الرئيسية / صفحات مميزة / وطنيون وخونة وطائفيون: ياسين الحاج صالخ

وطنيون وخونة وطائفيون: ياسين الحاج صالخ

 

ياسين الحاج صالح

  في سورية البعثية، كان يجري تبرير كل مطلب أو دعوة عامة بمردودهما المحتمل على “الوطن”، تقدمه وصموده ووحدة مجتمعه وتحرير أراضيه المحتلة… إلخ. كي تكسب أية فكرة شرعية الطرح في المجال العام، كان عليها أن تربط نفسها بالعقيدة الوطنية، ليس بالاقتصاد وتوفير فرص العمل كما هو الحال في أميركا، ولا بالجمهورية وقيمها كما هو الحال في فرنسا، وليس بالإسلام على ما هو الحال في السعودية. النظام يحاكم معارضين باسم الوطن وصموده في وجه المؤامرات الخارجية، والمخابرات تطلب “التعاون” من مواطنين ومعارضين “لخير هذا الوطن”. واتهام الموالين لأي معارضين محتملين بخيانة الوطن من الرياضات السورية الشائعة.

عموم المعارضين أيضا كانوا يسوغون مطالبهم الديمقراطية بأنها تعود منعة وقوة على الوطن، ولا تضعفه كما يبدو أن النظام يتوهم. الواقع أنه وحدهم الواهمون، والنظام يعرف ما يريد: احتكار تعريف الوطنية، واستخدام التخوين سلاحا ضد أي خصوم محتلمين. تشريع الديمقراطية على هذا النحو يعني في الواقع التسليم بهيمنة النظام الفكرية، وأن جرى الاعتراض على شكل سيطرته السياسية. هذا مسلك متهافت.

والكتّاب أيضا قلما يقولون شيئا مخالفا للإجماع الوطني المفترض، ويشعرون بالأمان كلما قالوا كلاما لا يتحدى شيئا من المسلمات المستقرة. وهو ما يحكم على أقوالهم بأن تكون عمومية وقليلة المحصول.

ولا يقف التأثير القامع لهذه الثقافة السياسة المهيمنة على التسليم بتعريف النظام للوطنية بدلالة “الخارج”، العدواني والمتآمر تعريفا، بل يتعداه إلى استبطان تعريف النظام للوطنية بدلالة التكوينات الاجتماعية الجزئية، الطوائف بخاصة. الوطني الجيد “عربي سوري”، لا تأتي على لسانه ولا قلمه بكلمات مثل مسلم ومسيحي، وسني وعلوي ودرزي واسماعيلي… ويعتذر إذا اضطر لذكر هذه الكلمات المعيبة. الطائفية هنا هي ذكر شيء ما عن الطوائف في المجال العام. وهو ما يوفر أفضل شرط ممكن لعمل الطائفيين الصامتين، النظام قبل الجميع. كان منيف الرزاز قد شعر بالحيرة حيال هذا الواقع منذ منتصف ستينات القرن العشرين، حين لاحظ أن من يمارس الطائفية بصمت يكسب، ومن يتكلم على الطائفية يضعف نفسه في سورية. لكن هذا الواقع المقلوب هو نتاج هيمنة تصور  للوطنية، محاب تكوينيا للنخبة الحاكمة، ويضع عموم الناس في وضع من يحتاجون إلى تبرير أنفسهم. وكان لحزب الرزاز، البعث، أكبر إسهام في نشر هذا التصور الاستبدادي، الملائم جوهريا لإخفاء طائفية النخبة السياسية، وذلك عبر المماهاة بين الدولة والوطن، ووضع لواء الوحدة الوطنية بيد حاكمين قلما كانوا مؤتمنين عليه.

وهنا أيضا يسجل عموم الكتاب والمعارضين تسليما بتعريف الوطنية على هذا النحو، الأمر الذي لم يؤد إلى سحب تهمة الطائفية من المجال العام، بل بالعكس إلى شيوعها الشديد، وإلى تثبيت النظام في موقع الطبيب الوطني العام، الذي يحتكر تشخيص الحالة الوطنية للجميع.

يناسب النظام الأسدي تماما أن يكون هو المرجع في تعريف من هو الوطني ومن هو غير الوطني في العلاقة مع العالم. هذا يضعه في موقع غير منازع، أو لا يبقى من موقع للاعتراض عليه غير المزايدة في العداء لـ”لخارج”. يناسبه أيضا تحريم طرح المشكلات الطائفية في المجال العام لأن من شأن ذلك حتما أن يتطرق إلى تكوينه وممارساته، ودورهما في خلق هذه المشكلات أو مفاقمتها. يناسبه أكثر ألا يوجد من يتحداه فكريا أو يفكك هيمنته، وإن جرى الاعتراض على نمط ممارسته للسلطة.

وهو ما يكشف أيضا مصدر تهافت سياسة تيار من المعارضة السورية يجد نفسه في كل لحظة حاسمة أقرب إلى النظام، وشريكا له في ترويج تهم الخيانة والطائفية ضد خصومه. القرب من نظام تتراجع سيطرته هو المآل الوحيد الذي تقوده إليهم هيمنة لم يفكوا شباكها. وفي مثل شروطنا الراهنة يصعب التمييز بين مواقف هؤلاء البعثيين بلا بعث (وبعضهم أسديون بلا أسد)، عن طائفيين متمرسين وأسديين أقحاح، توفر هذه الوطنية المظلمة أفضل مناخ ممكن لعلمهم.

ما حققته الثورة يتجاوز زعزعة سيطرة النظام إلى فك سحر هيمنته. هناك مسحورون مثابرون، يجدون في الوطنية البعثية قناعا لولاء يستحون منه.

في واقع الأمر، أكثر الحصائل سابقة للثورة. الوطنية البعثية، ومنذ الأيام الباكرة لحكم حافظ الأسد، لم تقد إلى استقلال وطني معزز، بل إلى “دولة خارجية”، تغلق البيت على السكان، وتلعب في الحارة مع الأقوياء أو تجعل نفسها ضرورية لهم بطريقة ما، كي تضمن بقاءها في السلطة. اليوم نرى “الدولة الخارجية” مستعدة لرهن الوطن واستقلاله، بالتقسيط وبالجملة، للحفاظ على السلطة.

وليس اكتشافا جديدا أيضا أن الوطنية البعثية لم تؤد إلى توطد الوحدة الوطنية بل بالضبط إلى أزمة ثقة وطنية عامة. غاية ما فعلته أن حجبت التحول الطائفي للحكم منذ وقت باكر من حكم حافظ الأسد، إن لم يكن منذ وقت أبكر، على ما لاحظ الرزاز وغيره.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...