرار، ان تماثل السيرة (او المتخيل الذاتي) او انه اختزل في استرجاع الذكرى أو المعيش أو المحفر. ولهذا تبدو كتاباته القصصية والروائية على مسافة مبهمة بين “التاريخ” و”اللغة” و”الخاص” . أي انها تاريخ بقدر ما تخلص إلى “لغة” ولغة بقدر ما تعبر عن عمومية خاصة. فلا هو واقعي على طريقة زولا ولا هو تعبيري على طريقة فلوبر، ولا هو “معماري” على طريقة بلزاك. كأنما شيء من دوستويفيسكي (بالمعنى الخاص). وشيء من تشيكوف (كقصاص) من حيث الالتباس وغياب التخوم… حتى العبث (تشيكوف ابو العبثية في الأدب الأوروبي) . على هذا الاساس كتب سارداً لينفي السردية التقليدية، رسم الشخصيات ليحررها من أنماطها (المدينية الريفية) وانطقها لكي تُغفل ما أسكتها. من هنا صوته القريب لكن “المدوي” . وصرخته “الحميمة” لكن الجارحة، ولغته “البيضاء” لكن من كل الأقواس والألوان ومقاربته التفاصيل كأن يمشي على رؤوس احزانه ، أو أمواته، أو أفكاره.. او ورده. خفيفاً وبطيئاً على احداث ووقائع يخشى ان “يفسدها” بفسادها أو يخشى ان يحطمها وهي حطيم.. وهذا بالذات ما ابعده عما وقع فيه الكثير من اقرانه المصريين والعرب، هذا النظرة الشمولية الكاسرة للعلاقات. وحتى للظواهر، فلا ابهة ايديولوجية هنا، ولا اعتداد تفكيري جاهز هناك، ولا تسام لغوي، ذاتي هنالك اواحتفالية لغوية كما عند ادوار خراط ولا ما يوحي تغييراً أو وضع بدائل، او معجزات أو “لفظيات”… ولا ما يفضي إلى احلال الكتابة لا محل التاريخ ولا محل الحياة. والعكس صحيح: انها النقطة الجدلية الحية التي تمتزج فيه الحياة بالكتابة، الذات بما هو موضوعها. التاريخ بما هو اشارات ودلالات، التقاويم بارقامها، الفردية بجماعيتها. انها اللحظة التي تتناهى فيها المفارقات ولكن على ما تبتكر من اسلوب متحول، (فلا سقوط في الاسلوبية أي موت اللغة) ومن قصّ يختزن ما امكن (والقص اختزان الكثير في الأقل) ومن رواية تمشي على اطراف الكائن لتخترق اختراق الهواء السهل والبحر. ولهذا لربما كان ابراهيم اصلان مقلاً وعلى غير تدفق ولا بهرجة ولا فضفضة ولا زوائد ولا ديكورات. فقط خشبة مسرح ربما عادية، شخصيات. كواليس قد تكون اغنى من المرئي. او المعروض. او المقترح. او الظاهر. كتابة الكواليس شاقة (نسائل كافكا وتشيكوف وكامو (“الغريب”، “السقطة”) كتابة الكواليس أشقى الكتابة، لأنها تطل من النوافذ الخلفية، الخفية، التي تتوارى لتضيء الشخصيات وتأفل لتظهر اللغة). ربما اقلاله المُعبّر هو الذي ابعده عن “الفولكلور” وعن موجات “الطقوس” و”التركيز” على “الخصوصيات” والهويات أو في الطقوس والبؤر الدينية والطائفية والجغرافية والقبلية والتاريخية وكلها كتابات اوقعت العديد من روائيينا في “اللاتاريخ” في نوع من الهروب من الحاضر بمتطلباته او حتى في ابتزاز “واقعية” (جزئية) برسم اعلان انتماء ما، او رفض انتماء، او انغماس في لعبة “الاستغراب” او السهولة، او “حجة الغياب”. اعطى ابراهيم اصلان خارج كل الحسابات. وخارج المقاييس والقياسات المعممة اليوم (التي تعجب الغرب وقارئه ومستهلكه او ما تفرضه دور النشر او سواها). كتاباته القصصية ليست برسم أي شيء خارج شروطها الخاصة. من هنا هامشيته. من هنا انفراده عن “الرّبع” من هنا هذه اللغة التي تنمو بين اصابعه وامام عينيه، (بعيداً عن التصنيع) كالقلب الذي يكبر عندما يفرح، أو يخجل، كالفجر الذي لا يرى احداً، وكالشارع الذي تصنعه القامات والأصوات، والغرف التي تملأها العزلات…

كتب الرواية وكأنه الرواية. رسم الشخصيات وكأنه الشخصيات. كتب اللغة على غير استفرادها أو استفراده. كتب للحياة (وربما للموت) وليس لمكافأة نقدية ولا لجائزة.. ولا لتقدير جماعي يأتي عادة من غير اهله. صَمَتَ عصفور الليل. وخلع البوسطجي حقائبه وسلّم “رسائله” وادرك وردي الليل الصبح.. وترك “مالك” كل حزنه في اوراقه… ورحل…

