الرئيسية / صفحات مميزة / وداعا مشعل تمو

وداعا مشعل تمو

 مشعل التمو… نقطة تحول للانتفاضة السورية، ورمزاً للحرية الحمراء.

إن التحضير النفسي لتلقي أي نبأ مفجع وكارثي صار من عادة السوريين. بحيث أضحى السوري ليس صباح كل جمعة فقط، بل في كل يوم، إما يتجهّز لسماع خبر كئيب، أو يصير هو خبراً “عاجلاً” وكئيباً لأصدقائه ومحبّيه. ولم تكن جمعة “المجلس الوطني يمثلنا” يوماً كباقي أيام الثورة حيث أثار – اغتيال أحد أعضاء المجلس وهو الشهيد المناضل “مشعل التمو” – الثورة وقلب موازينها من جديد لصالح الثوار.

لأن الكلمات تتحرّج أمام بياض ما فعل. وكل الكلمات الآن جريحة وهي تنظر إلى وداعه وإلى عظيم فعله حينما قرر أن يكون شهيداً. حقيقةً عجزت عن كتابة كلمة بحق الشهيد واحترت في اختيار الكلمات التي تليق بهذه الشخصية الوطنية الكردية السورية البارزة من الطراز الأول. نعم فالشهيد المناضل الثائر الإنسان مشعل تمو يستحق منا كل إجلال. فقد أعطانا دروساً بليغة في الكرم.

الثورة داخل مشعل

“نحن واياكم يداً بيد لنتحرر من السجن الكبير”. “إنني مطمئن الآن لأنني واثق من أنني أينما أتوجه يرافقني باقي العالم. وهذا ما ينقذني من أي شعور بالأسف”. “أبصقوا أيها الأحرار في وجه جلاديكم. فأبواب الحرية فتحت لشبابها”. لم تكن تلك الحروف سوى كلمات تحلم بنصرٍ أتٍ يرددها شهيد سورية مشعل التمو في محافل الثورة وشوارع مدينة قامشلو وهو يوجه هتافاته ويوصل صوته لمضاجع نظامٍ مستبد سفك من دماء أبناء شعبه ما سفك.

نعم إنه شهيد الثورة وصوت الحق وكلمة الحرية. وهو يهجر الخوف ومضايقات النظام لينضم إلى ثورة الشباب السوري بكل ثقله بعد أن خرج بطلاً من زنزانات النظام الجائر. إثر اختطافه بتاريخ 15/8/2008 من قبل قوى الأمن الجوي السورية أثناء سفره لحلب لينتقل عبر فروع الأمن السياسي ثم إلى المحاكمة. ليصدر حكماً عليه في 11/5/2009 بالسجن  بتهمة وهن نفسية الأمة. وجناية إضعاف الشعور القومي. وأفرج عنه مؤخراً بالعفو  المُصدر تحت ضغط الثورة.

نبذة عن تاريخ مناضل هدفه حرية شعبه

ولدَ وعلى جبينه جذوة النّضال تتّقدُ. فأسموه “مشعل”. نما وترعرعَ فلازمه ضياء الجذوة وشعاعها. فقلّدوه وسام “المناضل”. ولمّا حاولوا إطفاء الضّياءِ وإخماد حرارة الجذوة استحقّ شرف الشّهادة  فصار “الشّهيدَ”.

هو المهندس الزراعي مشعل نهايت التمو. من مواليد الدرباسية 1958 يقيم في مدينة القامشلي. هو من القيادات الكردية الناشطة في الشأن السوري العام والكردي بشكل خاص. يحظى باحترام مختلف السياسيين. كما أنه الناطق الرسمي باسم تيار المستقبل الكردي في سوريا الذي شكله هو بنفسه في 29\أيار\2005 والذي ينطوي تحت لواء لجنة التنسيق الكردية المؤلفة من ثلاثة أحزاب (يكيتي – أزادي – تيار المستقبل) وهي خارج إطار إعلان دمشق. كما يعد من أبزر القيادات السياسية الكردية الشابة. كان في السابق أحد قيادي حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا ولمدة عقدين من الزمن. ترك مشعل التمو حزب الاتحاد الشعبي في نهاية عام 1999 وأسس مع بعض النشطاء السوريين لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا. وهو متزوج وأب لستة أولاد.

بعد الإفراج عنه في شهر حزيران “يونيو” عام 2011 في محاولة لتهدئة حركة الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء البلاد. كان سباقاً للمشاركة في الثورة السورية ووقف لجانب الشباب في ساحات الحرية. كما شارك في فعاليات مؤتمر الإنقاذ الوطني السوري الذي عقد في مدينة إسطنبول التركية. وألقى خلاله خطاباً من داخل سوريا أكد فيه على “وحدة الشعب السوري”. ولم يأبه لعروض تلقاها من طرف النظام السوري بالمشاركة في مؤتمرات الحوار. رفض ذلك، وكيف يقبل والقتل يطال أبناء شعبه كل يوم وهو الذي أعلن تأييده للمحتجين ضد النظام منذ اليوم الأول. لينخرط بعدها كعضو في الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري ممثل المعارضة السورية أمام المتجمع الدولي.

هزهم صوته المنادي بالحرية فاغتالوه…

لم يكن اغتياله المحاولة الأولى لقتل روحه النضالية الفذّة. حيث تعرَّض مشعل تمو لمُحاولة اغتيال بتاريخ 8 أيلول2011 لكنها باءت بالفشل. كما كان يتلقى التهديدات بالقتل من قبل شبيحة النظام بين الفينة والأخرى. لذلك كان يُحاول أن يتوارى عن الأنظار ويَتنقل بسرية من مكان لأخر. حتى طالته يد الجنات الغادرة في 7 أكتوبر  عام 2011، إذ استطاع 4 مسلحين مجهولين من الوُصول إلى مكان إقامة مشعل. فقاموا باقتحام المنزل واطلقوا الرصاص عليه ولاذوا بالفرار خلال أقل من دقيقة. حيث كان برفقة الناشطة “زاهدة رشكيلو” وأبنه مارسيل اللذان أصيبا بجروح طفيفة. لتشكل تلك الجريمة والاغتيال سخطاً شديداً في أوساط المعارضة السورية. وخصوصاً في مناطق الأكراد. فخرجَ عشرات الآلاف منهم ليلة الإغتيال في كافة المناطق الكردية للتظاهر احتجاجاً على مقتله. وفي اليوم التالي للاغتيال خرجَ عدد من المتظاهرين قدر بمئات الألاف في مدن القامشلي وعامودا والدرباسية وديريك وسري كانيه لتشييع جثمانه. وسُرعان ما تحول التشييع إلى مظاهرات تطالب بإسقاط نظام بشار الأسد. كما شهدت مدينة القامشلي ومدن أخرى حولها إضراباً عاماً احتجاجاً على الاغتيال. لكن قوات الأمن وشبيحتها الحاقدة توجهت نحو المظاهرات المدنية وأطلقت عليها النار فأردت 6 متظاهرين قتلى. بعد أن سمت تنسيقيات الثورة السورية ذاك اليوم ب”سبت مشعل التمو”.

لم يكن رحيل هذا المناضل سوى استكمال لقافلة الشهداء الذين سطروا بدمائهم ملامح الثورة السورية. فمن لا يعرف الشهيد عن قرب لا يدرك معاني الثورة والإباء والشموخ وأنه رمز الحرية والكرامة والانتفاضة. لم يبخل التمو منذ اليوم الأول بعد خروجه من غياهب سجون السلطة بالنزول إلى ميادين الثورة وكان السباق للسير في الصفوف الأمامية في مظاهرات قامشلو. كان يزود الأبطال بجرعات النصر والحلم القادم لسورية الفخر. وكان من دعاة الوحدة الوطنية للشعب السوري. حيث لم يأبه بالمناصب والجلوس في المنزل والمتظاهرين يجوبون ساحات الحرية. كان بحق مناضل ثوري وقيادي بامتياز. كما لم تكن شهادته وليدة صدفةٍ ما. فلقد أختارها عندما قرر أن يلون صفحة من صفحات تاريخه النضالي الكردي ويمزجه مع دماء شهداء الثورة السورية. بدمٍ يسطر تاريخ شعبٍ كتب لنفسه شعار الحرية. وهو يقول أمنيتي أن أموت شهيداً فداءً لبلدي وشعبي. حيث لم تبكي قامشلوا وحدها على دمائه الطاهرة بل أبكى كل سوري في العالم. لن تكون يا أبى فارس سوى أسطورة الثورة السورية ومهندس انتفاضتها لأسقاط هذا النظام الجائر.

شهادات سطرها شرفاء بحق المناضل…

سطر العديد من منضالينا وكتابنا الكبار بحبر أقلامهم كلمات حقٍ مستحقة لشهيد الثورة. من رثاءٍ عليه إلى الكتابة عن بطولاته لتبقى تلك الشهادات مخلدة بوداع شخصية ألهمته الحرية حتى منحته الشهادة.

الحرة “سهير الأتاسي” في تعليقها على اغتيال القائد الكردي مشعل تمو  كتبت “ها هم يعلنون بدء مسلسل الاغتيالات. ربما حرب الإبادة التي يشنوها لم تعد تكفيهم. وها نحن نعلن من جديد أننا سنسقطهم بأيدينا. وأن نور الحرية قادم من مشاعل أبنائها. شاء من شاء وأبى من أبى”.

الكاتب “ابراهيم اليوسف” والصديق المقرب للتمو  كتب في إحدى مقالاته عن كيفية سماعه الخبر: منذ لحظة سماعي النبأ الصاعق. باغتيال المناضل مشعل التمو. تداعت إلى مخيلتي صور كثيرة عن أمكنة وأشخاص ورؤى. لا تغيب صورة صديقي أبي فارس الذي لم أره –بسبب سفري- منذ تلك اللحظة الأليمة وهو وراء القضبان- عن بؤرة المخيلة-. أذكر كيف غصت قاعة المحكمة في دمشق بأحبته عرباً وكرداً وسريان وأرمن وشاشان وشركس. مسلمين ومسيحيين ويزيديين. ليسمعوا إفادته التي انتهت بتصفيق من قبل الموجودين. لأنه أحد قلة من المناضلين في العالم، ممن قالوا كلمتهم وراء القضبان كما دأبوا على قولها وهم في حياتهم النضالية خارج السجن. مما يجعل من إفاداته أن تكون صالحة لجيل شبابنا الذين انتبه إليهم مشعل التمو. وكان يتحدث عنهم أينما حل وكأنه يتحدث عن اكتشاف جديد لمستقبل مزهر.

المعتز بالله الخزنوي أبن الشهيد الشيخ محمد معشوق الخزنوي الذي أغتاله النظام كتب عن رفيق درب والده وهو يرثي الشهيد مشعل التمو: يكفيك أن استشهادك كان يوم الجمعة المبارك عند الله وعند الشعب. واستشهادك من أجل رفع الظلم وتحقيق العدل. ويكفيك رغم أنك كنت لوحدك أخفت نظام يملك أقوى الأجهزة  في المنطقة.

الكاتب موسى موسى يصف في إحدى مقالاته مشعل تمو بأنه مشروع قيادي حقيقي للثورة السورية في زمن غاب فيه مفهوم القادة الحقيقين. وكان مشروعاً للثورة التي فجرها أبناء درعا الأبية فأصبح سقياً لها لتمتد وتتعمق أكثر فأكثر. لذلك كان إقدام النظام وسفلته على اغتياله مشروعاً ممنهجاً ومخططاً كان لا بد من تنفيذه سواءً ما قبل جمعة المجلس الوطني يمثلنا، أم ما بعدها. إن جريمة اغتيال التمو بهذه البشاعة أقلقت النظام وسفلته. وهزت الضمير العالمي الإنساني والدولي لتصبح جريمة اغتياله إصراراً شعبياً واسعاً على اسقاط النظام. ومنها بدأت تماثيل حافظ الأسد تتهاوى في المناطق الكردية بفضل دم المناضل الكردي السوري البارز.

الكاتب عمر كوجري وصف استشهاد صديقه التمو في كلمات أشبه بالرثاء: يا إلهي… أية أياد جبانة فكّرت في إزهاق روح الصديق الشهيد مشعل. أيُّ أصابع حقيرة وواطئة استقوت لتضغط على الزناد و”تسكت” هذا الصوت الهادر. وهذه الشجاعة الفائقة التي كنا وما زلنا نفتقدها في قول كلمة الحق في حضرة سلطان جائر، علّا كعبه وتوسّعتْ دوائرُ غيّه دون وجل. التقيت بالشهيد مشعل مرات عديدة حينما كان يأتي لدمشق كنت أحسدهُ على جرأته وثقافته الثرية وروحه الطيبة المرحة ودماثة خلقه وتواضعه الجم. مرات كثيرة كنت أصادفه متوجهاً في منتصف الليل وحيداً في السرفيس فنتعانق ويعدني بلقاء معه حالما ينتهي من مواعيده الكثيرة.

