الرئيسية / صفحات سورية / وقف القتل: مهمة عاجلة في سوريا

وقف القتل: مهمة عاجلة في سوريا


فايز سارة

الأمر الجوهري في مبادرة جامعة الدول العربية وجهودها الحالية، يتجسد في السعي من أجل وقف القتل في سوريا والذي يصيب جمهورا جله من المدنيين العزل، وإن كان يصيب أيضا سوريين من العسكريين ومن في حكمهم، ويستحق هدف كهذا الاهتمام والدعم والتأييد، لأنه جهد يبذل لأول مرة من جانب هذه المنظمة العربية الجامعة، وهو يعكس اهتماما نوعيا من جانب الجامعة بمواطنين صاروا أهدافا معلنة لآلة قتل غاشمة وعمياء في أحد بلدان الجامعة، وهي التي اهتمت غالبا بالشؤون الرسمية أكثر مما اهتمت بالشؤون الشعبية بخلاف ما هي عليه مبادرتها الحالية، والتي تفتح الباب باتجاه التحول من جامعة للدول العربية إلى جامعة ذات اختصاص أوسع، يشمل الدول والشعوب العربية معا، ولهذا ربما يكون من الأسلم تسميتها بـ«الجامعة العربية» منذ الآن وصاعدا بدلا من جامعة الدول العربية.

وإذا كانت الأسباب السابقة، تعطي للمبادرة والجهود التي تبذلها الجامعة العربية أهميتها وزخمها، فإن الأهم مما سبق، يكمن في محتوى المبادرة ذاته أي وقف القتل تمهيدا لإزالة الأسباب التي تؤدي إليه في إطار واقع العنف الواسع السائد. ذلك أن القتل الذي يتعرض له السوريون منذ ثمانية أشهر في إطار عملية عنف منظمة، يمثل خطرا كبيرا على كل السوريين وعلى الكيان السوري في واقعه ومستقبله.

إن خطورة القتل في الواقع السوري، لا تكمن في أرقامه، التي تجاوزت في الأرقام الموثقة الخمسة آلاف ضحية، والتقديرات تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير خاصة إن أخذت بعين الاعتبار حالات الاختفاء القسري لآلاف السوريين الذين فشلت جهود أقاربهم في معرفة معلومات عنهم، وكذلك بفعل ظروف استثنائية شديدة العنف، رافقت عمليات اعتقال آلاف الأشخاص، وكلا الأمرين يرجح أن المختفين قسرا والذين اعتقلوا في ظروف استثنائية محاطة بعنف شديد، يمكن أن يكونوا في عداد القتلى.

ومما يجعل القتل في الدائرة الأشد خطرا يبدو في التفاصيل التي تحيط بأعمال القتل، إذن هو في الصورة العامة يمارس بطريقة علنية فجة، حيث توجه الأسلحة النارية مباشرة إلى صدور المتظاهرين، أو يتم فتح النيران الكثيفة عشوائيا على المناطق السكنية وفي الشوارع الآهلة بالناس في حالات اقتحام المدن والقرى، الأمر الذي أدى إلى مقتل أشخاص لمصادفة وجودهم هناك وفي المسافات المجدية للأسلحة، التي لم تقتصر في حالات الاقتحام على الأسلحة الفردية والخفيفة، بل شملت أسلحة مدرعات الجيش والمدفعية، كما أن بين التفاصيل المحيطة بعمليات القتل، ما يصيب المعتقلين من قتل يتم تحت التعذيب، وهناك عشرات الحالات الموثقة لمعتقلين تم قتلهم تحت التعذيب، والأفظع من ذلك، أن كثيرا من هؤلاء جرى التمثيل بجثثهم قبل أن يتم تسليم الجثث إلى ذويهم، وكأن هناك رغبة رسمية في إيصال رسالة خلاصتها أنه يمكن قتل المعتقلين والتمثيل بجثثهم طالما لم يرتدع الناس عن المشاركة في التظاهر وعمليات الاحتجاج.

ولا شك أن البيئة التي تتواصل فيها عمليات القتل تزيد من خطورة تلك العمليات، خاصة أن عمليات القتل تتم وسط بيئة من التحريض المباشر وغير المباشر، والغريب هو انخراط أجهزة إعلامية وسياسية رسمية في عمليات التحريض التي توجه نحو أشخاص ومناطق وجماعات، يتم التعبئة ضدهم في سياق خطاب متواصل منذ بدء الأحداث السورية قبل ثمانية أشهر، في وقت يتواصل فيه الاحتدام السياسي بين موقف السلطة في إصرارها على المضي بالحل الأمني/ العسكري دون الذهاب إلى معالجة سياسية، مقابل إصرار الشارع على متابعة مظاهراته واحتجاجاته مكثفا ومعمقا شعاراته في إسقاط النظام.

إن نتائج عمليات القتل وما صاحبها، ساهمت بصورة أساسية في تعزيز التصلب في مواقف طرفي الصراع. حيث دفعت عمليات القتل الأولى المتظاهرين في درعا وأماكن أخرى إلى توسيع مطالبهم، وعندما تم الرد عليهم باستمرار القتل وتوسيعه، قام المتظاهرون بتصعيد خطابهم وصولا إلى شعار إسقاط النظام الذي لم يكن موجودا في بدايات التظاهر، بل إن شعار المطالبة بالحماية الدولية لم يتم طرحه قبل عمليات الاجتياح الواسعة للمدن والقرى وزيادة حدة القتل فيهما خاصة في مدينة حمص، وذلك قبل أن تؤدي تلك العمليات إلى تزايد دعوات التسلح وعسكرة الثورة وبدء توترات ذات طابع ديني/ طائفي في بعض المدن والمناطق، والتي يقال إنها شهدت أعمال عنف طائفية محدودة، والتي كان الحراك السوري في أشهره الماضية أبعد ما يكون عنها.

إن استمرار القتل في تفاصيله وبيئته ونتائجه، ستكون له تأثيرات داخلية كبيرة بدأت ملامحها في صعود أخطار حرب داخلية، كما سيكون لها تأثيرات ملموسة على المحيط الإقليمي أقلها أن المجموعات التي يستهدفها القتل لها امتدادات متعددة عبر حدود سوريا مع جوارها، وهو ما يمكن أن ينقل الصراع إلى تلك البلدان إذا استمر القتل، دافعا إلى حرب داخلية في سوريا. ولأن الوضع على هذا المستوى من الخطورة، فإن هدف إيقاف القتل، بل إيقاف سياسة القمع الشاملة للقتل والجرح والاعتقال، ينبغي أن يكون هدفا عاجلا لكل الجهود من قبل كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، وهذا هدف مبادرة وجهود جامعة الدول العربية في الوقت الحالي إزاء سوريا.

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...