لا يفرق كثيراً بين أن تسمع إبراهيم أصلان أو أن تقرأه

حسن داوود

فقط منذ سنة أو سنتين أمكن للمرض أن يضمّ ابراهيم أصلان إلى العمر الذي كان بلغه. قبل ذلك، لم يكن ليصدّق أحد أنّ ابراهيم بات في سبعيناته، بل إنّه قد بلغ منتصفها. ربما يرجع ذلك إلى طريقة ما يلبس، تلك السترة الرياضيّة والبنطلون الضيّق، وأيضا ذلك الجسم الصغير لكن المحتفظ بمظهر الشباب، وسيّارة الفولكس فاغن التي لا أدري إن كان قد ظلّ محتفظا بها في تلك السنوات الأخيرة، منكّتا عليها كيف أنّه، مثلا، لا يخرج منها إلى وهو حامل رافعة الزجاج الصغيرة بيده، تلك التي، كما قال لي، غالبا ما يخلط بينها وبين غليونه، في وقت ما كان يدخّن الغليون. فقط في رحلتي الأخيرة إلى القاهرة بدت تلك الفتوّة المقاوِمة وقد أذعنت للتعب، لتعب المرض وليس تعب العمر. كان جسمه قد هزل، وذلك الجلد الذي بين ذقنه ورقبته تراخى وتهدّل. لم يكن مرضه سرّا على أحد في القاهرة، ولم تكن خافية عاقبته عليه هو نفسه. قال لي شيئا من ذلك في السهرة ببيت الصديق خالد زيادة، ذاكرا كيف أنّه يتعامل مع جسمه مطيعا الطبيب طاعة تامّة. قبل ذلك، في الإحتفال بالثقافة العربيّة في معرض فرانكفورت للكتاب، قلت له أن يردع خيري شلبي عن الإكثار من الطعام، إذ كان يذهب مرة بعد مرة حاملا صحنه إلى البوفيه ليعود به ملآنا. كنت أظنّ أنّ فارق العمر بينهما، وفارق الصحّة، هو الذي يدفع بابراهيم إلى ملازمة خيري، منتبها له من العثرات. تلك العثرات التي طارت شهرة إحداها حين، كما يُروى، كاد خيري يسقط على الأرض فيما هو يصعد إلى المنصّة ليتسلّم الجائزة التقديرية من يد رئيس الجمهوريّة أنور السادات. لكن ثمّة من قال لي منذ فترة أنّهما في العمر ذاته، بل ربّما كان ابراهيم أكبر عمرا. على أيّ حال لم يتأخّر الأوّل عن اللحاق بالثاني إلا شهرين أو ثلاثة.

ولا ريب أنّ أدب ابراهيم أصلان سبقه إلى الظهور إذ رحنا نتداول إسم «بحيرة المساء»، و»مالك الحزين» من ثمّ، ونبدي إعجابنا بهما من قبل أن تكون لدينا أيّة فكرة عن شخص ابراهيم أصلان. بل ربّما تعدّى ذلك الغياب الشخصي إلى كتابيه الثالث «يوسف والرداء» والرابع «ورديّة ليل». «هذا هو ابراهيم أصلان» قال لي عباس بيضون بعد زيارته القاهرة، مشيرا إلى رجل له سمة الشباب جالسا في وسط الصورة بين كثيرين. كان عبّاس يعرف مدى إعجابي، بل مدى حبّي، لكلّ ما يكتبه أصلان. «مالك الحزين»، الرواية التي صدرت في 1983( وهذه سنة متميّزة بما صدر فيها من روايات مهمّة اذكر منها «المهدي» و»الأخت لأب» لعبد الحكيم قاسم) كانت إبداعا خالصا إذ لم يسبق للرواية العربيّة أن قدّمت شخصية على هذا القدر من الإلفة والغرابة معا. الشيخ حسني ذاك كان خليطا محكما من متناقضات بينها العمى والمكر، الفساد والطرافة، الحياة القليلة البائسة وجموح المزاج إلى حدّ إطاعة الشخصيّة الروائية لما يخطر في خيال كاتبها، وهذا من دون أن يبدو ذلك شيئا يُضاف إلى شيء، أو شيئا يسعى للإلتصاق بسواه من دون أن يكون من أصله وطبيعته. منذ الصفحة الأولى من «مالك الحزين» أسرَنا الشيخ حسني، بما لم أعد أذكر تفاصيله من لعبه بالبرتقالة وتحايله على الإحتفاظ بها. هذا وقد بقيت أروي لمن تضمّني السهرات معهم عن هوى الشيخ حسني، وهو الضرير الأعمى، في أن يتولّى أخذ العميان إلى النزهات، ليصف لهم ما لن يمكن لهم أن يشاهدوه بأعينهم، ومن ذلك أيضا اصطحابه لهم إلى السينما لكي يصف، أو يؤلّف، لهم ما يطابق الكلام الذي يسمعونه من الممثّلات والممثّلين.

يصعب على من يقرأ كتابا لابراهيم أصلان أن يفوّت كتبه الأخرى. وهذه، القراءة أقصد، ليست مهمّة شاقة على أيّ حال، فهو مقلّ إلى درجة أنّه، في عمر الشباب الكتابي، تأخّر نحو 12 عاما ليصدر الكتاب الثاني بعد «بحيرة المساء»، وهي المجموعة القصصيّة التي صدرت في 1971. ثمّ إنّ ما تحتويه الكتب قليل إذ قلّما تزيد عدد صفحات الكتاب عن مئة وأربعين صفحة. لكن ما نقرأه، سواء كان في سياق روائي أو في سياق نصوص متفرّقة كما في «ورديّة ليل»، أو كان في جمع السياقين معا كما في عمله الأخير «حجرتان وصالة»، لا يعفينا من التركيز المستمرّ ولا يتيح لنا أن نقلّب الصفحات تقليبا سريعا (كما هو حالنا في متابعة قراءة الروايات بد أن نكون قد قطعنا الشوط الأوّل، التأسيسي، منها). كأن كلّ جملة من جمله يجب أن تُقرأ منفردة أوّلا، لنروح بعد ذلك نضعها في مجرى القراءة المتتابع. فهناك القوّة الخاصة بذاك التفصيل الذي احتوته الجملة التي، في أحيان كثيرة، يخطر لنا أن نعيد قراءتها، لنقف مرّة ثانية على المتعة المتحصّلة منها. شيء يشبه ما قاله رولاند بارت مرّة عن القراءة التي تبطئها المتعة أو توقفها في أحيان.

مع كتب ابراهيم أصلان لا ننتظر ما ستودي إليه الأحداث. فما يحدث يكون يحدث في كلّ مشهد من مشاهد عيش الأستاذ خليل مثلا، وهو المتقاعد الذي قسّمت رواية «حجرتان وصالة» أيامه الأخيرة إلى فصول عيش عادي، كأن يزور جاره في أحد هذه الفصول، وأن توبّخه زوجته لأنّه ترك باب البرّاد مفتوحا في فصل آخر، وأن يربكه انتباهه حال وقوفه محادثا إبنه المتزوّج، في فصل ثالث، فيروح يسأل زوجته الحاجة عن ذلك

«هو الولد سليمان طُوِل؟«.

«سليمان مين؟«.

« سليمان إبنك«.

«ماله؟«

«هو طوِل؟«.

«طول إزاي يعني؟«.

«يعني بقا أطول من الأوّل؟«.

«الأوّل إمتى؟ وهو صغير؟«.

«لأ. طِول عن الشهر اللي فات مثلا«.