الشاعرة نارين عمر  طرحت في مقالتها عن التمو أن نجعل من دمِ مشعل عطراً يطهّرُ نفوسنا المتعطّشة للحرية. كما نجعل من دمه ومن دمِ كلّ شهداء الوطن المدادَ المقدّسَ الذي نخطّ به. عهدَ الأخوّةِ والصّداقةِ والصّدق بين مختلفِ أطيافِ ومذاهبِ وملل الشّعبِ السّوريّ. ليكن استشهاده واستشهاد كلّ فردٍ منّا رسالة إلى كلّ مَنْ يجرّدُ نفسه من إنسانيّتها وقلبه من وداده وفكره من تعقّله قبل إقدامه على فعله المنافي لكلّ القيم والخلق. فيعود إلى إنسانيّته. وينعمَ بودّ قلبه. ويسترشدَ بهدي فكره. فنحنُ هنا لا نعزّي النّفسَ برحيل مشعل فحسب بل نعزّيها بفقدان كلّ مَن رحلَ منّا من الأحبّةِ. ونحزن على مَنْ يُغْرِقُ نفسه في بحر الظّلماتِ بدل العومَ في كوثرِ الإنسانيّة النّقيّ.

إن القتلة باغتياله أرادوا أن يطفئوا مشعل سوريا. ولكن ما علموا أنّ كلّ سوري يولد وفي يده مشعل دائم الضّياء. وعلى جبينه بصمة إباءٍ لا تُمحى. ومن عينيه تذرفُ ومضة العشق السّرمديّ. لتكون أخر كلمات كتبها الراحل بتاريخ 2\10\2011 أكبر دليل على تضحيته من أجل الثورة وهو يقول: بعد الكثير من المخاضات والمؤتمرات واللقاءات التي افرزتها الثورة السورية، بتضحيات الشباب السوري التي فاقت تضحيات اي ثورة في العصر الحديث. أعلن اليوم في اسطنبول عن قيام المجلس الوطني السوري. كخطوة أساسية في بلورة البديل السياسي للنظام. وبغض النظر عن بعض السلبيات التي رافقت التأسيس. فإننا في تيار المستقبل الكردي نبارك هذه الخطوة ونعتبرها انعكاساً للثورة السورية. لإنجاز برنامجها في اسقاط النظام. والعمل على تأمين حماية دولية للمدنيين بما يتوافق والقانون الدولي. وبناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية تشاركية وتداولية. دولة تكون لكل السوريين. دولة للحرية والكرامة.

المجد للشهداء وعاشت سوريا حرة.

في رسالة إلى الوطني السوري: مشعل التمو قبل اغتياله: لن نقبل أن يأتي المجلس بموالين للنظام

بهية مارديني من القاهرة: أكد الناطق باسم تيار المستقبل الكردي في سوريا مشعل التمو، الذي اغتيل في القامشلي أخيرًا في رسالة إلى أحد أعضاء المجلس الوطني السوري، الذي تشكّل في إسطنبول” أن من يعرقل حتى الآن خروج المظاهرات الكردية، ويعتبر المعارضة أسوأ من النظام، ليس من حقه أن يفرض رأيه في المجلس”، وحذّر من “أي تلاعب بالأسماء التي نقدمها ككتلة وإدراج أسماء من وحي هذا وذاك ستحتم علينا اعتبارك طرفًا حزبيًا، ولن نقبل بوجودك في أية هيئة للمؤتمر الا بالتصويت”.

وأضاف في رسالة حصلت “إيلاف “على نسخة منها، “لن نقبل أن يأتي الى المجلس موالين للنظام وضد الثورة”، وشدد على أنه “ليس من حق أي كان أن يزايد علينا في فعلنا الميداني أو أن يحاول ركوب الموجة”.

وقال لعضو المجلس “أرجو أن لا تلومنا في أي تصرف أو موقف نتخذه لأننا نعتبر ما تفعله بالتعاون مع هذا وذاك ممن كانوا حتى الآن ضد الثورة وشبابها لإقصائنا أو التحايل على تمثيلنا، جريمة سنعمل ما نستطيع فعله لكشفها للرأي العام الكردي والعربي والدولي”. وتمنى من عضو المجلس ” أن لا تتحمل وزر أشخاص كانوا لا يبالون بالثورة وأصحابها حتى اللحظة”.

موضحًا “بمعنى أنك لستَ مسؤولاً عن تمثيلهم أو عدم تمثيلهم”، وتمنى أيضًا “أن تعلم بأن هناك أربعة في هيئة التنسيق، وهم منسحبون، ويبقى 5 في إعلان دمشق، ويكيتي وازادي موجودان، وكتلتنا 6 تنظيمات”.

وأشار التمو الى أنه لايعتقد “بأننا أجرينا انتخابات لنعرف من الكبير ومن الصغير؟، واعلم بأنك تعلم الكثير عن الاحجام؟ عن حجم طاهر او عزيز او ؟ الا اذا كلفوك رسميًا بهذا، وعندها سنعتبر أنك تمثلهم، ولا تمثل المستقلين؟”، مؤكدًا “سنخاطب الجميع على هذا الاساس”.

وشدد التمو “اقول لك بوضوح لن نقبل أن يأتي حميد أو حكيم أو غيرهم ممن حتى الآن يوالون النظام وضد الثورة وتمثلهم أنت؟، ارجو ان تكون كمستقل؟، واذا اردت ان تكون طرفًا في الصراعات القبلية الكردية فهذا شأنك، وقتها أرجو ان لا تلومنا على اي تصرف او موقف نتخذه لاننا نعتبر ما تفعله بالتعاون مع هذا وذاك ممن كانوا حتى الآن ضد الثورة وشبابها لإقصائنا او التحايل على تمثيلنا جريمة سنعمل ما نستطيع فعله لكشفها للراي العام الكردي والعربي والدولي”.

وتمنى عليه من جديد “ان تكون وتتصرف كمستقل”، وأردف “وأتمنى ان تكون بالصورة نفسها التي كنت عليها، فليس من حق أي كان أن يزايد علينا في فعلنا الميداني أو أن يحاول ركوب الموجة عن طريق التسهيلات التي تقدمها إليهم”.

واعتذر التمو سلفًا “لأنني سأرسل الرسالة عينها الى غالبية الكتل والشخصيات المشاركة في المؤتمر، وأرجو ان تتفهم بأن من يعرقل حتى الآن خروج المظاهرات الكردية، ويعتبر المعارضة أسوأ من النظام، ليس من حقك أو حقه أن يفرض رأيه؟ عن طريقك طبعاً؟”.

وأضاف “بالتالي فأي تلاعب بالأسماء التي نقدمها ككتلة وإدراج أسماء من وحي هذا وذاك ستحتم علينا اعتبارك طرفًا حزبيًا، ولن نقبل الوجود في اي هيئة للمؤتمر الا بالتصويت، واذا لزم الامر فلدينا وسائل أخرى لندافع عن حقنا؟”.

وقال “ارجو للمرة الأخيرة ان تكون الأسماء التي قدمها سردار بدون تغيير من قبلك أو من قبل اي كان؟، وهو المخوّل الوحيد في تغيير أي اسم وليس أنت أو عبد الباقي اليوسف؟، ونحن لا نسمح لأنفسنا بالتدخل في الأسماء التي تقدم من طرف الكتلة الأخرى”.

واعتبر التمو أن “هناك ما يكفي للتنظيمات الموالية للسلطة التي تريد أنت أن تدخلها على حسابنا؟”، ولفت الى أننا “طبعا لدينا ما يكفي من الوثائق أرجو أن لا تضطرنا لنشر هذا الغسيل؟” وتمنى التمو من كل قلبه في آخر رسالة له الى عضو المجلس الوطني السوري “أن تكون كما كنت سابقًا وليس كما أنت الآن؟”.

إلى مشعل التمو: أني أعتذر

شيرزاد اليزيدي *

كنا متسمرين أمام شاشة التلفزيون متجهمين قلقين، تمر الثانية علينا كأنها سنة حين بدأت أنقرة تبث تباعاً صور عملية اختطاف الزعيم الأسير عبد الله أوجلان. ومع أن المشهد كان صادماً ومفجعاً الى أبعد حد لكل كردي وحتى لكل إنسان سوي متحضر ومنفتح على قيم الحق والعدالة والمساواة، فإن اللحظة التي بادر فيها القراصنة الى نزع الأشرطة اللاصقة من على عيني ووجه أسير حريتنا الكردستانية الأول وفتحه عينيه وهو مخدر ومحاصر، كانت اللحظة – الذروة. فما كان مني إلا أن انسحبت من أمام الشاشة وخرجت من المنزل منزوياً حيث لم أتمالك دموعي، على رغم أنني كنت وقتها، ومنذ منتصف التسعينات، أنتقد، وبشدة أحياناً، الزعيم أوجلان وحزب العمال الكردستاني على خلفية طرحه مبادرته الحوارية السلمية الأولى وتراجعه عن شعار تحرير وتوحيد كردستان. وهذا ما جعلني على خلاف حتى مع الوالد، بخاصة عندما كنت أشتط في النقد لكنني كنت مصراً على رأيي وعلى طريقتي النقدية الحادة تلك. وقد عدت بعد أسر أوجلان الى مراجعة مواقفي منه ومن التحولات الكبرى التي طرأت على خطابه وطروحاته التي كنت مؤمناً متطرفاً بها في أوائل التسعينات، ثم أيقنت أنها تحولات عقلانية وواقعية لا تتناقض مع الخط الكردستاني العام الذي لطالما تميز به حزب العمال الكردستاني، لا سيما أن الرجل بات، ويا للمفارقة، أقوى وأكثر فاعلية وهو سجين.

لحظة اجهاشي بالبكاء تلك لم تكن فقط بدافع عاطفي وجداني بل عبرت عن توافق دفين لا شعوري على رغم الاختلاف مع أوجلان الزعيم والسياسي. والآن بعد أكثر من عقد على ذاك المشهد الأليم كنا على موعد مع مشهد اغتيال المناضل مشعل التمو على يد سلطة القتل البعثية. فقد كان الخبر صادماً لدرجة لم أصدقه للوهلة الأولى، ولعل اللحظة – الذروة كانت في مقطع الفيديو الذي نشر وهو ممدد على سرير الموت في مشفى فرمان في قامشلو والدماء الزكية تقطر مدراراً من جسده الطاهر. حينها أيضاً انتابني شعور مماثل لذاك الذي نجم عن رؤية أوجلان مكبلاً.

وعلى رغم اختلافي الشديد مع الكثير من طروحات وتوجهات الراحل التمو بعد إطلاق سراحه مؤخراً، وتحديداً حول الموقف من التدخل التركي السافر في شؤون المعارضة السورية وكيفية التوفيق بين الانتماءين الكردستاني والسوري في هذه اللحظة التغييرية التاريخية لسورية والمنطقة، وعلى رغم إيغالي المفرط في النقد بحقه، فلحظة استهدافه وتصفيته جسدياً مثلت لحظة فارقة. فقد انتابني فوق الألم لهذه الجريمة النكراء ألم إسرافي في نقده، هو الذي لم أكن على علاقة أو معرفة مباشرة به لكنه كان مبادراً مشكوراً طبعاً الى الصداقة الفايسبوكية، شاركه في ذلك نجلاه فارس ومارسيل الذي أصيب معه في عملية الاغتيال. وحتى بعد تناولي إياه بالنقد البالغ خلال الفترة الأخيرة فوجئت بإضافتي كصديق فايسبوكي من قبل ابنه فيديل. فعلى رغم حدة نقدي لمواقفه وخياراته الأخيرة فحبل الود والصداقة الفايسبوكيين على الأقل بقيا من دون انقطاع. ولعل هذه إشارة تشجعني على طلب قبول الاعتذار منه وبالغ أسفي عن كل ما كتبت وقلت بحقه من نقد عنيف ربما تجاوز أحياناً حد النقد. وكلي الآن ثقة بأنه بنبله وسموه سيقبل اعتذاري الصادق. إنني أنحني لك أيها المشعل الذي ينير دربنا عرباً وأكراداً نحو الحرية في سورية.

* كاتب كردي

ايلاف

مشعل التمو يطيح ببشار

هيبت بافي حلبجة

لن أغالي أن أكدت، إن أغتيال المناضل مشعل التمو حدث تاريخي يؤرخ لمرحلتين، ما قبل وما بعد، من عمر الثورة السورية، فهو لايحتسب فقط من أقوى وأنشط المعارضين على الأطلاق، إنما هو يجسد مشروعأ متكاملاُ لثلاثة قضايا في غاية الأهمية التاريخية.

القضية الآولى: تشكل النواة الحقيقية والفاعلة لأهم مفاصل في تاريخانية العلاقة المتمايزة والمنفصلة ما بين العمل الثوري، أي الإطاحة ببشار، والعمل اللاثوري،أي بقاء – بشار – والسلطة والنظام المكملتين له ضمن صيغ وهمية لأصلاحات مفقودة ولخطاب منبوذ مقيت بغيض للحقيقة والواقع. إن جوهر هذه القضية بالنسبة لمشعل التمو، وبالنسبة لبشار هو على طرفي نقيضين لكلاهما، لأن العمل الثوري هو كينونة بقاء مشعل التمو مناضلاُ صلباُ حقيقياُ عنيدأ، محباُ للحياة وللحرية والديمقراطية، والعمل اللاثوري هو فحوى بقاء بشار ظالماُ متجبرا مستبداُ، محباُ للقتل والتنكيل والتعذيب. فالأول يستمد عنفوانه من القوة المعنوية الأجتماعية في صيغة قريبة من علاقة غاندي بالمجتمع الهندي، ومن علاقة زرادشت بالطبيعة. أما الثاني فهو يستمد بطشه من القمع المطلق والعنف المرعب والأستبداد اللامنتهي، ويمثل قوة التدمير والهدم. في حين إن الأول يجسد قوة البناء، ومتانة النفس..