«ليه. هو فيه حدّ بيطول وهو عنده تلاتين سنة«

أبو سليمان تدبّر الكلام وسألها:

«أمال أنا اللي قصرت والا إيه؟«

لن تكون نهاية الكتاب إلا فصلا إضافيّا من فصوله التي لا يحدث فيها أمر حاسم أخير، ذاك أنّ مصير الأستاذ خليل متمدّد حاصل كلّ يوم، وأحد مجرياته مثلا موت الحاجة زوجته الذي لا يزيد خبره قوّة عن خبر آخر سواه.

المتعة نجدها في كلّ كلمة كان وضعها ابراهيم أصلان على الورقة، وأبقاها على الورقة. بعض نقّاده كتبوا أنّه يكثر من المحو، وهذا ما لا توحي به الكلمات المكتوبة نظيفة لم تمح إحداها لتوضع في مكانها كلمة أخرى. أحسب أن أصلان يكتب ما يكتبه مرّة واحدة، لكن عليه من أجل ذلك أن ينتظر الوقت الذي يصير فيه الكلام سلسا وحيّا ومحتويا على ما يصعب تأويله بفكرة واحدة، وإلاّ كيف يتسنّى له أن يمتعنا إن لم يكن يستمتع هو نفسه بكتابته.

قارئ أصلان يحبّ أن ينقل ما قرأه إلى الآخرين، كما هو بنصّه، ما دام أنّ الكلام الذي يصفه يظلّ ناقصا، إذ يصعب على النقد أن يبلغ مقاصده كلّها من نصوص «ورديّة ليل» الصغيرة مثلا، لكن المجفلة النهايات على نحو صادم. أو كما في هذا الحوار الجاري في «عصافير النيل«:

«يا ريتك يا أبوعبده لمّا أموت، توصل لي سلك بلمبة في التربة.»

«إزّاي الكلام ده؟«

«تعرف، ولو أسبوع واحد.»

البهي عثمان كان أوّل مرّة يسمع فيها كلاما بهذا الشكل. وقال:

«دي تضرب يا وليّه.»

نرجس قالت:

«أبداً. والنبي ما يجري لها حاجة.»

البهي عثمان سكت وتهيّأ له أنّ اللمبة لن تضرب. وفكّر بينه وبين نفسه: «صحيح إيه اللي يخلّيها تضرب؟» لكن عقله راح ناحية الملكين وهل يصحّ أن يكون الحساب في نور لمبة الكهرباء أو لا يصحّ. واستغفر ربّه وهرش رجله اليسرى…

من حوار أخير مع إبراهيم أصلان: الأوجاع الحقيقية عصيّة على الكتابة

منصورة عز الدين

في طفولته وقع إبراهيم أصلان في غرام القلم الحبر!

رآه في جيب زوج عمته – حين جاء لزيارة بيت الأسرة في إمبابة – فلم يقدر على ابعاد عينيه عنه. استيقظ بعد أن نام الجميع، وتسلل إلى حيث ملابس زوج العمة وأخرج القلم وجلس وحده يتفرج عليه بافتتان. أخبرني أنه يرتجف في كل مرة يستدعي فيها تلك الذكرى: ماذا لو أفاق الرجل من نومه ورآه يفتش في ثيابه؟!

في المدرسة كان على موعد مع قلم حبر آخر، يملكه زميل له. أخذ يتابع زميله وهو يملأ أنبوب القلم من المحبرة، ثم وهو يكتب به. رأى في القلم معجزة ما، إغواءً ليس بمقدوره مقاومته. لاحظ المدرس والطلبة انبهاره هذا، لذا ما إن ضاع القلم من صاحبه، حتى سارع المدرس إلى إتهام كاتبنا بسرقته. شعر بإهانة بالغة، بكى وركض خارجاً من الصف. لم يعد إلى هذه المدرسة بعدها.

ربما يكون هذا الولع هو الإشارة الأولى لعلاقة أصلان المستقبلية بالكتابة. كتب عن القلم الضائع نصاً لا يُنسى في كتابه «شيء من هذا القبيل»، ودائماً ما كان يتذكره حين يحكي عن المدارس الست التي تنقل بينها قبل أن يهجر التعليم النظامي نهائياً ويكتفي بتثقيف نفسه بنفسه.

الطفل المُحِب للّهو وصيد الأسماك من النيل، عشق القراءة بالقدر نفسه. وجد في بيتهم نسخة أصلية من «ألف ليلة وليلة»، خبأها والده فوق الدولاب، بعيداً عن متناول أطفاله. اعتاد أصلان أن يُنزلها كي يقرأ منها خلسة ثم يعيدها إلى مخبئها.

في «سوق إمبابة» انفتح أمامه عالم سحري جديد عليه. وصفه بالسوق الرهيب الذي يحوي كل شيء تقريباً. الأحذية والملابس والمأكولات والطيور، لكن الأهم بالنسبة له: باعة الكتب القديمة. كان يستعير منهم روايات آرسين لوبين والمنفلوطي مقابل قروش قليلة. «معظم الكتب الجيدة التي قرأتها اكتشفتها بنفسي، وكذلك كل المفردات اللغوية، اكتسبتها من خلال تأملي للسياقات. كنت أقرأ كتباً لا أفهم منها أي شيء على الإطلاق فألجأ لتخيل المعنى وفقاً للسياق. وحتى هذه اللحظة، المفردة الجديدة التي تدخل كتابتي أحس بها فوراً. أشعر بها ككشف جديد في محله. وأحتفي بها جداً. ربما لأنني كافحت لتكوين لغتي واكتساب مفرداتي الخاصة. وتعبت منذ صغري في انتزاع المعانى من السياقات المختلفة. من هواياتي المحببة القراءة في «لسان العرب»، لأن المفردة فيه تحضر في سياقاتها المتعددة»، يقول أصلان.

وُلِد إبراهيم أصلان في طنطا عام 1935، على مقربة من مسقط رأس موهوب كبير آخر من جيل الستينيات، هو عبد الحكيم قاسم. انتقل مع أسرته إلى القاهرة في سن لا يتذكرها. والده كان موظفاً أنجب 12 ولداً وبنتاً، مات منهم 5 قبل وفاته. أسرة بسيطة لكنها معتزة بكبريائها لأقصى درجة لأن أصولها تعود لعائلة من كبار المُلاّك. الأم كانت ربة منزل ذكية وقارئة للجرائد بشكل يومي. في طفولته كان منبهراً بها. كثيراً ما آمن أنها تتمتع بدرجة «فوق بشرية» من الحساسية والذكاء. يصفها قائلاً: «كل الأمهات عظيمات، لكن أمي كانت استثنائية بالفعل. كان لديها حدس عجيب وقدرة هائلة على الاستنتاج. كنت أظن أحياناً أنها تستطيع رؤية الأشياء حتى لو لم تنظر لها. إذا نظرت نحوي وأنا حزين تعرف سبب حزني فوراً. كانت أكثر ذكاءً ولماحية من أبي الذي كان رجلاً هادئاً وطيباً ووسيماً ومحباً للحياة مقبلاً عليها«.

ورث أصلان عن أبيه هدوءه وصمته وحبه للحياة، وعن أمه حساسيتها وقدرتها على الاستنتاج وحدسها ووسوستها البالغة. وسواسه الخاص يتبدى، وفقاً له، في أمرين أساسيين: كل ما يخص ابنيه، هشام وشادي. والكتابة: «علاقتي بالكتابة يحكمها التشكك والقلق والوسواس المرهق، مع إن ولا حد دريان بحاجة (يضحك)«.

كان الأب ينزعج دوماً من إهمال طفله لكتبه المدرسية وانكبابه على قراءة القصص والروايات، لذا لم يتوقع له النجاح في حياته، أما الأم فكانت متيقنة من أن ابنها سيكون ذا شأن عظيم يوماً ما. ظلت، حتى آخر يوم في عمرها، مؤمنة به لدرجة تثير اندهاشه. «أُذِيعت قصة لي، مسجلة بصوتي، في محطة «البرنامج الثاني» قبل أن أنشر أياً من قصصي.. جلست الأسرة حول الراديو تنصت باهتمام، قبل النهاية بقليل غادرت أمي الحجرة، خرجت خلفها فوجدتها تبكي تأثراً وفرحاً. مرة أخرى أيقظتني من نومي متهللة، لأنها بينما تقرأ جريدة الجمهورية وجدت قصة لي نشرها بدر الديب على الصفحة الأخيرة بكاملها. كانت تعتبر كل خطوة أخطوها ككاتب دليلاً على صدق نبوءتها بنجاحي. في هذه الفترة كانت جريدة المساء تدفع للكاتب ثلاثة جنيهات مقابل نشر قصة له، فيما تدفع مجلة «المجلة» خمسة جنيهات، غير أن رئيس التحرير يحيى حقي كان يمنحني سبعة جنيهات تقديراً منه لكتابتي«.

كُتِب الكثير عن أن ميل أصلان إلى التقشف اللغوي له علاقة بعمله في التليغراف. تكرر هذا الرأي حتى تحول إلى كليشيه مضجر. يرى هو الأمر من زاوية مختلفة: «يقولون إن لغتي تأثرت بعملي في التليغراف حيث الكلمات قليلة، قد يكون في هذا شيء من الصحة، لكن شيئاً لن يؤثر فيكِ إلاّ إذا كان يتماس مع احتياج داخلي لديكِ. أنا بطبيعتي صموت، وقد تمر عليّ ساعات من دون أن أنطق بكلمة واحدة، فوجدت مكانا الكلام فيه له ثمن مرتفع. أعجبني جداً العمل فيه، لكن هذا لا يعني أن هذا هو سبب التقشف اللغوي عندي، لأنه لو لم تتواصل الأشياء مع احتياجاتك الداخلية لن تؤثر فيكِ أبداً ولن تستوقفكِ«.

هذا التفسير يصلح أيضاً مدخلاً لمقاربة ما يُقال عن تأثر أصلان بهيمنغواي، هذا التأثر الذي تمسك به كثيرون رغم تجاوز أصلان له بعد أعماله الأولى. «تجاوزنا، أبناء جيلي وأنا، التأثر بهيمنغواي أو غيره. كان مرحلة، ولعب دوراً بالنسبة لمعظم أبناء الجيل، ثم إنَّ هذه سمات لم تقتصر على هيمنغواي وحده. كانت موجودة في كتابة جويس، وحتى في أشعار إليوت. هي طريقة في استخدام الأدوات، في التعامل مع مشهد، في مراعاة العلاقات بين الأشياء». يقول أصلان، يصمت لبرهة قبل أن يتذكر شيئاً آخر فيواصل: «هناك أفكار نمطية تتردد كثيراً عن هيمنغواي لا علاقة لها بكتابته. كان من الشائع مثلاً أن جملته قصيرة وهي ليست كذلك. الجملة كانت تفصيلاً في مشهد، وينبغي أن تكون على هذا الطول لأنها ترس في منظومة كاملة. سنة 68 أرسل لي صديق يعيش في بريطانيا مجموعة القصص الكاملة لهيمنغواي، وعكفت على قراءتها بالاستعانة بالقاموس، اكتشفت وجود جمل طويلة جداً. لفت نظري في هيمنغواي مسألة جبل الجليد الذي يختفي معظمه تحت الماء، لأنها كانت تتماس مع احتياج شخصي بداخلي، وتتوافق مع ميلي للبعد عن المباشرة، ولحذف كل الزوائد وكل ما هو غير ضروري، مع التركيز على آثار الحدث وما يخلفه في النفس«.

حياة أصلان ومعاناته الشخصية، إضافة إلى خجله وحساسيته، عوامل حددت الزاوية التي يدخل منها لإبداعه، وطريقة نظرته للفن وعلاقته بالواقع. عاش حياة غنية جداً وصعبة جداً كان عليه عيشها لأن الحياة لم تترك له خياراً آخر. الكتابة عن معاناته الشخصية كانت ستشعره بدرجة من درجات الصفاقة بحسب وصفه، لأن حوله شعب بكامله، عانى من ظروفه نفسها، ولم يعتبر أي من أفراده أن هذا شيء استثنائي يستحق الكلام أو الكتابة عنه. يسألني العم إبراهيم ضاحكاً: «هأكلم مين عن إيه؟»، ثم يواصل: «أؤمن بأن الأوجاع الحقيقية في حياة الإنسان غير قابلة للكتابة وعصية عليها، لكن ما نعيشه، سواءً أكان حياة طبيعية خالية من الأوجاع أو حافلة به، هو ما نكتب به. هذا هو الزاد الذي نشتغل عليه. بالعودة إلى هيمنغواي، تستطيعين القول إن هذا هو سبعة أثمان جبل الجليد المخفي تحت الماء. تأملت حيوات عدد من الفنانين الكبار وعلاقتها بأعمالهم فتأكد إيماني هذا«.