القضية الثانية: تشكل المصدر الفعلي في علاقة الأنسان بالأرومة والأثنية التي منها أنبثق، وهي هنا القضية الكردية بكل أبعادها وصيغها الأصلية ومسوغاتها الفاعلة. وفي هذه العلاقة أيضا يقف مشعل التمو وبشار على حافتي نقيضين متنافرين.

النقيض الأول: إن مشعل التمو لايرى نفسه إلا عضواُ في هذه القضية، ودوداُ لها منافحاُ عنها يذود ويذب عنها بكل ما أوتي من قوة وصلابة، ولا يرى الخاص إلا من متحولات ومتغيرات الموضوع، فشرط بقاء – خاصه – مرهون بركن تطور – موضوع – القضية.

النقيض الثاني: إن بشار لايرى القضية اصلاُ، وإن شاهدها فهو يشاهدها من خلاله هو عينه، فالقضية العربية بالنسبة له مرهونة بوجوده، ووجوده مرهون بحمايتة للقوى المعادية اصلاُ – لدمقرطة القضايا العربية – وكذلك لتطور وتقدم الدول العربية. فالموضوع هنا لايخضع فقط للخاص – خاصه هو – إنما يرضخ لعمليات تشويه فعلية على كافة الصعد، المقاومة المزيفة، المقاومة المناصرة لأسرائيل والمعادية للأمة العربية.

القضية الثالثة: تؤلف الفحوى الطبيعي في علاقة الأنسان بمحيطه، ضمن أسس إن الفرد أما أن يكون عنصراُ خاضعأُ للعرف والنظام العام والآداب ومفهوم الديمقرطية وشروط القوانين والدستور، أو أنه يكون عنصراُ يعادي كافة تلك المفاهيم وينتهك حرماتها، أو أنه يمثل حالة خاصة يلغي تلك المقولات أصلاُ ويجتث جميع خصوصياتها، فإذا جسد مشعل التمو الحالة الأولى بأمتياز وناضل للوصول إلى الديمقراطية لكل السوريين، فإن بشار يجسد، أيضاُ بأمتياز، الحالة الثالثة.

إذا كانت الفروقات ما بين المناضل والمستبد على هذه الشاكلة، فيمكن أن نتحقق من أمرين في غاية الأهمية.

الأمر الأول: إن المنطقة الكردية أصبحت منطقة محرمة على المستبد، فقد فتح أبواب الجحيم على نفسه وعلى سلطته ونظامه، لأن المناضل قد روى بدمه أزقة وشوراع المدينة، وهللت له الجماهير بالزفاف السعيد، وحطمت أكبر صنم في مدينة عامودة، ورفعت مكانه علم رمز المقاومة دم الشهيد..

الأمر الثاني: إن المستبد بأغتياله الشهيد عجل في رحليه، وهدم كل ما تبقى من أوهامه، فهاهي سوريا البطلة التي هي، في الأساس، منتفضة أنتفاضة تاريخية، أزدادت وحدة وأتحاداُ وتلاحماُ، وأقبلت على إنهاء حكم المستبد دون هوادة، ودون قيد أو شرط، وسمت التظاهرات بأسم الشهيد – مشعل التمو – ورفعت صوره في كلها تخليداٌ لدمه الطاهر، وتمرداُ على قمع وبطش المستبد، ومزقت صور هذا الأخير وتخلصت منه وإلى الأبد..

نعم هكذا أطاح التمو ببشار، وأزاحه عن السلطة، ليجلس مكانه بأستفتاء شعبي نظيف شفاف، لاغبار عليه ولا لبس ولا ألتباس.

مشعل تمو القائد الكردي،شهيد الحرية والمستقبل في سورية الجديدة…!!!

خالد ممدوح العزي

لقد تحول يوم 8 أكتوبر يوم كردي بامتياز في سورية ،بسبب تشيع جنازة الشهيد القائد مشعل تمو من خلال مهرجان شعبي وعرس وطني “كردي وعربي” بامتياز، لقد واكبت الشهيد إلى مثواه الأخير جماهير كثيفة أكثر من نصف مليون مشيع،بالرغم من محاولات القمع وإطلاق النار ضد المشيعين من قبل القوات الأمني السورية، ضد الجماهير المتظاهرة ،بالطبع المدن العربية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الجريمة البشعة ،لقد انتفضت العرب لشهيد سورية وقائدها الكردي، فالنظام السوري حاول تغيب الكتلة الكردية عن لعب دورا مميزا في قيادة الشارع الكردي الذي حاول النظام مغازلة قيادتهم وأحزابهم من اجل إبعادهم عن المشاركة في حركة التغير العاصفة بربيع سورية ،فالنظام الذي حاول ويحاول اللعب على الورقة الكردية وجزها في سوق العرض والطلب الرخيص ،من خلال إعطائها بعض الامتيازات للأكراد ك”الجنسية وتحسين الأوضاع المعيشية وإشراك بعض أحزاب الكرد في سلطة الأسد”والمحاولة المستميتة للنظام في استعمال الورقة الكردية مجددا في التفاوض مع تركيا كما كان يستعملها والده الراحل ،فالأسد الأب،طرح معادلة قديمة”حزب العمال الكردي مقابل حركة الإخوان المسلمين”وهذه المعادلة، كادت أن تشعل نار الحرب بين تركيا وسورية والتي انتهت بتسليم رأس عبدالله أوجلان الزعيم القومي الكردي المعتقل لدى أنقرة، فالابن الأسد سر أبيه لقد حاول اللعب مجددا بعد الثورة السورية محاول إعادة طرح تلك المعادلة السابقة “حزب العمال الكردي مقابل المعارضة السورية”لكن هذه المعادلة الرخيصة، وكذلك كل المحاولات المطروحة من قبل النظام لم تلقى صدى فعلي لدى نفوس الأكراد. فكان اغتيال مشعل تمو هي رسالة أولى للأكراد وللمعارضة السورية الداخلية بشكل عام .

لماذا اغتيل التمو: مشعل نهايت التمو، الناطق الرسمي باسم تيار المستقبل الكردي، المنطوي تحت لواء لجنة التنسيق الكردية، والتي تضم إضافة إلى تيار المستقبل، حزب يكيتي الكردي في سوريا، وحزب أزادي الكردي في سوريا، ولجنة التنسيق خارج إطار إعلان دمشق. ويعد من أبزر القيادات السياسية الكردية الشابة، الناشطة في الشأن السوري العام والكردي بشكل خاص، وهو يحظى باحترام كافة شرائح المجتمع السوري، من مواليد الدرباسية 1958 يقيم في مدينة القامشلي، مهندس زراعي، متزوج وأب لستة أبناء. شارك مشعل التمو بفعالية في الثورة السورية الكبرى منذ اندلاعها في آذار 2011، و اختير عضواً في المجلس الوطني الذي أنشأ في الخارج ليكون ممثلاً للشعب السوري و داعماً للثورة،

“بتاريخ 18″اب”2008 أحال قاضي دمشق مشعل التمو إلى محكمة الجنايات بتهمة إثارة الفتنة لإثارة الحرب الأهلية المنصوص عنها في المادة 298 من قانون العقوبات السوري، ويعاقب بالأشغال الشاقة مؤبداً على الاعتداء الذي يستهدف الحرب الأهلية أو الاقتتال الطائفي بتسليح السوريين أو بحملهم على التسليح بعضهم ضد البعض الآخر وإما بالحض على التقتيل والنهب في محلة أو محلات، ويقضي بالإعدام إذا تم الاعتداء، إضافة إلى اتهامه بالنيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي .

بتاريخ 11 أيار”مايو” 2009 أصدرت محكمة الجنايات حكماً بالسجن لمدة 3 سنوات ونصف بحق مشعل التمو الناطق باسم تيار المستقبل الكردي في سوريا وجرمته بتهم (النيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة .

في بداية حزيران من هذا العام اطلق النظام سراح التمو من السجن ،فيما بعدعرض النظام عليه المشاركة في الحوار التي تديره السلطة السورية ،لكن رفض المشاركة في الحوار التي تديره السلطة وتحاور بيد وترفع المسدس بالاخرة.

بتاريخ 8-ايلول-2011 الساعة الرابعة بعد الظهر , الناطق باسم التيار مشعل التمو إلى محاولة اغتيال من قبل مجموعة من الشبيحة يوم الجمعة 7 أيلول 2011 قامت مجموعة مسلحة باطلاق النار على مشعل التمو و كان برفقة ابنه مارسيل و ناشطة كردية اسمها زاهدة رش كيلو، مما أدى إلى استشهاد مشعل التمو على الفور و إصابة ابنه مارسيل في بطنه و زاهدة في رجلها، و قد وحمّل اتحاد تنسيقيات شباب الكرد الأجهزة الامنية السورية مسؤولية اغتيال تمو، وقال الناشطون إن مسلحين مجهولين في القامشلي (شمال شرق سوريا) اغتالوا المعارض التمو الناطق باسم تيار المستقبل الكردي.

فالقاعدة الشعبية الكردية ملتزمة بطرح المعارضة السورية التي تعتبر نفسها جزءا أساسيا من مكونات الشعب السوري،فالحركة الشبابية الكردية تعتبر نفسها معنية بتغير نظام البعث وكل محاولة النظام ما هي إلا أهزوجة جديدة يحول تغريدها بواسطة أحزاب الكرد ، ومن خلال هذا الطرح تفرد مشعل تمو الذي تميز بحزبه تيار المستقبل مع حزب أزادي”الحرية”وحزب يكيتي ،الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في الساحة الكردي وهذه الكتلة الكردية لا تختلف في طرحهم عن طرح الشعب السوري الثائر من اجل الحرية والتغير ، والأكراد هم من هذا التغير وليس إعاقة له ،لأن الشعب الكردي والقومية الكردي بظل التغير سوف يكون حاله أفضل وأجمل دون سلطة القمع و البعث والعائلة الحكمة ، التي حرمتهم من حقوقهم المدنية والسياسية والقومية وليس العرب من ظلمهم بل سلطات القمع والبطش العربية هي التي ظلمتهم إلى جانب ظلم الشعوب العربية الأخرى.

مشعل تمو شهيد سورية ومستقبلها القادم الذي عمد الدم الكردي بالدم العربي لان قادة الكرد هم قادة العرب وشهداء العرب هم شهداء الكرد ،فالقادة الحاليين ليس قيادة لأحد وإسقاطهم واجب قومي وعربي وديني وأخلاقي وأنساني وسياسي.

لينتبه الكرد لمأرب النظام السوري ،وليعرفوا جيدا مستقبلهم الفعلي في التغير والحرية لهم ولكل شعب سورية والوطن العربي والإسلامي.

فالشعب السوري تلقى تشكيل المجلس بصدمة ايجابية بالرغم الصدمة السلبية من الفيتو الروسي والصيني ،والتي عبرت فيها تنسيقيات الثورة السورية في لافتات المتظاهرين تقول بان:” الدب الروسي، والتنين الصيني، انظموا إلى غابة الأسد”،فالثوار السوريون يعرفون جيدا بان ثمن الثورة الحرية غالي جدا وثمنه الدم والشباب السوري،لان بشار الأسد لن يسلم السلطة ويرحل بسلام وأمان ،فالأسد لن يحرق العرش فقط من اجل الكرسي ،بل سوف يحرق الشعب من اجل بقاءه في السلطة الساقطة ،فكل شيء مسموح في مملكة الأسد ليس حرق الشرق الأوسط وفتح جبهات عسكرية التي يهدد العالم بها وتدفيع إسرائيل الثمن الباهظ ،لكن العكس بل انه مصصم على حرق الشعب السوري وقتل الأطفال والشباب الثائر ،ومشعل تمو هل هو البداية الانتقامية لقادة سورية ومعارضيها،بشار الأسد قرر قرارا نهائيا أو الأسد أو سورية .

لكن السؤال الذي يطرح نفسها أمام هذه الجريمة البشعة الذي ارتكبها النظام السوري بحق الشهيد تمو،كيف سيكون رد الشعب الكردي وتنسيقياتها في التعاطي مع مسار الثورة السورية ،فهل ستكون كما قال فارس تم في كلمتها التي شيع بها ذاك الأسد الفعلي الراحل بجثثه والخالد فينا كلنا ،بأنها ابتدأت ثورة الكرد الفعلية التي لا عودة عنها ابد ،ودن التراجع مهما كلف الدرب لا الثمن دم الشهيد تم الذي تم دفعه سلفا،واحتلال السفارات السورية في أوروبا هي البداية التصعيدية الفعلية لطرح إستراتيجية فعالة مع الثورة السورية.

لقد حان الوقت ليكون رد فعل الأكراد هو الاندماج الحقيقي بالثورة السورية بشكل أكثر واكبر، لأنهم إحدى ومكونتها، فالتلاقي الكردي العربي في الشارع السوري من اجل هدف واحد هو إسقاط النظام ،وبناء سورية الجديدة التي من حق كل أبناءها النقاش الفعلي والفعال في الإستراتيجية القادمة لسورية المتنوعة والمتعددة ،وعلى الأكراد طرح كل الأفكار لمناقشتها وليس للعرقلة لا مشعل التمو كان قائد حلول وليس معاكس ،فالمعارضة السورية مطالبة اليوم بوضع برنامج سياسي قادم يخاطب كل الفئات والإطراف كي تعرف دورها وموقعها في سورية الجديدة ،لكي يتم وضع نقطة نهائية للخوف الكامن في المستقبل والتي يلعب عليها النظام الحالي .