يستدعي صاحب «يوسف والرداء» فان غوغ بإعتباره المثال الأبرز في هذا الصدد. حياته كانت مأساوية ومليئة بالآلام والصعوبات، لكن المتأمل في فنه لن يجد لوحة واحدة تتناول هذه المأساة الحياتية بشكل مباشر. «هذه العذابات كلها، تحولت إلى علاقات لونية ونسب وأحجام داخل اللوحة، لأنه اشتغل بحياته ولم يتناولها. هذا شيء مهم جداً. لو استطعنا تحويل القيم الكبرى من موضوع للتناول إلى أداة للتناول، يمكننا عبر هذا تحويل أي شيء إلى فن. هناك مثلاً جملة كتبتها وأرددها كثيراً: لا يجب أن تتحدث عن الحب بل عليك أن تتحدث بحب، فكل النصابين يجيدون أحاديث الهوى… ولا يجب أن تتحدث عن العدل بل يجب عليك أن تتحدث بعدل لأنه لا يجيد الحديث عن العدل مثل الظالمين. القيم إذا تحولت من موضوع للتناول إلى أدوات للتناول، وإذا تمكن الكاتب من استخدام هذه الأدوات سيحول أي شيء، كما سبق وقلت، إلى فن«.

لا يتوقف أصلان طويلاً أمام ما إذا كانت المادة التي يتعامل معها الكاتب متخيلة أم قائمة على وقائع، الأهم بالنسبة له هو كيفية التعامل معها، وهل نجح الكاتب في تحويلها إلى عمل فني أم لا؟ لكنه يستثني الأعمال المستندة إلى سير صرفة، لأن من وجهة نظره «السير الصرفة في شكل روايات، الكثير منها لا يُوَفق، وإن كان بعضها يُوَفق، ويظل المحك في هذه الحالة، الكتاب القادم للكاتب، لأن كل إنسان بداخله كتاب جيد يظل يلاحقه طوال حياته. وكل إنسان على درجة من الحساسية قادر على اخراج هذا الكتاب الجيد إلى العالم. الارتقاء بالإحساس الداخلي مهم جداً بالنسبة للكاتب ويحتاج إلى وقت وجهد كبيرين«.

بينما نجلس في المقهى القاهري المزدحم، طلب صاحب «خلوة الغلبان» فنجان «كابتشينو» من النادلة الشابة، فسألته باندهاش: كابتشينو؟! رد بإبتسامة: آه.. كابتشينو. ابتعدت من دون أن تتخلى عن نظرتها المندهشة. فالتفت أصلان نحوي قائلاً: «رد فعلها هذا قد يدفعني لكتابة قصة.. استغربتْ شيئاً لا يجب استغرابه على الإطلاق. هي كائن طبيعي جداً، ومؤكد أن دهشتها مرتبطة بتفاصيل كثيرة، في حياتها الخاصة. تفصيلة مثل هذه تلمس وتراً حساساً بداخلي. أحس فيها بما هو إنساني بقوة. التفاصيل التي تبدو مستغربة على الرغم من عاديتها كثيرة جداً، المهم أن نجيد استقبالها وسط هذا الضجيج الذي نعيش فيه«.

حين يقول أصلان كلاماً مماثلاً، لا يأخذ أبداً سمت المعلم أو الناصح. على العكس يبدو كأنما يصرح بأفكاره كي يختبرها ويعيد تمحيصها. لطالما تسلح بالدهشة والشك والتساؤل، وتعجب من أشياء لا تثير انتباه الآخرين، ناهيك عن تعجبهم.

تصلح الدهشة مفتاحاً من مفاتيح عالمه وعلاقته بالكتابة، هو نفسه يقول: «أسعى إلى ما يدهشني، إلى ما يُشعرني أنه اكتشاف جديد«.

ثمة أشياء كثيرة ننظر إليها من دون أن نراها، ونقترب منها من دون فكرة، وننساها غير نادمين. وفي ظني أن إبراهيم أصلان لم يتعامل يوماً مع شيء، مهما صغر شأنه، على هذا النحو. كان يدقق في كل شيء يراه، وكل حدث يمر به، وكل مفردة يسمعها أو يكتبها أو يقرأها. أفعال أصلان وكلماته وإبداعه حكمها تناغم ملفت. في حالته، الكتابة لم تنفصل عن حياته وشخصيته. عاش بدهشة طفل ذكي متسائل يبحث عن إجابات لجبل من الأسئلة. ورحل خفيفاً كأن رحيله مشهد عذب كتبه بنفسه. كأنه هو شخصياً شخصية فنية أبدعها بقلمه ونقّاها من كل الشوائب والزيادات.

[حوار غير منشور أُجرِي مع إبراهيم أصلان قبل وفاته بفترة

كانت رسالة فوتوغرافية فعلاً: «وفاة الروائي إبراهيم أصلان»

أحمد زغلول الشيطي

محاولاتي الهروبية قبل مواجهة لحظة الكتابة تفاقمت بشدة وأنا أواجه صفحة «الوورد» البيضاء التى ينبغى ان أملأها بكلمات عن ابراهيم اصلان، من اعداد فنجان قهوة، الى تدخين سيجارة، الى التجول في الشقة دون هدف، الى وضع كلمة «أصلان» على محرك بحث غوغل، واكتشاف ان النتيجة الاولى هي عن اصلان مسخادوف المقاتل الشيشاني، ثم صوره وهوعقيد بالجيش الروسي، وهو جثة هامدة عاريا على الارض بعد اغتياله في قرية تولستوي، ثم التأمل المطول لهروب تولستوي ذاته من زوجته، وموته في محطة سكة حديد روسية وتصورات لا أعرف مصدرها عن كآبة المحطة. ثاني النتائج هي عن اصلان الآخر، ابوخليل، صاحب «بحيرة المساء« التي اصدرها حين كان اصلان مسخادوف في الثامنة عشره من عمره، وكنت انا في الثامنة. لماذا تفاقمت محاولاتى الهروبية.. على غزارة التأثير الشخصي لأصلان علي؟ لماذا اجد صعوبة في الكتابة عنه مباشرة؟ هل لأننى لا اتصوره راحلا، ينبغي الحديث عنه بضمير الغائب، هل لانه سيد البلاغة القائمة على الحذف والتكثيف؟ و ياناثانيل «أوصيك بالدقة لا الوضوح» وقناعتى ان الدقة والوضوح لا يعلمهما الا الله، وان اصلان ذاته تجاوز بضاعة الستينيات ما بعد «بحيرة المساء«، وراح يكتب محبا للكتابة اكثر من الدقة والوضوح، حتى انه وصل بالسرد الى قمم العارفين في «حجرتان وصالة«.