الجميع معني بإسقاط هذا النظام وسلطته السياسية والأمنية والاقتصادية والأخلاقية،فالمجلس الوطني السوري الانتقالي وضع أمام أزمة فعلية من خلال اغتيال مشعل تمو الزعيم الكردي والسوري المعارض عضو المجلس الانتقالي المنافس للسلطة السورية الحالية،والذي بدأ انتزاع زمام المبادرة السورية.

عندما سأل أحد الضباط الفرنسيين المجاهد الكردي ابراهيم هنانو (قائد ثورة جبل الزاوية) : ” أنت كردي, فلماذا تدافع عن العرب؟”. فرد عليه هنانو: ” أنا أدافع عن وطني “واليوم يستشهد التموالكردي دفعا عن بلده سورية القابعة تحت سيطرت نظام و ظلم الاسد.

الموت ولا المذلة

فلورنس غزلان

أنتسب لسلالة تعلمت الشرود وتربت على التمرد..عن قاموس لغة القبائل..، أنتمي لوادٍ يجري حين ينصب الغيث مدراراً وتجف ضروعه عندما تجحد السماء وتغضب السحب ..فتلجأ للعقاب بدلاً من الرحمة..لكنه في كل الفصول يظل متدفقاً في شراييني..يتحول الماء فيها لبكاء يصرخ في الربيع ويوقظ النيام أيام الحصاد..يجنح لعادة التضامن مع العشاق..فيكثر من قصائد الحب ..علَ النفوس المتعبة تصاب بالأمل فتفرك التراب بنشيدها ليتحول ذهباً أصفر..وتبتعد عن اصطياد العصافير فوق أشجا ر التين في فصل الخريف..

أنا من هناك..من أرض نطقت الصرف والنحو قبل الولادة..كانت مسيح الكلمة وقانون العدل فوق ألواح حمورابي وعلى أقواس بصرى وأجراس معلولا، اليوم تستعيد اللغة نصيبها المفقود بعد أن لطختها أقلام تبيع الكلام والمواقف في اسواق العسف وبيوت الدعارة السياسية..تستعيد ثوبها الممزق والمهلهل على مر عقود من الاغتصاب والسحل والقتل.. تنسجه بخيوط أمل شاب مكتمل النضج والرجولة…تستعيد نورها وكرمتها المحتلة، وخمر أعنابها المعتق في أديرة الكهنة مذ عرف التاريخ طريقه لجبال وصخور..سافرت سفنها ، ونشرت أشرعتها وحنكتها وإبداعها عبر البحار ..في بلاد العرب والعجم.

أنا منكم وأنتم من دمي، أنا النصل وأنتم السيف المشحوذ ..المشهور بوجه الكذب والنفاق المتوغل عميقاً عبر أربعين عاماً..يستيقظ من غمده ليقطع غابات الضيم ويبتر ولللأبد كل شجرة ونبتة متسلقة على جدار التاريخ ملقحة ثمار المحبة بالغث من البذور ….

اقطعوا بأرواحكم، التي تتطهر بالثورة اليوم.. جينات العناكب وجينات الحشرات الضارة المرسلة إلى بريدكم اليومي لتُسَّوِد صفحات حياتكم وتنقلها من لغة المحبة ، لغة التوحد في الحياة والمصير..إلى لغة الموت والخوف وكم الأفواه..لغة لم تعترضوا عليها طيلة أجيال..وهاكم تتحرر منها جلودكم وتُسقِطها أيدي أبناءكم عن كواهلكم ..وتمحو عن عيونكم غشاوة الرعب المختلط بلقمة العيش المغموسة بالذل والصمت ..

منكم خرجت جذوري وإليكم تمتد فروعي… لم تضل خطاي يوماً عن درب الحنين ولم تأخذني لشراك الكفر بكم وبقدرتكم ، لم أشك لحظة بقدرة ماء الحياة على التدفق في نهر شرايينكم الموصولة بإرث أضرحة قدستموها..وحفظتم اسمها من العبث ومن التزوير..نترك اليوم معاً إرث الكبوة ونجتث معاً  سنين السبات وسطوة النوم والغفلة..نجذف ونجذف إلى أن نصل شاطيء السلام ودرب النجاة من شراك السواحل ذات القوارب عقربية المبنى والمنحى..حتى لو استخدمت لغة التآخي..فقد علمنا أولادنا …ألا نثق بمزوري اللغة ، ألا نثق بمن يرتدي ثوب الإخاء بينما يحمل سكيناً خلف ظهره وظهري..

أولادنا..هؤلاء الذين كبروا أكثر منا…ولدوا فجأة في غفلة ضياعنا..لم تأخذهم حيرتنا ولم يصدقوا أنباءنا عن وحوش تتربص بهم ..في زواياً الشوارع…تركوا النوافذ مشرعة .يعشقون الهواء..بينما تتخمر أرواحنا في الأسِّرة..ارتدوا أظافر ضباع وذئاب..اكتشفنا لحناجرهم أصواتاً غريبة على مسامعنا…أسسوا لأجسادهم دماً مختلف التركيبة والمكونات..وكأنهم ليسوا من أرحامنا ولا من صلبنا!!

حملت أقدامهم أشواكاً وابتكروا للفضاء نجوماً..لاتهوي إلا عند انبثاق فجر جديد..حلمنا به ولم تتضح لنا صورته ..لكنهم اختصروا اللغة برماح الحرية وقواميس هتاف نسينا مصادره وتصريفاته النحوية.

أعلن براءتي من سلالتي الأولى..وأنتسب لكم أبنائي الجدد..ففيكم تتجدد روحي وأعود لشباب يحمل رائحة الحياة والكرامة

أصغي معكم لصوت كنا على موعد معه منذ طفولتنا..لكنه غادرنا حزيناً..وتركنا طرائد لمغول ورثونا حين أضعنا مفتاح أبواب أوصدنا بعضها بأيدينا..وتركنا الطاغية  ممسكاً بالأقفال..معتقدين أنه سبيلنا للنجاة!.

أنضم إليكم .فلا تناقض في الوضوح..ولا تناقض في أن أعقد معكم حلفاً يعيد للغة فضاءها..وللمطر سحبه..يلغي الخوف من قلبي المرتجف ويحيي حنو الأمومة وصلابة الحياة بوجه الموت..

أنضم..وقد انتابتني لحظة اعتراف ..أني لم أعد وحيدة..فقد صار لي في كل درب أولاد..وفي كل شارع أحفاد..وفي كل زنزانة مقاتل..وفي كل مدرسة ,,تلاميذ..وفي كل ظهيرة يوم جمعة…فها أركع للمرة الأولى في حياتي لشمس طهرت روحي وطهرت الأرض بدم نقي كدم الأنبياء.. وعلى مرأى من الله..أتوضأ فوق صخرة عالية..على درب الجلجلة..لا أحمل صليبي..لكني أشعل قناديلاً لأرواح تحميكم جميعاً..من الخطيئة.. تسهر تحت شموع لقلوب أمهات مثلي ..يصطففن بصمت في وجه سلطان يقرأ طلاسيم وآيات مدججة بسكاكين الذبح..لا نأبه جميعنا للصمت العربي المطبق أمام ميل الميزان..ورجاحة كفة الشيطان..فالحكمة فيما بينهم تخرج من فم بهيمية الايمان..لاتميز بين رائحة الأرض وعرق الفلاح ..في حقل أو بستان..كلهم..ساقطون في شرك..نصبوه لحواء من قبل.ثم للإغواء.ثم للجنازات في سرادق العرس..حين يجتمعوا على الذبيحة..والأسماء الجريحة وكتب الفضيحة..في حكوماتهم الكسيحة

حينها تفرح لغة الأطفال ..ويخرج الغزاة من البلدات المحاصرة..حينها يدخل قلبي مع قلوبكم..ونسكن الأرض الموعودة ونغني بصوت المنتصر الواثق…”الموت ولا المذلة”.

 فلورنس غزلان ــ باريس 7/10/2011.

ردا على اغتيال مشعل تمو.. اجعلوا بشار يلعن يوم ولدته امه

باران دوسكي

اجعلوا حاكم دمشق يلعن يوم ولدته امه

ربما كانت مدينة دمشق من بين الحواضر القليلة التي اعتلى فيها اشرار مارقون ناصية الحكم ، بعد حين واخر، فما ان انتهى حكم الخلفاء الراشدون حتى اصبح المارق الماجن يزيد بن معاوية سيدا لهذه المدينة العريقة ، فكانت النتيجة ان ذبح يزيد سبط الرسول ، الحسين الشهيد ، واذلّ اهله وذووه من النساء ، لا لشئ الاّ لأن الحسين رفض ظلم وجور وفسق يزيد وحكمه المستبد. ثم جاء العباسيون فنبشوا قبر يزيد وابيه وخلفائه واخرجو عظامهم وجماجمهم واشعلوا فيها النار ، ثم تتحدث صفحات التاريخ عن اشرار اخرين حكموا دمشق بالحديد والنار وازهقوا ارواح الناس وسفكوا الكثير من الدماء ، في مقدمتهم الوالي الاتحادي العثماني احمد جمال باشا السفاح والقائد الفرنسي الجنرال هنري غورو الذي ضرب القبر الطاهر لصلاح الدين الايوبي بسيفه وقال قولته المشهورة ( ها قد عدنا يا صلاح الدين ، فأين احفادك ؟!) ، لم يبرز له احد من احفاد صلاح الدين او من مناصريه ، ليس لان الامة لم تعد تمتلك تلك الروح التي تأبى الانصياع للظلم والقهر والعدوان ، انما لأن بريطانيا وفرنسا ومن ثم امريكا جاءت بحكام ، ملوك ورؤساء ، لا يحسنون الاّ الانحناء لاسيادهم الغربيين ولا يريدون في اوطانهم الاّ الارقاء والعبيد ، في كل حال همهم الاوحد جمع المزيد من السلطة والثروة . هكذا سارت الامور ،حكام يركعون امام الاجنبي ويستجدون عطفهم ومعاضدتهم ، ويستأسدون في وجه مواطنيهم ، يجردونهم من انسانيتهم ويربطون طوق العبودية في اعناقهم .

استمر هذا الزمن الشرق الاوسطي الردئ ما يقارب القرن من الزمان ، ولم ينتهي الاّ حينما احرق بو عزيزي التونسي نفسه انتقاما على كرامته المهدورة عندما صفعه شرطي صعلوك .

في هذا الزمن لم تختلف دمشق عن سواها من عواصم الشرق الاوسط ، فأعتلى فيه حافظ الاسد ظهر دبابة عسكرية واذاع البيان الاول وامسك بسلطة البلاد وزمام العباد ، وساق الشعب كما يساق الاغنام ، واوجد بطولة فريدة بتدمير الحياة في مدينة حماه وقتل عشرات الالاف من مواطنيها ، ويضاف الى بطولات الاسد الاب اهداء الجولان لاسرائيل مقابل مساندتها ونصرتها له في قمع شعبه واذلاله واشباعه بشعارات وطنية كاذبة ومخادعة ، لم تنته مصيبة دمشق واهل سوريا برحيل الاب ، فقد ترك الحكم لولده بشار تبعا لتقاليد الحكم في الجمهوريات الوراثية .

وسار الابن على سيرة ابيه ، واختزل التاريخ السوري بالتراث الفاسد الذي ورثه عن يزيد بن معاوية ، فكمم الافواه وقيّد الحريات واجاع الفقراء واساء الى كرامة الشعب واهانه بسلوكه الظالم ونظرياته التافهة وغروره الاحمق . لقد صادر بشار الدولة السورية وفوّض امرها الى عائلته بما فيهم الاصهار ، واوقف عليها موارد الدولة وخزانتها ، فيما ترك اجهزته الامنية

تمارس نهب قوت الشعب وتعيش على العطايا والرشوة .

ولأن الشعوب لم تعد بحالتها التي بدأت بعد الحرب العالمية الاولى وانتهت بموت بو عزيزي التونسي ، اراد الشعب السوري ان يشارك الربيع العربي باستعادة حقوقه وكرامته وانسانيته ، فجن جنون حاكم دمشق الاهوج ومارس هوايته في قتل مواطنيه وتعذيبهم وتدمير الحياة في المدن السورية مستخدما جيشا اعدّ بالاساس للقصاص من الشعب وتقتيله وجعله لا يخرج عن بيت طاعة الحاكم وان تكبر واستبد وظلم . جيش يدير ظهره للاعداء ويخشى التوجه نحو الحدود ويتمركز في المدن والقصبات يراقب حراك الشعب ، يوجه فوهات بنادقه الى صدورمواطنيهم ويبتلع اكثر من ثلاثة ارباع ميزانيته ، ويفاخر قادته بنياشينهم واوسمتهم عند مرورهم في الاسواق الشعبية .

يمارس بشار الاسد وزبانيته هوايتهم في قتل الشعب السوري منذ ستة اشهر ، وتتحدث التقارير الدولية عن اكثر من ثلاثة الاف قتيل ، من بينهم المئات من الاطفال وحتى الرضع ، لكن امريكا والحلف الاطلسي لا يتحركون خطوة عملية واحدة ، ليس لان بشار اقل اجراما وسفكا للدماء من القذافي ، انما لانه الضامن الامين لأمن واستقرار اسرائيل ، ويستفيد حاكم دمشق من ميزته هذه فيمعن في القتل والمذابح والجرائم ضد الانسانية ، لا رادع يردعه ولا ضمير يحكمه .

كان الاسد في مملكة سوريا التي اتخذ منها غابته ، يخشى في الفترة الاخيرة من محاسبة دولية ، بعد ان بان للعالم وحشية قواته وشهوتها لسفك الدماء ، لكن جاء الفيتو الروسي الصيني مطمئنا ومشجعا على ارتكاب المزيد من الجرائم والمذابح المرعبة ، لقد ارتكب النظام السوري جريمته الاخيرة باغتيال المعارض الكردي البارز مشعل تمو بعد ايام قليلة من رسالة التطمين الروسية الصينية . وقد ظهر عنجهية النظام واستهتاره بكل القيم الانسانية باطلاق النار على جنازة الزعيم الكردي الشهيد ومقتل عدد من المشيعين .

ان الدلائل كلها تشير الى ان الشعب السوري ماض في تحركه وثورته حتى اسقاط النظام ومحاكمة رموزه ، لكن ما يهمنا هنا ان ندعو الشعب الكردستاني الى محاسبة بشار وعائلته الحاكمة عن جريمة اغتيال الكاتب والسياسي مشعل تمو ، ومن قبلها جريمة اغتيال المفكر معشوق الغزنوي ، وحرمان الكرد من الجنسية الوطنية وحقوقهم الطبيعية والغدر بهم في اكثر من مناسبة ، ويجدر به عدم الاعتداد بالاستنكار الامريكي الذي لن يغني عن جوع ولا بالاتكال على المواقف الضعيفة وغير العملية لحكومة اقليم كردستان الجنوبية ، على الشعب الكردستاني ان يضاعف حراكه الجماهيري لاسقاط نظام بشار الفاسد بكل السبل والاساليب وافهام حاكم دمشق ان امة بحجم الامة الكردية وبما تمتلكه من روح المقاومة والاصرار على الحياة الحرة ، لا تسكت على اغتيال ناشطيها وقادتها المتنورين ، فليس عدلا ان يسقط بشار او يحاكم عن جرائمه وحسب، ما هو صائب وعدل هو ان يتحرك الكرد في كل اتجاه حتى يرتوي بشار من مرارة الندم ويود لو انه لم يكن قد جاء الى الحياة اصل

التمو البطل… مشعل الحرية مضيئا ً أبدا .

د.نصر حسن

اغتالت العصابة الوحشية التي تسطو على سورية بتاريخ السابع من تشرين أول الشهيد البطل مشعل التمو ،إنه الفعل الدنيئ الجبان ضد الحياة والتاريخ والوطن ووحدته وحاضره ومستقبله , ضد رموز البطولة والشرف والأخلاق الحريصين على سورية بكل حمولتها الإنسانية ، إنه العار والانحطاط الأخلاقي والإنساني الذي يستهدف الرجال الصادقين الشجعان الذين سطروا حياتهم سجلا ً مضيئا ً في مقارعة الظلم والطغيان ، إنه الانهيار الوطني والإنساني لتلك العصابة الجبانة وعملائها الأقزام الذين لاتربطهم بهذا الوطن وشعبه رابط أو صلة ، إنها لحظة الإفلاس التي تمارس فيها العصابة جنونها وساديتها ووحشيتها ضد قادة ثورة وطنية سلمية بطولية حد المعجزات ،هذا العمل الجبان ليس جديداً على العصابة التي أدمنت قتل المدنيين وأظهرت كل همجيتها وحقدها وكراهيتها للشعب السوري بعربه وكرده وكل مكوناته التاريخية .

لكن الجديد الذي لم ولن يفهمه الحثالة والرعاع هو قيم بطولية جديدة يظهرها الشعب السوري كل يوم وفي كل مدينة وقرية ،حيث  يتصدى شباب الثورة باجسامهم العارية لأعتى عصابة همجية متخلفة معاقة عقليا ً ووطنيا ً وإنسانياً ، والجديد الذي لم تستوعبه العصابة بعد كل أنهار الدماء التي لونت سورية أن زمن الخوف قد ولى ، لأن رموز الثورة أمثال الشهيد البطل مشعل التمو ربحوا الرهان وانتصروا على السجان وقرروا المواجهة السلمية في السجون والمعتقلات والساحات والمدن السورية كلها ، سجنتموه واهمين أنكم قادرين على زرع الخوف والترهيب ، واجهكم  في الزنازين والمعتقلات بإرادة الأبطال العظام ، واجهكم في سوح الوطن السجن الكبير , وحشركم في جبنكم وانحطاطكم أيها الرعاع .

قالها بوضوح منعاً للإلتباس وللتثبيت نحن مع الثورة وأهدافها وأولها إسقاط النظام الساقط وطنيا وأخلاقيا وإنسانيا ً ، وأثبت برجولة أنه زعميا ً عابر القوميات والأديان والطوائف والإيديولوجيات  وعقله مع الثورة وعينه على الوطن وقلبه قلعة حب لكل السوريين , قالها  لا للحوار مع القتلة والجلادين في عقر زنازينهم وفي كل الساحات ، قال لعملاء النظام سماسرة الدم والحوار ارجعوا من حيث أتيتم وقولوا لهذا القاتل الأكبر بأنكم لاشرعية لكم، قالها الشعب السوري من القامشلي إلى حماه ومن درعا إلى حمص ومن دمشق إلى ادلب ومن اللاذقية إلى دير الزور ، قالها نحن ضدكم أيها القتلة الطائفيين الكريهين وسورية على طريق الدولة المدنية الديمقراطية التعددية ، سجنتموه سنين ولاحقتموه سنين وبقي صامداً لايلين أمام وحشيتكم رافضا ً مغادرة ساحة الثورة  عاملاً على نسج قيم الوحدة والعمل الوطني الثوري داخل الوطن الذي حولتموه إلى مسلخ للبشر أيها الرجس اللعين.

ثورة سلمية ووحدة وطنية ودولة ديمقراطية مدنية وبطولات رمزها الشهيد مشعل التمو سليل صلاح الدين الأيوبي ويوسف العظمة وابراهيم هنانو وكل الذين يعود إليهم وجود سورية تاريخا ً وحضارة يعمل اليوم أحفاد أولئك الأبطال على استئصال هذا السرطان الخبيث الذي زرعتموه  في سورية ليتعافى الوطن من شروركم وآثامكم وفعلكم الجبان ضد الوطن والإنسان والحضارة.

 بائس فعلكم ..خائب ظنكم ..فالشهيد أكبر منكم أيها الأقزام ، وثورة الحرية والكرامة ماضية على طريق البطل مشعل التمو وستنتصر عليكم أيها القتلة المجرمين .

مشعل نهايت التمو…. سفر مدينة من الحريات

وأخيرا ترجل هذا الفارس عن صهوته بعد تاريخ من النضال الوطني عرف خلاله سجون النظام وطغيانه. والرجل، كما يعرف رفاق دربه في تيار المستقبل الكردي وفي إعلان دمشق ، متورط في حب سورية وفي عشقه للحرية من رأسه حتى أخمص قدميه. فقد سجن بتهمة النيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة. وتعرض للتهديد مرارا ولمحاولات الاغتيال. كل هذا ولم يستطيعوا أن يسكتوه إلى أن تم الانقضاض عليه متلبسا بوطنيته، ففاجأته إصلاحات النظام، على حين غرة، برصاصة اخترقت جسده لنراه، في فيديو على اليوتوب، ممددا على سرير ودمه لا يزال ينزف. أبكتنا جميعا رؤيته مسجى، مغمض العينين، صامتا وقد غابت صرخة الرفض عن شفتيه، ليترك في كل قلب حرقة وفي كل  حنجرة حشرجة. مشعل الذي عاش منفيا في وطنه لم يجد مسكنا آمنا يستقر به سوى قلوبنا عربا وأكرادا، ليكون رمزا من رموز وحدتنا في حياته كما في مماته.

لنقلها صراحة، في سورية اليوم مصيبة اسمها بشار الأسد. فقد بلغ حدا من الطغيان لدرجة قتله للحمير في محكمة ميدانية دونما أن يترك لها فرصة للدفاع عن نفسها. وتركت عملية الإعدام هذه، أي موقعة الحمير كما يسميها السوريون، لغزا محيرا يعجز عن تفسيره محللو السياسة، بل وحتى محللي علم النفس. كل المؤشرات توحي بان نظامنا الممانع يستوحي نهجه الإصلاحي، في تعامله مع الشعب، من فتوى يهودية توراتية أعلنها الحاخام “روزين” لشرعنة قتل إخوتنا في فلسطين.  تنص تلك الفتوة على الآتي: (اقضوا على العماليق من البداية حتى النهاية.. اقتلوهم وجردوهم من ممتلكاتهم، لا تأخذكم بهم رأفة، فليكن القتل متواصلاً شخصاً يتبعه شخص، لا تتركوا طفلاً، لا تتركوا زرعاً أو شجراً، اقتلوا بهائمهم من الجمل حتى الحمار). يبدو أن النظام وشبيحته يصرون على تطبيق هذه الفتوى على شعبهم حرفيا دون أي تعديل. يشهد على هذا التطبيق، بالإضافة لإعدام الحمير، كل من حمزة الخطيب، طفلا من بين عشرات الأطفال، تم قتله والتمثيل بجثته، وفتاة في حمص قدمت على أنها زينب الحصني وسلمت لأهل ليسوا أهلها مقطوعة الرأس والذراعين.

إذا استمرت إصلاحات النظام على هذا النحو، فلن تدع مثقفا يمتهن الثقافة ولا فنانا يمتهن الفن ولا معارضا يمتهن المعارضة. لن تدع سوى شبيحة تمانع وسلطة سادية تقاوم الحريات. فبعد أن اجتاحت جيوش الأسد المدن السورية وأريافها من درعا في أقصى الجنوب إلى جسر الشغور وجبل الزاوية في أقصى الشمال، قاتلة الحيوانات وحارقة المحاصيل، وبعد قتل الأطفال منتزعا أحشاءهم، تماما كما في فتوى الحاخام روزين، صب جم غضبه على الفنانين، فسجن مي سكاف وحرق بيت فارس الحلو واعتدى على والدي الموسيقي العالمي مالك جندلي، وكسر أصابع علي فرزات، وكاد أن يقتله لولا أن له من الأرواح سبعة. ثم خطى خطوة تصعيدية باغتيال الأكاديميين في حمص وإدلب ليبلغ ذروة الإصلاح ببدء استهداف رموز المعارضة معتديا على رياض سيف ومغتالا مشعل تمو.

علمنا مشعل تمو أن الوحدة قوة، فزاد في تلاحمنا عربا وأكرادا. وعلمنا أن الحرية لا يساوم عليها و أن الشعب حين يثور يهزم في سلميته أقوى الطغاة.  لقد رحل الرجل ونحن لازلنا في منتصف الطريق.  يقول إخوتنا الفلسطينيون : موت الشهيد لا يعني موت القضية. بل على العكس تحيا القضايا بالتضحيات. مشعل نهايت التمو وفى بعهده وبقسم مفاده النضال في سبيل الحرية حتى الموت. بل وحتى ما بعد الموت، فاستشهاده اغتيالا جعل منه أسطورة تقول : أنا مدينة من الحريات، ادخلوني بسلام أيها السوريون! وتقول للطغاة: تستطيعون أن تقتلوا الأحرار ولكن لا تستطيعون الهرب من لعنتهم.

إلى الشهيد الكردي السوري مشعل التمو

غسان المفلح

آزادي…آزادي…

مشعلٌ يطوفُ أنحاء البلاد..يمسُّ قناديلنا الواحد تلو الآخر..بلهب

سوريا التي تتهدّجُ على إيقاع خطواتها المهيبة اليوم..أقاليمُ الأرض..مُتشحةٌ بالسواد

تتقدّم مُشيّعي واحد من أنبل أبنائها..أبرز مُبدعي فجرها الجديد ومُهندسي ربيعها الأكبر!

الصديق خالد حاج بكري.

اغتيل عضو الأمانة للمجلس الوطني السوري المعارض الكردي مشعل تمو، بالرصاص في القامشلي الجمعة، كما أصيب أحد ابنائه إصابة خطيرة، وناشطة كانت معهما. وفي الأثناء، تعرض السياسي المعارض رياض سيف لاعتداء عنيف على يد الشبيحة في دمشق، حيث أصيب إصابات بالغة في أنحاء متفرقة من جسمه. أظهر شريط فيديو أربع رصاصات وقد استقرقت في جسد مشعل، موزعة على الرأس والكتف والصدر والبطن. يقول صاحب المنزل أن الأشخاص الذين تكلموا معه عند الباب كانوا يتكلمون بالكوردية و سمع شقيق الشهيد من الحمام أيضاً أحدهم يتكلم بالكوردية، إلا أن الشخص الذي أطلق الرصاص على الشهيد و من معه تكلما معه بالعربية، وكان وجهه مكشوفاً، و يمكن التعرف عليه. الجدير بالذكر أن الشهيد مشعل تمو تعرض قبل شهر من الآن لعملية إغتيال، إلا انه نجا منها و كان نجله مارسيل يقود السيارة و أستطاع الفرار من الجُناة، و كان الشهيد يتلقى تهديدات بالقتل منذ إطلاق سراحه.