كأن ضحكي وبهجتي وعشقي للعب والهروب يتفاقمان وأنا أتابع حكايات العجوز من امبابة والوراق الى المقطم مع زوجة واحدة تظهرها الصور القديمة كشابة ببنطلون جينز وشعر منطلق بما يتناقض مع ما آلت اليه بعد زواج طويل من مناكفات حميمية يومية هى من المستلزمات الملحة لطريقة ما في الحب والعشرة والحياة. أظن ان اصلان صار يكتب كما يتنفس ويضحك ويتكلم ويجلس في الجريون او ميريت عند محمد هاشم مع سيجارة مختلسة رغم النواهي الطبية، وبقفشات منحوتة لغويا بطريقة اصلانية تخلط ما بين الفصيح والعامي بلعب متقن ومرتجل في آن.

تعرفت عليه ربما في اوائل مراهقتي، حين كتبت قصة قصيرة تتحدث عن حياة غامضة، تجري خلف سور مضرب الارز العالي في مدينة دمياط. قرأها صديقي محسن يونس الذى يكبرني وقال لي اننى ينبغي ان اقرأ «بحيرة المساء« لابراهيم اصلان. لم أسمع عنه من قبل. كيف يكون جيدا الى هذه الدرجة ولا اعرفه، كان الكتّاب هم نجيب محفوظ، يوسف ادريس، وقبلهما احسان عبد القدوس.. صارت «بحيرة المساء« الكتاب بالنسبة لي لفترة طويلة، وعرفت انني سأنضم الى فئة من المغمورين الفقراء الذين سيحتاجون الى درجة من التخصص أو التربص لمعرفتهم. وبالفعل كما يمكن التوقع صرنا اصدقاء وصار مسؤولا عن احدى الحكايات الكبرى في حياتي.. حكيت اكثر من مرة انه استلم مخطوطة روايتي الاولى، وكنت شابا قادما من الاقاليم تفوح من ملابسه رائحة قطار الدرجة الثالثة. اذهلني اصلان، وأضافني بضربة قوية الى فئة لن استطيع الفكاك منها بقية حياتي. لقد صرح في الصحف ان افضل عمل قرأه لهذا العام هو «الحب في زمن الكوليرا« ومخطوطة «ورود سامة لصقر» لشاب اسمه احمد زغلول الشيطي. ليت ماركيز يعلم، كان العمل مجرد مخطوطة لم تنشر، وكان يمكن التجاوز عن ذلك دون لوم.

صباح يوم الجنازة كان يقف الى جواري محمد صلاح العزب امام مسجد بلال بن رباح في المقطم، سألته هل يفعل أي منا ما فعله اصلان معي؟ كان بالقرب منا سعيد الكفراوي صديق اصلان القديم وجاره في السكن، كان يرتدي معطفا شتويا ثقيلا قاتما يشع منه الحزن، وكان منحنيا قليلا ولا يمل من حكاية الحكاية مرة اخرى عن اللحظات الاخيرة، وعن الكرسى الهزاز الذى طالما كتب عنه ومات عليه في النهاية ومشكلة نقل كتبه من امبابة الى المقطم، وكيف انه نصحه ان يجلس امام الكتب ويقول الكتاب ده كويس احتفظ به وده كتاب وحش يلقيه جانباً، ثم ينتحب: هيعوز ايه ابراهيم.. كتب ايه اللي هيعوزها. لم افهم ان كان كلام سعيد رثاء للعمر الذي ولى، وعدم الحاجة لاي كتب اخرى، ام لانه حاز المعارف الضرورية اللازمة لاجتياز ما بقي من العمر. حين عرّفني محسن على أصلان قال لي انه صاحب لغة تلغرافية وانه يشبّه بهمنغواي في مصر، وان اصلان نفسه كان موظف تلغراف.. قيل هذا فيما بعد كثيرا، واظن ان اصلان خالف كل تنظيرة قالها، لان نظريته كانت اسلوبا شخصيا، وسمعت منه تعبيرا اظنه من اختراعه عن احد اصدقائنا الماركسيين، كان ينتقد فجاجة بعض مواقفه تجاه بعض الكتابات الجديدة، قال ابراهيم: معلهش اصله قامط على النظريه حبتين، انفجار في الضحك، دون أي ضغينة تجاه اي احد..

كان من المعتاد ان يلكز خير شلبي من آن لآخر بجمل تلغرافية لا يدرك ما فيها من تهكم سوى خيري ذاته، فكان يثور، حتى تظن انه سيفتك بابراهيم عندما يراه ثم تفاجأ انهما كالسمن على العسل. كان خيري يتفاخر وسط غضبه انه كتب عشرات الكتب وآلاف الصفحات في حين ان هذا الكاتب المسمى اصلان» كتبله في حياته خمسين صفحة«. بعد ان شيعنا ابراهيم الى مثواه بمقابر باب النصر قال محمود الوردانى ان ابراهيم اصر ان يلحق بخيرى شلبى في الآخرة حتى يكملا الخناقة فوق، المسافة بين رحيليهما تقل عن اربعة اشهر، وكان اصلان آخر انسان يكلمه شلبي قبل رحيله، لقد تكلم معه شلبي على التليفون الى قرب الفجر سأله شلبي عن الجزء الاخير في ثلاثية دانتي. قال له ابراهيم اظنه: الجحيم، وطبعا هذا غير صحيح فالجزء الاخير هو الفردوس. اغلق عم خيرى السماعة وتوكأ عصاه ورحل. بإيجاز وتكثيف تلغرافي على عكس كتاباته السيالة، رحل وهو يظن ان الجزء الاخير هو الجحيم، في حين ان ابراهيم أفلت من وعكته الاخيرة، وجلس يقهقه مع الاصدقاء في القصر العينى لدرجة جعلت احد الاطباء يتدخل ويطلب خفض الصوت لوجود مرضى في العنبر المجاور.. هذا هو الحد الأقصى لما يمكن ان اقوله، ثرثرة ما حول حدث جلل.