إن دم مشعل، تحول إلى اجابة الشعب السوري عمن يسأله، عن وحدة مصيره والآمه واحلامه، وعن دم شهداءه من القامشلي وحتى درعا، إنه يجسد الانتماء لسورية دولة حرة ودولة مواطنة ودولة قانون، إن الوحدة الوطنية التي تعيش حريتها تحت انف النظام وعصاباته الملتفة بالمصالح والزعرنة والتطييف، تحت انف من يشكك بمصداقية سلمية الثورة، ومدنيتها التحررية، وعمق انتماءها للمواطنة السورية التي علت مع كل دم شهيد فوق أي انتماء آخر عربي او كوردي مسيحي ام مسلم علوي ام سني. هذه سورية التي حاول النظام- العصابة قتل اجمل مافيها وهو شعبها وانتماءه لها، دم مشعل التمو الصريح بجرأته وعنفوانه الذي عانق سماء سورية عندما تخرج درعا لتشيع مشعل وحمص وحماة واللاذقية وبقية المدن السورية والبلدات التي تهب حياتها لسورية حرة كريمة، فرض علي أن اتطرق لمسألتين في هذه المقالة” الأولى من موقع الصديق للأصدقاء في حزب الاتحاد الديمقراطي الجناح السوري لحزب بي كي كي الكوردي التركي، إن مواقفهم من الثورة، والتي لاتزال متفردة خارج السرب، سواء على المستوى الكوردي السوري أم على المستوى الوطني السوري، اضافة إلى ما يتم الحديث عنه في الاوساط الكوردية حصرا، من أن البي كي كي لايزال في قيادته التركية حليفا لنظام العصابة الأسدية. حتى أنه قد وصلني همسا مفاده أن اغتيال مشعل التمو تم بتنسيق بين المخابرات السورية وعناصر من حزب العمال الكوردستاني بزعامة عبد الله اوجلان. ولسان حال هذه الهمسات يعلل موقفه هذا بالقول: أن مشعل التمو كان يفضح اي تواطؤ مع النظام من أي نوع كان من خلال موقفه من الثورة وممارساته لوطنيته السورية ولدفاعه عن الحقوق الكوردية بطريقة سورية، وهذا مالايريده الاتحاد الديمقراطي لأنه لايريد للكورد أن يخرجوا في تظاهرات ثورية ضد النظام، ويريدهم أن يبقوا تحت قيادته لأجل مهمات الساحة الكوردية في تركيا، على الأصدقاء في حزب الاتحاد الديمقراطي توضيح موقفهم هذا، لأنني على قناعة ان قيادة هذا الحزب من الصعب ان توافق على هذا الموضوع. ناقشت احد الذين راسلوني من شباب التنسيقيات الكوردية، حيث قال لي مصرا على أن المناطق الكوردية السورية التي لحزب الاتحاد الديمقراطي فيها الحضور الاكثف لاتخرج في التظاهرات، ويضربون مثالا منطقة عفرين في ريف حلب وقراها وبلداتها. اضافة إلى تواجدهم القوى في احياء حلب التي يقطنها اغلبية كوردية مهاجرة من الريف، كحي الشيخ مقصود والاشرفية. ويصر هذا الشاب وغيره من الناشطين، على أن اغتيال مشعل يمكن أن يكون بقرار مخابراتي سوري وبتنفيذ مشترك بين الطرفين. وهذا الكلام لم أسمعه من أي ناشط سوري عربي أو آشوري أو خلافه، بل سمعته من ناشطين كورد سوريين. وانقل للأصدقاء في الحزب ما سمعته، واتمنى أن يكون لديهم ردا على ذلك. وهذا لايغير أنني كنت وسأبقى مع الحق الكوردي التركي والنضال من أجله، مع التأكيد على الاستقلال النسبي بين الساحتين التركية والسورية. وشكرا لتفهم الأصدقاء في الاتحاد الديمقراطي على تفهمهم لهواجسي هذه.

والنقطة الثانية، التي اود التطرق اليها وهي التي تتعلق بالعلاقة بين مفهوم المواطنة وبين الحق القومي للشعب الكوردي، اعتقد أن وحدة المطلب الديمقراطي السوري في دولة المواطنة لايلغي بأي حال الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وليس هما في تضاد أو خصومة منهجية أو تاريخية، وكذلك الحال اعلان بقية الشعب السوري انتماءه العربي، لايختصر أي حق من الحقوق القومية الكوردية، مع أنني مع ان تسمى سورية الحرية الدولة السورية، مع ذلك إلا انني أرى ان دولة الحرية تؤسس أولا وتتأسس ثانيا وبالتداخل على مفهوم المواطنة بما حملته البشرية من تجارب من اجل إعلاء قيمة الانسان أولا قبل أي انتماء آخر، والدليل على ما أقول هو هذا التضامن الخلاق العفوي وغير العفوي بين اطياف الشعب السوري. دولة المواطنة هي القاعدة الاساس للنضال من أجل مابعدها وفي ظل الحرية، واعتقد أن القضية الكوردية بكل مافيها سوريا، قد حازت على اعتراف كل الشعب السوري عندما سمى احدى جمعه الثورية باسم آزادي ولايزال الشعب السوري يهتف آزادي من مشرقه لمغربه ومن جنوبه لشماله. للانسان حقوق وجودية لاتتعلق بانتماءه القومي أو الديني أوالطائفي أو الجنسي، كحقه في الحياة وحقه في العمل وحقه في المشاركة السياسية، وحقه في التعبير عن آراءه ومعتقداته باللغة التي يراها، وحقه في الانتماء لتجمعات تدافع عن حقوقه المهنية..الخ هذه حقوق لها بعد وجودي على المستوى البشرية الانساني يتشارك فيه كل من ولد من رحم إمرأة. أما بقية الحقوق فهي وإن تداخلت مع هذا البعد إلا أنها في النهاية تؤسس على هذا المستوى ذاته من الحقوق. وثمة أمر ثان على هذا الصعيد، ان الاعتراف الدستوري بالحق القومي الكوردي السوري لايمر بالضرورة عبر القول أنه ثان قومية في البلاد أو ثالث قومية أو أول قومية، لأنه يصبح هنالك تناقض في المطلب ذاته، يعني أن تقول ثاني قومية في البلاد أو ثالث قومية هل يعني أنه يجب أن يكون هنالك انتقاص من حقوق القومية الثالثة لصالح الثانية وانتقاص من حقوق الثانية لمصلحة الأولى؟ إذا لم يكن كذلك فلماذا النص عليه إذا؟

لهذا أنا كوردي وآشوري وعربي ومسيحي ومسلم وعلوي وسني، وأنا شيوعي ولبيرالي واسلامي…الخ كل هذا لأني انسان أولا ووفقا لهذه التصنيفات أنا سوري ثانيا. وهذه التصنيفات عليها ان تنطلق من اعلاء قيمة الانسان السوري بوصفه مواطنا حقوقيا أولا قبل أية قيمة اخرى، ليؤسس عليه بقية الانتماءات.

شكرا مشعل لموقفك السياسي في حياتك وشكرا لدمك الذي وحدنا أكثر بعد رحيل جسدك على يد العصابة الأسدية.

غسان المفلح

إغتيال مشعل تمو سيعجل في نهاية النظام السوري

عبدالباقي حسيني

هناك مقولة فلسطينية تقول: “موت الشهيد لا تعني موت القضية”، واليوم فجع الشعب السوري بعربه وكرده باستشهاد المعارض الكردي السوري مشعل تمو على أيدي شبيحة النظام في مدينة القامشلي، شمال سوريا، ظناً منهم على ان قتل شخصية من وزن تمو سوف تخمد جذوة الثورة في المناطق الكردية، وبموته سوف تموت مطالب الكرد في الحرية والحقوق القومية. ان النظام حتى الآن لم يدرك ان الشعب السوري بكل أطيافه قد وضع نصب عينه انه لا ولن يتراجع من ثورته السلمية من أجل إعادة كرامته وحريته المسلوبة وإعادة أمور الدولة إلى نصابها في الديمقراطية والعدالة الإجتماعية. و مشعل تمو واحد من هذا الشعب الذي لم تركعه سنوات سجنه ومحاربتهم له في لقمة عيشه، بل ومنذ اليوم الأول من خروجه السجن، أنضم هو وحزبه إلى ثورة الشباب ونادى بإسقاط النظام، وما موقفه الجبار عندما رفض طلب السلطات السورية في مقابلة رئيس الجمهورية من أجل الحوار، يسجل له التاريخ، موقفه البطولي، عندما قال، “لا حوار مع القتلة”، فكان ضريبة هذه المواقف الشجاعة، روحه، التي انضمت إلى مجموع أرواح الشباب الثائر، الذين سقطوا برصاص الغدر على أيدي رجال السلطة، هذه السلطة الفاقدة للشرعية والغاصبة لمقدرات الشعب السوري منذ خمسة عقود.

ان الإغتيال السياسي في سوريا هي سمة من سمات هذا النظام الجبان، الذي يعمل على تصفية خصومه السياسيين لمجرد شعوره بان الذي يتحرك على الأرض سيكون خطرا على نظامه وكرسيه، والتاريخ القريب شاهد على مثل هذه الجرائم، وهي كثر، نذكر منها على سبيل المثال، إغتيال العلامة الكردي الشيخ معشوق الخزنوي في 2005 على يد شبيحة بشار الأسد، عندما شعر النظام بان هذا الشخص يملك كاريزما، يتفاعل معه الشعب بحرارة،  يخطب ضد الظلم، يطالب بحق الكرد في سوريا، هذا الحق المسلوب جراء الممارسات العنصرية من قبل النظام البعثي. فقد قتلوه بدم بارد وخلقوا قصصا واهية وساذجة حول مقتله ليبعد الشبهات عن أنفسهم. واليوم يغتالون المناضل مشعل تمو لانه لم يرضخ لإملاءاتهم، و تحداهم، مثله مثل بقية الشعب المنتفض من أجل ان يخلصوا البلد من أيدي هذه العصابة الحاكمة.

لقد إغتيل السياسي والمناضل مشعل تمو في جمعة ” المجلس الوطني السوري يمثلني”، ولهذا التوقيت دلالاته، كون تمو كان أحد الشخصيات المساهمة في تشكيل هذا المجلس، وكان مع الهدف الرئيسي له، وهو، إسقاط النظام القائم بكل رموزه بما فيه رأس النظام، لهذا تم تصفيته، واعتدوا في نفس الوقت على المعارض رياض سيف، وضربوه ضربا مبرحاً، كونه هو الآخر من أعضاء المجلس، هذا المجلس الذي يعتبر بمثابة “المجلس الانتقالي” البديل للنظام القائم. لذا بدأ بشار الأسد وعصابته بوضع خطتهم الهجومية والقيام بتصفية  الشخصيات المعارضة في الداخل والخارج، للتخلص منهم والحفاظ على عرشهم، حتى لو كان نتيجة هذا الإنتقام خيرة أبناء هذا الوطن. ان الشكاوي الأخيرة من معارضين في الخارج على انهم يتعرضون لمضايقات من ازلام النظام الذين يعملون في السفارات السورية في أوربا، خير دليل على كلامنا.

ان القتل اليومي للمواطنين السوريين عموما، وقتل المعارضين البارزين والنشطاء السياسيين خصوصا، يقصر من عمر النظام يوما بعد يوم، وما تداعيات إغتيال المناضل مشعل تمو على الشارع الكردي في سوريا ستكون “كالقشة التي قصمت ظهر البعير” ، كون الشارع الكردي الثائر كان له حضوره المتواضع في الثورة السورية، والسبب كان النظام يلعب على ورقة الطائفية والمناطقية، كعدم التقرب من قومية معينة بحد ذاتها كما حصل للكرد، إذ لم يستخدم العنف المفرط في المناطق الكردية، عكس المناطق العربية التي استباح فيها كل أنواع الأسلحة، الخفيفة منها والثقيلة. اليوم جاء الدور على الكرد، كونهم لم يصطفوا إلى جانب النظام بالرغم من إغراءاته (منح الجنسية السورية للأكراد المجردين منها، مثلاً)، فبدأ بقتل القيادي الكردي الأبرز المناضل تمو. لكن النظام نسي مافعله الشعب الكردي في 2004 عندما أحتج عليه وزلزل سوريا من شمالها حتى جنوبها. واليوم إذا ماتحرك الكرد بنفس وتيرة آذار 2004 في مناطقه والمناطق المتواجد فيها من سوريا، بكل تأكيد سوف تكون نهاية النظام حتمية، لإن الكرد موزعين في الشريط الشمالي من سوريا، ويعيشون بكثافة في مدينة حلب ودمشق ولهم حارات خاصة بهم كحي شيخ مقصود في حلب وحي ركن الدين في دمشق، وان تحركهم جميعا وفي نفس الوقت، ستاتي بنهاية النظام، كون النظام لا يملك القدرة على السيطرة وعلى الإمكانيات لمتابعة كافة مناطق تواجد الكرد. هذا وقد بدأ الشارع الكردي بالتحرك الفعلي منذ سماعه قتل المناضل تمو، ودخلوا في عصيان مدني في مدينتي القامشلي وعامودا، هذا وقد هاجم مجموعة من الشبان الكرد في مدينة عامودا تمثال حافظ الأسد وحطموه، وازالوا جميع التماثيل والنصب التابعة للنظام.

الأيام القادمة لسورية ستكون حبلى، والشعب السوري بكل مكوناته قد عزم الأمر على انه لن يتراجع أمام آلة الحرب الفتاكة التي تستخدم من قبل رجال الأمن والشبيحة ضد الشباب الأعزل، وكذلك تصريح قائد ” الجيش السوري الحر” على ان هذا النظام لا ينفع معه سوى لغة السلاح والحرب، ونحن مستعدون لذلك طالما النظام لا يملك سوى هذه المنطق، فسورية في المرحلة القادمة ستكون سورية الجديدة، سورية المجد والعز، سورية بدون بشار الأسد وعصابته.

أوسلو

ايلاف

لماذا مشعل تمو؟

صالح بوزان

التقيت به مرتين. مرة في ندوة بحلب أيام ما سمي بربيع دمشق. وفي المرة الثانية خلال تأبين أحد الشبان الكرد الذي قتلته الأجهزة الأمنية السورية خلال الانتفاضة الكردية الشهيرة عام 2004. وكان في هذه المرة الأخيرة برفقة المناضل السوري المعروف فائز سارة.

في هذين اللقاءين لم يستغرق الحديث بيننا سوى دقائق. وتمنينا أن نلتقي في المستقبل القريب لتبادل الآراء حول الشأن السوري والكردي. لكننا لم نلتق مع الأسف. كان متحمساً للتغيير في سورية، بعكس ما كان ينخر في دماغي حينئذ من جراثيم اليأس من الوضع السوري الذي يستعصي على التغيير.

منذ ذلك التاريخ بدأت أقرأ مقالاته على الانترنت. كما قرأت له كتاباً كان مجموعة مقالات جمعها وطبعها بشكل غير رسمي. وتابعت بيانات حزبه.

واليوم، وبعد مقتله برصاصات الغدر والخيانة سأتوقف على الجانب السياسي لهذه الشخصية المتميزة بين قادة المعارضة السورية عامة، والزعامات الكردية السورية خاصة. لقد كانت لشخصيته خصائص متميزة.

لقد جسد مشعل تمو، كسياسي كردي، إرادة الشعب الكردي السوري المستقل، ولا سيما تركيزه على الرابط التاريخي والمصيري بين الشعبين العربي والكردي السوريين. وفي هذا المجال كان من القادة الكرد السوريين القلائل الذي تلمس نهج الشهيد الكردي الأكبر شيخ معشوق الخزنوي.

من خلال سيره الصادق على هذا النهج أحدث تقارباً كبيراً بين المعارضة الكردية والمعارضة العربية، بل يعود الفضل له بنشر ثقافة وحدة المصير بين العرب والكرد السوريين. هذه الثقافة التي عجزت عن إنشائها الأحزاب الكردية السورية خلال نصف قرن من نضالها، وكذلك المعارضة السورية الكلاسيكية عامة.

لقد وقف مع الثورة السورية ليس من باب البحث عن مكاسب شخصية في سورية المستقبل، بل أدرك بحسه الوطني الكردي والسوري أن مهام الثورة السورية ليست فقط تغيير النظام البعثي، بل اكتشف قبل غيره من القادة الكرد أن هذه الثورة تحمل انعطافاًً تاريخياً لتحويل سورية من عصر بائد إلى عصر التنوير والحداثة.

كان يعبر عن اتجاهه السياسي بوضوح وصدق، سواء تجاه القضية الكردية السورية أو تجاه مجمل الوضع السوري. ولذلك لم ينجر إلى مهاترات مع بعض المعارضات العربية السورية، التي تتحدث عن الديمقراطية والمساواة في جميع الشؤون السورية، ولكن عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية تظهر مفاهيم ميشيل عفلق في أقوالها ومواقفها. كان يعتقد أن الجماهير العربية السورية التي عانت الظلم والاضطهاد تحت لواء سلطة القومية العربية البعثية، ستتفاهم مع الشعب الكردي السوري في إطار وحدة الوطن السوري ووحدة الشعب السوري من دون أدنى شك.

نحن في سورية لدينا مشكلة مع غالبية الساسة السوريين. هؤلاء الساسة يقولون شيئاً في بياناتهم وفي تصريحاتهم العلنية، وتحت الطاولة يعقدون صفقات سرية تشم من بعضها رياح قذرة. لكن مشعل تمو كان خارج هذه البهلوانية السورية التي كرسها حزب البعث ليس في عقول أعضائها فقط، بل كذلك في عقول العديد من قوى المعارضة الكلاسيكية.

على الرغم من تضامنه العلني، الذي ليس فيه أي لبس مع الشعب الكردي في كل من كردستان العراق وتركيا وإيران، لكنه أصر على أن تكون القضية الكردية السورية قضية سورية حصراً. وبذلك فصل بين التضامن وبين الولاء والتبعية.

كان القائد الكردي الأبرز الذي أسقط الحوار بين الكرد والنظام، انطلاقاً من حقيقة ثابتة أنه لا يجوز للشعب الكردي السوري أن يحقق أهدافه على حساب شريكه التاريخي في الوطن والعيش المشترك. فالشعب الذي يسعى إلى حريته على حساب شعب آخر هو شعب لا يستحق الحرية أصلاً. هذا هو الخيار التاريخي الذي رسمه لنفسه.

عندما نتوقف بعمق على هذه الخصائص والصفات التي جسدها مشعل تمو نستطيع عندئذ أن ندرك بسهولة لماذا قُتل مشعل تمو غدراً، ومن قبله الشيخ معشوق الخزنوي، ومن يقف وراء مقتله. أريد في الختام أن أعترف على الصعيد الشخصي أمام الشعب السوري وأمام الوطن السوري، بأن أكبر فرح شعرت به طيلة حياتي، عندما سمعت من خلال التلفزيون، بعد مقتل مشعل تمو، كيف أن جماهير المدن السورية هتفت في كل أرجاء سورية (نحن معك يا قامشلي، نحن معك يا مشعل تمو). هذه هي الوحدة الوطنية التي يحتاج إليها الشعب السوري بكل قومياته وطوائفه. وهكذا يجب أن تكون كل المدن السورية مدننا، وكل القوميات السورية قومياتنا وكل الطوائف طوائفنا.

المجد لك يا شهيد الثورة السورية، ويا شهيد الوحدة الوطنية الصادقة.

القدس العربي

مشعل تمو الرجل الذي فقدته سوريا

فايز سارة

غاب مشعل تمو اغتيالا في مشهد مأساوي، يلخص بعضا من المشهد الدموي الذي تعيشه سوريا منذ سبعة أشهر هي عمر أوسع حراك سياسي في تاريخ سوريا الحديث والمعاصر، كان من نتائجه حتى الآن سقوط عشرات آلاف الشهداء والمصابين بجروح وإعاقات، يضافون إلى عشرات آلاف المعتقلين والسجناء، ومثلهم من المطلوبين والملاحقين بسبب ما حدث في الأشهر الماضية.

وإذا كان اغتيال مشعل تمو تفصيلا في فاتورة الحراك السوري، فقد كان تفصيلا لا يمكن تجاوزه، بالنظر إلى أهمية مسار الحياة التي عاشها الرجل على مدار عقود من السنوات، والدور الذي قام به استنادا إلى منظومة فكرية وسياسية وأخلاقية، رسمت ملامح حياته ودوره في فترة هي بين الفترات الأصعب في تاريخ سوريا.

وحملت ولادة مشعل في إحدى قرى القامشلي عام 1957 لعائلة من السوريين الكرد دلالاتها الخاصة. فهي من الناحية الزمنية، تشير إلى تلاحم عميق بين المتشاركين في إطار الجماعة الوطنية السورية على نحو ما كانت عليه الحالة في خمسينات القرن الماضي، التي كان شعارها السوري الأول «الدين لله والوطن للجميع» في سياق سياسي هدفه تأكيد وحدة السوريين جميعا. وكان بين الدلالات واحدة خاصة، تتعلق باختيار اسمه الأول الذي اختير من قبل والده بإصرار وتأكيد للإشارة إلى علاقة وثيقة بين السوريين ولا سيما بين الكرد والعرب، الذين ربطتهم مع غيرهم الحياة بروابطها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ ليس في سوريا وحدها، وإنما على امتداد المنطقة ودولها، وقد كان لهذه الروابط عمق تاريخي، لا يقل أهمية عن عمقها الحالي.

وسط تلك الروح يمكن رؤية وفهم مسار الحياة والمواقف التي عاشها مشعل تمو كواحد من الشخصيات الوطنية السورية؛ إذ انشغل بهموم بيئته الإنسانية المحلية، فكان أحد نشطاء السوريين الكرد، قبل أن يندمج بداية العقد الماضي في سياق حراك ثقافي سياسي اجتماعي أوسع، مثلته تجربة لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا، التي ضمت مثقفين ونشطاء من مختلف مكونات الجماعة الوطنية، جعلت رابطها الأول هو المواطنة، وهدفها الأساسي تغيير حياة السوريين في شكلها ومحتواها، بنقل سوريا من النظام الأمني الاستبدادي إلى نظام ديمقراطي تعددي، يوفر العدالة والمساواة والمشاركة للسوريين جميعا في الحياة وفي إدارتها.

لقد أسهمت تلك التجربة التي كان مشعل تمو أحد صناعها في إثراء الحياة السورية في العقد الماضي، ودفعت كثيرين للتفكير في الشؤون العامة، التي كانت تبدو وكأنها سلوك من الماضي السحيق، ودفعت آخرين للمشاركة في أنشطة عامة، ولا سيما في ميدان المجتمع المدني ومنظماته، وخصوصا المنظمات المعنية بحقوق الإنسان والمرأة والطفل ومنظمات معنية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولم يمنع من ممارسة ذلك النشاط الطابع البوليسي للسلطة، وما يقيمه من موانع وعقبات في وجه الأنشطة الشعبية والمستقلة على وجه الخصوص.

وإذ ذهبت تجربة اللجان في سياق تنشيط العمل العام، ولا سيما في المجال الاجتماعي، فإنها لم تتوان في التأثير على الواقع السياسي، حيث شاركت في إجراء تبدلات سياسية جوهرية في الحياة السورية، ولا سيما في ميدان إعادة الاهتمام إلى السياسية بوصفها فعالية إنسانية ضرورية لحياة المجتمعات. وفي هذا السياق، جهدت من أجل انفتاح بين الجماعات السياسية العربية والكردية والآشورية، ومهدت لإقامة أول تحالف وطني واسع في عام 2005، حيث ولد إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، الذي ضم أوسع طيف من الجماعات السياسية والشخصيات المعارضة تحت هدف تغييري واضح.

لم تكن تجربة مشعل مقتصرة على هذا النسق الوطني العام، بل إنه سعى إلى تكوين تيار سياسي في أوساط السوريين الكرد باسم تيار المستقبل الكردي، يكون قريبا من النسق الوطني العام على طريق مشاركة السوريين الكرد الفاعلة باتجاه دولة لكل مواطنيها، تعطيهم حقوقا متساوية، وتعيد للمظلومين في عهود سابقة حقوقهم وما سلب منهم على طريق تأسيس نظام عادل يحميه الحق والقانون.

لقد بدت فترة اعتقال مشعل تمو في عام 2008 استنادا إلى أحكام سياسية غير قانونية، فترة اختبار لقناعاته ومواقفه، على الرغم من أن الرجل لم يكن بحاجة لاختبارات كهذه، بل هو أكبر من تلك الاختبارات، ولنحو سنوات ثلاث، كانت فترة اعتقاله ميدانا لممارسة تلك القناعات، فكان تواضعه وتواصله مع الآخرين إحدى أبرز ممارساته، بل إن إصراره على مساعدة الآخرين من ذوي الحاجة، بدا سلوكا عفويا وإجرائيا في يوميات سجنه، التي أضافت عمقا في محبته العظيمة للناس، بغض النظر عن انتماءاتهم ومناطقهم، ولعل ذلك بين أبرز العوامل التي جعلت مشعل تمو أحد شخصيات المعارضة السورية، التي يتجمع الناس حولها.

مشعل تمو، الذي عاش في كنف تلك الحياة وفي عمق تلك الأفكار، وفي سياق تلك العلاقات، كان من الطبيعي، أن يعلن فور خروجه من السجن بعد اندلاع ثورة السوريين المطالبة بالحرية والكرامة: الآن وفي ظل الثورة لن أكون إلا سوريا دون أي تفاصيل أخرى!

الشرق الأوسط

مشعل التمو وشرف الشهادة

سعيد لحدو

ليس غريباً أن يجري اغتيال المناضل الكردي والوطني البارز مشعل التمو على عيون الأشهاد في بلد صغير نسبياً كمدينة القامشلي وفي كل عشرة أمتار من شوارعها رجل مخابرات أو شبيح، وذلك من دون أن تتمكن أجهزة الأمن تلك من القبض على الجناة أو معرفة شخصياتهم، كما لم تتمكن من قبل من معرفة المعتدين على رسام الكاريكاتير العالمي محمد فرزات في قلب دمشق وعلى بعد عشرات الأمتار من مبنى الإذاعة والتلفزيون ووزارة الدفاع وقيادة القوى الجوية وكلها مراكز حكومية حساسة جداً وتحظى بحراسة أمنية على أعلى المستويات.