الساعه الرابعة بعد عصر يوم السبت 7 يناير جاءتنى رسالة تلغرافية فعلا على شاشة الموبايل « وفاة الروائي ابراهيم أصلان». كنت في ميدان عابدين ضمن فاعليات ائتلاف الثقافة المستقلة لغرض توقيع كتاب مائة روائي في مئوية نجيب محفوظ. شعرت ان ساقيّ غير قادرتين على حملي، قلت لمنظم الحفل انني لن استطيع البقاء وذهبت للبحث عن تاكسي يقلني الى المقطم حيث منزل ابراهيم. وصلت في نحو السادسة كان هناك اصدقاء سبقوني، رأيت شعبان يوسف يبكي وسعيد الكفراوي ومحمد هاشم، وابنه هشام أصلان. كان عدد من المقاعد قد رص عند مدخل العمارة. جلست عند المدخل أنتظر، ثم عرض شعبان علينا الدخول لتقديم العزاء لزوجة ابراهيم قلت: انني اريد ان ارى ابراهيم، كان يتقدمني في الردهة اشرف عامر ثم انا ومن خلفي يوسف القعيد. دخلنا الى الحجرة. كشف اشرف عامر الغطاء، ظهر ابراهيم ممدداً على سريره كأنه نائم، وكان شعره الابيض الغزير مرتجل التصفيف بأناقة كعادته، شعرت أنه سيستيقظ اذا ما لمست يدٌ كتفه، انحنيت وطبعت قبلة على جبينه.

الهواء الذي كنا نتنفسه

شعبان يوسف

منذ أن بدأت خطى ابراهيم أصلان الإبداعية والثقافية وهو يلفت النظر بقوة، رغم أنه كان بعيداً عن مراكز التأثير الصحفية والإعلامية عموماً. كان دوماً يؤثر الابتعاد عن هذه المراكز، وظل نائياً في وظيفته البسيطة بالهيئة العامة للمواصلات السلكية واللاسلكية، ودام فيها سنوات عديدة يمارس أنواعاً من الحياة والفرجة. وكانت هذه الوظيفة أحد روافد إبداعه الكبيرة إلى جانب ضاحية «إمبابة» التي برزت في الأحداث السياسية مؤخراً، وظل نائياً باختياره في هذين الركنين الكبيرين. هذان الهامشان العريضان، صنع منهما أصلان أجمل ابداعاته، وكان نصيب «إمبابة» في روايته «مالك الحزين» التي تحولت فيما بعد إلى فيلم «الكيت كات» والذي يعده النقاد واحداً من علامات السينما المصرية، وكان حظ الوظيفة روايته الثانية «وردية ليل»، وبالطبع تناثر الركنان في شتى قصصه ورواياته ومقالاته التي لا تبتعد كثيراً عن القصص. فهناك قواسم مشتركة كثيرة تربط كل هذه الكتابات بعضها بالبعض الآخر. فهناك مثلاً- الذاكرة البصرية التي يتمتع بها أصلان بدرجة قصوى، ودوماً ما كان يتحدث عن هذه السمة في شخصه ذاته، فلا يوجد حدث مرَّ به إلا ويكون حاضراً معه أشخاص وصور ومفردات ملموسة، كان أصلان دوماً مدمناً للتشخيص، ولا يعنى بالتجريد ورغم ذلك كانت كل تشخيصاته تضج بالمعاني الانسانية الرحبة، ورغم دقة ما يسرد ويصف ويشرح إلا أنك لابد أن تلحظ نوعاً من التأمل الذي يقترب من الفلسفة أو الرؤية يتصاعد من هذه الدقة التي تكاد تكون دقة الرياضيين. لذلك كانت جملة بول فاليري: «يا ناثانيل، أوصيك بالدقة، لا بالوضوح» هي الجملة الأولى التي يكتبها على صدر الصفحة الأولى في «مالك الحزين». ورغم أن الرواية التي تجوس في قلب الأماكن والأشخاص والأحداث لكن الدقة لا تفارق الكتابة، هذه الدقة الممتزجة بحميمية وليست دقة هندسية جافة، دقة تندهش من روح تفتيش باندهاش وتعيد انتاج هذه الدهشة في لغة صارمة.

ابراهيم أصلان كان يفرض على لغته أنواعاً من الحذف والاقتصاد والتكثيف، ولو اقتبسنا من كتاباته ما يدل على ذلك سنجد تقريباً أن هذه السمة تنطبق على معظم ما كتب .. مثلاً: «من مكانه على حافة الشاطئ عبر الطريق الذي تقطعه العربات والناس، ورأى اللافتة الكبيرة المعلقة والمصابيح ذات الطرابيش المعدنية المقلوبة التي تضيئها (شركة مخازن حدايد) من ناحية و(صلي على النبي) من الناحية الأخرى، والجدران الخارجية المطلية باللون الأزرق والأصفر، ومدخل المكتب بواجهته الزجاجية المغلقة والميزان القباني، وبقية المداخل الطويلة التي تكشف فتحاتها عن أسياخ الحديد المبرومة» .. هذه الفقرة لا تحتاج إلى شرح وإطناب ولكنها تنطق وتختصر الطريقة التي كان يؤثرها أصلان، أو الطريقة التي كانت النداهة الأولى بالنسبة له، و ظل يسلكها ويسير فيها ويقتحم عوالمها تجربة بعد الأخرى، والذين كتبوا عن إبداعات أصلان كثيرون، منذ خطاه الأولى واستقبال الحياة الثقافية له. ففي أغسطس عام 1966 أصدرت مجلة «المجلة» والتي كان يرأس تحريرها الكاتب والمبدع يحيى حقي عدداً خاصاً عن القصة القصيرة، وكتب الدكتور شكري عياد مقالاً عن قصة «بحيرة المساء»، وأشاد بالكاتب والكتابة، هذه الإشادة التي صنفت أصلان باعتباره الكاتب الأبرز الأهم من أبناء جيله زادت ابراهيم التزاماً ووفاء لما يكتب، وبناءً على ذلك قرر ابراهيم حذف كل ما كتبه قبل هذه السنة، ولم يضمنه أياً من مجموعاته فيما بعد، وكان قراراً حاسماً وصارماً لم يتراجع عنه طوال حياته، ولكن بعد مناقشة طويلة وحادة بيني وبينه وافق أنه سينظر فيها مرة أخرى وينتقي منها بعض «الأشياء» !! ويضمنها لكتبه ويضع لها عنواناً خاصاً.