إن من يعرف النظام السوري، يعرف أيضاً أن فرق الاغتيال التي لاتحتاج إلى تغطية وجهها تستطيع بعد تنفيذ مهمتها البشعة أن تعود أو يعود من أمرهم بذلك للوقوف بكل صفاقة في صف المعزين. لا بل في صف أهل العزاء أنفسهم. ومن هذا المنطلق انبرى التلفزيون الرسمي للنظام يشيد بمناقب ومواقف الشهيد مشعل التمو وهو الذي خرج للتو من معتقلات النظام المخصصة للوطنيين الشرفاء أمثاله بعد أن أمضى بسبب آرائه ومواقفه الوطنية ذاتها التي يتحدث التلفزيون الرسمي عنها الآن، قرابة سنتين وتسعة أشهر بعد عملية اختطافه حينذاك على طريق حلب والتي تمت على طريقة آل كابوني، واختفائه لمدة حتى اعترفت أجهزة أمن النظام لاحقاً بأنه معتقل لديها.

هذه هي طريقة تعامل النظام مع معارضيه السياسيين. وفي لبنان وسورية عشرات الأمثلة التي يعرفها الجميع لقيادات وشخصيات هامة جرت تصفيتها دون أن يخفي النظام متعمداً آثار تلك الجرائم بهدف أن يرتدع الآخرون.

وإذا تجاوزنا محاولات الاغتيال السابقة للشهيد مشعل التمو، وإذا علمنا أنه كان يعيش متخفياً عن أعين أجهزة النظام طوال المدة الأخيرة خوفاً على حياته، فهل هناك بعد ساذج واحد يمكنه أن يصدق مسرحية المجموعات الإرهابية في مدينة كالقامشلي؟ هذه المدينة التي طالما ركن أهلها إلى الدعة والسكينة، باستثناء الفترات التي كانت تنشط فيها عصابات النظام المخابراتية بين الفينة والأخرى لسلب الناس وقتلهم بعد وضعها حواجز أمنية طيارة على الطرق التي يسلكها المواطنون بعد أن يكونوا قد قبضوا نقداً أثمان محاصيلهم الزراعية من المؤسسات الحكومية.

أبناء الجزيرة يعرفون جيداً ماذا أعني وعمن أتحدث. وهم يعرفون أيضاً ضحايا تلك العصابات بالأسماء والتواريخ. ولكن هذه المرة يبدو الأمر مختلفاً عن السابق. فقد تحولت عصابات النهب والسلب تلك إلى فرق اغتيال منظمة بدوافع سياسية. فالمناضل مشعل التمو من أقوى الأصوات الكردية التي نادت منذ بدء الثورة السورية بإسقاط النظام. ولقد استمعتُ إليه وهو يتحدث عبر الهاتف إلى المجتمعين في استانبول قبل أيام معرباً عن تضامنه وتأييده لهم ،ومتمنياً عليهم الخروج بما ينتظره منهم الشعب السوري الثائر بكل أطيافه وتياراته القومية والسياسية والدينية. وكان لكلامه ذاك وقع عميق في نفوس المجتمعين من أجل وحدة المعارضة السورية وتوحيد كلمتها وإنتاج مجلس وطني واحد يمثلها ويتحدث باسم الثورة والثائرين، بعد أن تكون قد تمثلت فيه كل مكونات المجتمع السوري وأطيافه المتنوعة لرسم وجه المستقبل لسوريا حرة وديمقراطية وتعددية.

صوت مشعل التمو ذاك كان الأكثر وضوحاً بين الحركة السياسية الكردية، في ظل المواقف العائمة والمترددة وغير الحاسمة لمعظم التنظيمات الكردية التقليدية في سوريا. والتي لم يقتنع الكثيرون بمبرراتها المعلنة، مما أثار ومازال يثير بعض التساؤلات.

لهذا فإن جريمة الاغتيال هذه جاءت لإسكات هذا الصوت الذي بات يستقطب جماهيرية متزايدة في الشارع الكردي خصوصاً والوطني عموماً على حساب التنظيمات التقليدية التي أبدت فتوراً واضحاً في الانخراط في المظاهرات. ولا شك، فقد أفقد هذا الفتور الثورة السورية الزخم الذي كنا نتوقعه في منطقة الجزيرة، في الوقت الذي يسقط فيه كل يوم عشرات الشهداء في المناطق السورية الأخرى.

وإذا كنا كسوريين نثمن لتيار المستقبل الكردي والناطق باسمه الشهيد مشعل التمو مواقفهم الوطنية هذه، ونقدر لهم تضحياتهم وفداحة الثمن الذي لابد وأن يدفعه كل وطني شريف ومخلص قال للنظام كفى، فإننا ندرك في الوقت ذاته أن طريق الحرية ليس مفروشاً بالورود، وإنما لابد أن يعبِّده المناضلون من أجل تلك الحرية بدمائهم.

لقد قرن الشهيد مشعل التمو قوله بالفعل، وقدم حياته فداء لمواقفه الوطنية الشجاعة. فامتزج باستشهادة من أجل حرية الوطن الدمُ الكردي بدم الآلاف من أبناء سورية الآخرين من شهداء الحرية. مجسداً بذلك إخوة حقيقية في الوطن الباحث عن حريته عبر قوافل الشهداء والمعتقلين والملاحقين والمهجرين إضافة إلى الملايين الذين يعيشون غرباء منفيين ومقموعين في وطنهم.

قبل أيام وردتنا تحذيرات بأن النظام بدأ يعد ويخطط لاغتيال معارضيه السياسيين وإلقاء التهمة على اختراع مخيلته الأمنية، العصابات الإرهابية. هذه النكتة السخيفة التي تثير من الازدراء أكثر مما تثير من الضحك. وهاقد بدأ تنفيذ هذا المخطط بمحاولة إقصاء الشارع الكردي عن المشاركة الفعالة في المظاهرات عبر اغتيال أبرز المعارضين للنظام. ولا نستغرب أن تطال يدُ الإجرام معارضين آخرين في الأيام القادمة. لقد عودنا النظام أن لاأمان له ولا حرمة لديه. وأعماله الإجرامية في الشارع تشهد بأن هذا النظام مستعد لعمل أي شيء يخطر أو لا يخطر بالبال من أجل أن يطيل عمره يوماً واحداً. لذا فإن الشهيد مشعل التمو ليس أول، ضحاياه ولا نظن بأنه سيكون الأخير. لكننا سنعمل بكل جهد على ألا تطول قائمة الشهداء بوضع نهاية قريبة لهذا النظام المجرم.

مشعل الكرد وصورة الجزيرة

صبحي حديدي

تكن مفاجأة، في يقيني الشخصي، أن تلجأ أجهزة النظام السوري إلى اغتيال الصديق المهندس مشعل التمو، المناضل والناشط الكردي البارز، مؤسس ‘تيار المستقبل’ الكردي والناطق باسمه، وعضو الأمـــانة العامة للمجلس الوطني السوري. كان من المنطقي أن تــــدرج تلك الأجهزة اسم التمو على لوائح التصفية الجسدية لعدد من قادة المعارضــــة الناشطين على الأرض، بالنظر إلى أنّ خيار الاغتيــــال المباشر لا يكتفي بإبعاد الناشط عن ساحة العمل الميداني المباشر؛ بل يسعى أيضاً إلى استفزاز مواطنيه ومناصريه وأحبّــــته وأهله، وشحـــن ما يمتزج في نفوسهم من مشاعر الحزن والغضب إلى مستويات عارمة، قد تتيح استدراجهم إلى ردود قصوى، بينها العنف المضادّ.

ليست مصادفة، كما يشير المنطق البسيط، أن يكون أوّل عضو/ شهيد، في الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري، حاملاً للمواصفات التالية: كردي، مثقف، معارض مخضرم جرّب التظاهر والاعتصام والاعتقال والحياة السرّية، مدافع عريق عن حقوق الشعب الكردي القومية والديمقراطية في إطار نظام ديمقراطي تعددي، وناقد يقظ لشتى أنماط القصور في العمل السياسي الكردي… ولم يكن مدهشاً، أيضاً، أن تُنفّذ جريمة اغتياله على هذا النحو الصارخ والهمجي، ولكن المتعمَّد تماماً في أدقّ تفاصيله، على مرأى من نجله مارسيل، ورفيقته زهيدة رشكيلو عضو مكتب العلاقات العامة في ‘تيار المستقبل’. أخيراً، لم يكن غريباً أن تفتح الأجهزة الأمنية النار على مشيّعي الجنازة في مدينة القامشلي، حيث وقعت جريمة الاغتيال، وأن تتعمّد الواقعة بدماء المزيد من شهداء الانتفاضة.

بيد أنّ المدينة في ذاتها كانت مستهدفة أيضاً، بالأصالة عن تمثيلاتها ورموزها ومكوّناتها، وبالنيابة عن منطقة فريدة وذات مقام خاصّ، اسمها ‘الجزيرة السورية’. وبالمعنيين السوسيولوجي والاقتصادي، كانت علاقة البشر مع المواسم الزراعية قد جعلت هذه المنطقة تنفرد عن بقية المناطق السورية في أنّ معظم سكانها خليط ثنائي التركيب: إمّا من الوافدين الذين قَدِموا من مناطق الداخل السوري بحثاً عن العمل الزراعي الموسمي ثم استقرّوا، أو من المهاجرين الذين توافدوا من تركيا والعراق وأرمينيا هرباً من الاضطهاد العرقي أو السياسي.

وذات يوم، في شهر أيلول/سبتمبر من العام 1973، أعلنت إذاعة دمشق أنّ حافظ الأسد سوف يزور المحافظات الشرقية، وكان الخبر مفاجئاً لأنّ الأسد دشّن عهده بزيارات استعراضية صاخبة إلى جميع المحافظات السورية، باستثناء الشرقية منها، الرقة ودير الزور والحسكة. ويُقال إنه كان يعتبر هذه المحافظات معادية له شخصياً، مثلما هي مناهضة لنظامه؛ أمّا أبناء المحافظات فلم تكن لديهم أوهام حول مدى ما يتعرّضون له من إهمال، فبدا الإعلان عن زيارة الأسد غريباً وباعثاً على الآمال في آن معاً. إلى حين فقط، لأنّ الوقائع اللاحقة كشفت أنّ إشاعة أنباء الزيارة كانت تستهدف خداع إسرائيل، بعد اتفاق الأسد وأنور السادات والملك حسين على موعد بدء الأعمال الحربية في سياق ما سيُعرف باسم ‘حرب تشرين’. ومضت 27 سنة، ورحل الأسد من دون أن تطأ قدماه شبراً في تلك ‘الأصقاع المعادية’!

المثير في الأمر أنّ هذه المحافظات الشمالية هي ‘أهراء سورية’ على نحو أو آخر، وفيها تتمركز ثروات البلاد ومواردها الأساسية: في الحسكة النفط وزراعة الحبوب التي تعدّ محاصيل استراتيجية، وفي دير الزور النفط، وفي الرقّة الكهرباء وسدّ الفرات. وإذا كان التمييز البيّن يقع على مواطني هذه المحافظات الشمالية بالمقارنة مع سواهم، فإنّ التمييز الذي يعاني منه المواطنون الأكراد أشدّ وأبعد أثراً، وهو بلغ ويبلغ مستوى التجريد من الجنسية والحرمان تالياً من حقوق التعليم وتسجيل الولادات الجديدة والسفر، فضلاً عن التهجير، والتحريم شبه التامّ المفروض على الحقوق الثقافية والسياسية الأساسية.

أمّا ‘عروس الجزيرة’ بامتياز فهي مدينة القامشلي، التي صارت موطناً لأقوام من الأكراد واليزيديين والأرمن والسريان والآشوريين و’المردلية’ و’المحلمية’ والبدو الرحّل والعشائر المستوطنة… الأمر الذي استدعي تعدّدية أخرى على صعيد اللغات والأديان والمذاهب والتراث والأساطير والفنون، فضلاً عن طقوس الأفراح والأتراح. حكومات حزب البعث المتعاقبة، ومنذ استلام السلطة سنة 1963، تكفّلت بالإجهاز على الكثير من أخلاقيات التعدّد الراقية هذه، أو رسّخت نقائضها على نحو منهجي مقصود، اعتمد سياسة اللعب على حساسيات طائفية ومذهبية بين المسلم والمسيحي، أو بين المسلم العربي والمسلم الكردي أو اليزيدي، وإيقاظ ما كان منها خاملاً نائماً، وإحياء ما اندثر وانطوى.

لكنّ صورة القامشلي هي أنموذج عن سورية المستقبل، التي من أجل بنائها ينتفض السوريون كلّ يوم، ويضحّون كلّ ساعة؛ وهي، على نحو ما، أمثولة تجعل تعددية البلد، الثقافية والدينية والإثنية، منابع اغتناء متبادل، وموارد خصب وإخصاب. إنها، في المقابل، صورة لا تنسجم مع أغراض النظام، لا سيما في الطور الراهن من خطوط دفاعه الأخيرة: إثارة النعرات، وزرع الفتن، والاشتغال على التفتيت المنهجي في مختلف أشكاله، المناطقية والطائفية والدينية والأقوامية. وهكذا فإنّ اغتيال مشعل التمو ليس سوى خطوة تالية، سبقتها خطوات لم تكن أقلّ خبثاً، في مسعى النظام إلى تدمير الأمثولة، وإلى إشعال الحريق في ثوب العروس، المطرّز بأزاهير النوروز وقمح الفقراء وحداء السهوب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...