هذا الاحتفال الذي كان يتزايد بأصلان ويزيده تألقاً كان يرافقه شعور بالمسؤولية المتزايدة، لذلك لم ينحرف للكتابة السهلة مطلقاً، ولم تغره العروض المتزايدة والمتفاقمة لاستكتابه، والأصدقاء القريبون منه كانوا يعرفون ذلك تماماً، وعندما كان يكتب مرتين في الأسبوع الواحد في السنوات الأخيرة كانت هذه المسألة تؤرقه جداً، وكان يفرض على نفسه نوعاً من الطوارئ، ويعتبر أن هذه المسألة مزعجة جداً ولا يستطيع أن يستمر هكذا كثيراً، لأنه قضى عمره كله كاتباً وليس مكتوباً، مريداً وليس مراداً، صانعاً وليس مصنوعاً، ورغم أن ملامحه كانت تزداد وضوحاً ودقة وجمالاً في كل ما كتبه في سنواته الأخيرة، إلا أن ذلك زاده إرهاقاً على إرهاق وتعباً على تعب.

أظن أن ظاهرة الاحتفال بأصلان رافقته بقوة، ففي عام 1969 صدرت مجلة «غاليري68» الطليعية، وأعدت عنه ملفاً لافتاً. نشرت المجلة 5 قصص قصيرة له مصحوبة بدراسات نقدية للنقاد الأهم والأبرز مثل غالب هلسا وادوارد الخراط وابراهيم فتحي، وخليل كلفت. وقد أثار هذا الملف قدراً كبيراً من الجدل لما يقدمه أصلان من عالم إبداعي جديد، عالم يتجاوز هرم القصة القصيرة المصري «يوسف ادريس» والذي كان يشكل حاجزاً كبيراً أمام الجيل التالي. وكان هناك وهم يقول بعدم القدرة على تجاوزه وتخطيه، ولكن جيل الستينيات طرح شكلاً آخر من الكتابة، وكان أصلان مأخوذاً جداً بعملية الشكل والاجتهاد في إبرازه، فالشكل عند إبراهيم أصلان هو الذي يحدد قدرة الكاتب الفنية، وأيضاً هو صانع الروح وخالق الحالة التي يتجنس بها النص الإبداعي، ويكتب خليل كلفت عام 1971 مقالاً تحت عنوان: «ابراهيم أصلان في مرحلته الجديدة» يقول: «تمثل قصص ابراهيم أصلان منذ قصته (اللعب الصغيرة) مرحلة جديدة في فنه القصصي، وهناك اعتباران يبرران هذا التقدير، من ناحية بلغت أساليب الكاتب الفنية درجة عالية من النضج، بحيث استطاع أن يضفر من تجاربه الفنية السابقة أسلوباً جديداً يستفيد من أدق خلجات تلك الأساليب ليصور ببراعة مذهلة العالم القصصي الفريد والمرهف في المرحلة الجديدة«.

وبعيداً عن هذا الاحتفال والاحتفاء وأشكال التكريم التي كانت تحيط بابراهيم أصلان، كان كاتبنا يرد على ذلك بمزيد من التجويد، ومزيد من الريبة من الانزلاق إلى كتابة تفقده هذا التكريم، وظل مخلصاً لدرجة تصل إلى حد التصوف وإدمان العزوف عن الأضواء التي كانت تطارده. فكان قليل الظهور في التليفزيون بل نادر الظهور، وكان لي شرف الاشتراك معه في آخر حلقة ظهر فيها، وكان متردداً، ولكنه قرر الموافقة بعد أن اطمأن للمحاور، وكان كذلك نادر الحضور في الندوات وكثيراً ما كان يعتذر عن الأسفار إلى الخارج، و بالطبع لعب ارتباك المسألة الصحية دوراً كبيراً في ذلك.

وكانت المسألة التي أزعجته في مسيرته، هذه القضية الخاصة بنشر رواية «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر. وكان هو المتهم الأول في نشرها، وقامت ضده مظاهرات سخيفة ولكنه كان قوياً قوة الرجل الذي يدافع عن تاريخه الشخصي، وقوة الجندي الذي يدافع عن بلاده التي يحلم بها، وأظن أن محاضر التحقيق التي أجريت معه لو خرجت للنور سوف تكشف وجهاً آخر لابراهيم أصلان. ففي ظل تلك الهجمة الشرسة التي كانت تحركها تيارات رجعية تجد أن ابراهيم أصلان يقول عن الرواية: «هي واحدة من أهم الروايات العربية على وجه الإطلاق، ليس هذا رأينا و لكنه رأي استقر عليه الواقع الثقافي والعربي» .. ثم يستطرد مهاجماً جريدة «الشعب» التي كانت تقود الحملة ضده وضد الرواية فيقول: «المناحة التي أقامتها جريدة «الشعب» عن الرواية واستعداء الناس علينا وسبنا واتهامنا في ديننا أمر بالغ، ولا يمكن فهمه إلا في إطار مختلف تماماً»، كان ابراهيم يقول ذلك بعد أن كان الإرهابيون قد قتلوا فرج فودة 1992، وحاولوا اغتيال نجيب محفوظ بعد ذلك عام 1994، وكان أصلان مرشحاً لذلك بعد استعداء الناس عليه وبعد أن تخلى عنه بعض الموظفين في وزارة الثقافة، وتركوه وحده يحمل وزر المدعي. وأظن أن التحقيقات التي جرت ستكشف وجوهاً أخرى لمثقفين تركوا ابراهيم وحده في هذه المحنة والتي لم يعتبرها محنة بأي وجه من الوجوه.

هذه المواجهة التي ابداها ابراهيم لم تكن جديدة. فهو قد شارك في بناء كافة الجماعات الثقافية المتمردة والطليعية منذ «جاليري 68، ثم «جمعية كتاب الغد«، ووجوده في هيئة تحرير مجلة «أدب ونقد«، ثم «حركة كفاية«، و«أدباء من أجل التغيير« .. ابراهيم أصلان كان مناخاً نتنفسه ونحياه.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...