الرئيسية / صفحات الثقافة / وكان الظلام… وكانت دمشق

وكان الظلام… وكانت دمشق

 


محمد كتيلة

وما أنا إلا عابربيني وبيني التي تآكلت وراء القضبان وبين ما أرغمت عليه أن أكون ما أنا عليه الآن وما أردت يوماً أن أكون…عابر بين سيرتين وعتمة ليل طويل لم أنته منه بعد لأخرج إلى النور أو لأعود إلى ذاتي التي بدأت كفلسطيني منسي خلف الباب الشرقي في عاصمة الشهداء والياسمين، دمشق.

لا يد إلهية شقت طريقها وسط العتمة لتشفق علي أو لترأف بي وبالأوجاع التي صاحبتني طيلة سنين الغربة والوحشة القاتلة…ولا يد آدمية إستطاعت أن تدق أبواب غيابي عني وعن أهلي الجوعى للوطن لتعرف أين أنا، ولا استطاعت أن تستدل على معالم الطريق الموصل إلي… سنة كاملة بفصل واحد لم ينته إلى الان، أخفوني عني وعن دموع أمي التي لم تتوقف لثانية وهي تسأل عني وعلي أو على بقية مني… تأكلني الدهشة دائماً وتعتريني رعشة خفيةكلما أردت تفقد ذاتي لأعرف من أنا وما الذي كنته ومن هو هذا الذي صرته رغماً عني …ينتابني الخوف ويحاصرني عندما أكتشف أنني لا زلت أعيش في جسدي رغم أنني لست متأكداً تماماً إذا كان هذا الجسد لي أو لغيري أم أنه يخص إنساناً ما تعرفت عليه في يوم ما ولربما لا يكون لأحد، ليس بسبب العيوب وإنما بسبب الذاكرة الأليمة المتغلغلة في كل خلية فيه ولا مجال للهرب منه أو لمغادرته للعيش في جسد آخر ليس مني .. كما أن كل عمليات الترميم لن تفيد الخلايا التي عُطبت وسُحقت بأحذية الجلادين الأوفياء لخيانة كل من له صلة بالعروبة والمجد الصادق…ولم تعد بقادرة أن تتخلى عن حمولتها المضاعفة من جراء الزمن المعدني الثقيل، وأصبح من الصعب عليها أن تتعرف على ذاتها الأصلية… وكأن هذا الجسد ليس لي ولا أقمت فيه في يوم من الأيام الخوالي كلاجئ مشرد ومبعد، ولا كأني ولدت بهإلى جانب أكياس الطحين في غرفة طينية في “حارة اليهود”ولا يحق لي أن أشتاق إليه أو أحنو عليه.

عميقاً عميقاً عند حافة الظلال أو قريباً مما يشبه واحة معلقة بين السماء والطارق حيث تقيم الذاكرة بلا أضواء، أجد نفسي ذلك الغريب … ذاكرة تسحبني من ثواني عمري القليلة إلى ضفافها عنوة،وإذا ما حاولت الإفلات منها ومن إسرها لأخط بعض الخطوات لأتمكن من السير خطوة إلى اي أمام، تكون هي بمثابة قيد لا يرى لكن من الصعب الإفلات منها أو الهرب !!

ذاكرة علي وليست مني، لم يكن لي أي قرار فيها ولا أي أدنى فكرة… دخلت وعسكرت، دقت اسافينها السوداء في نهار عقلي، خلعته ومضت به إلى اللازمن اللاشئ اللامكان.. ولا سبيل لإستبدالها لأنها لم تولد من العدم أو من الوهم والسراب، بل من زمن لا يعرفه البشر العاديين… زمن غادر يتربص وبالمرصاد لمن يريدون قول الحقيقة أو معرفتها أو النطق بها ولمن يتكهنون شكلها في فنجان من يباس القهوة أو في المرآة.

ذاكرة لا يمكن محوها إلا بوجود زمن يحل مع ريح صرصر، تجرفها إلى ما وراء المفاهيم الإنسانية البسيطة، وقد لا تمحى هذه الذاكرة أبداً إلا بوجود هذا الزمن النقيض المرفوع على السواعد الحرة، وغير ذلك لا سبيل إلا الأوهام.. وأقصى ما تنشده هذه الذاكرة الغارقة في الظلام هو عدم الركوع والخشوع لواقع الإستبداد.

وكان الظلام… وكانت دمشق في ذلك الوقت تخبئ بياضها في أقبية العتمة تحسباً لما سيأتي بعيداً عن نواطير الليل والنهار، بعيداً عن عيون الرب الذي كان يتعطش للدماء.. لم يكن يفاجأها في ليلها، غدر بها في وضح النهار ففتحت له أبوابها السبعة في عز الظهيرة .

وما كان على دمشق إلا أن تعبئ كؤوس مائدته الفارغة بدمها الطري البرئ… هو يملأ وهي من رعبها تزيد، هو يشرب وهم ينتظرون النهاية، ولا كفاية… وحين شعر بالجوع إستباح لحم البشر وليس في دمشق فقط.

حينها وقبلها كانت دمشق أنثى عارية قدت من رخام وقت سكنها وأقام فيها منذ آلاف السنين… أبية على الإنصياع، غارقة في كبريائها، خضراء في كل الفصول، واضحة سارحة، متأبية على القهر والجوع والخوف، مكشوفة لأي ضوء يأتيها… وحين عم الظلام فضلت الصمت وانكمشت في عيون أهلها حتى صارت إسماً للإشتهاء والتذكر… تحولت بإرادة ذلك الرب إلى صرخة لا زالت متطاولة، تدوِّم فوق قباب الجوامع وأجراس الكنائس وفي أعالي السماء التي سورت ومن كل الإتجاهات بدخانه الأسود.

وحين أرادت دمشق أن تختلس النظر من خلف الأبواب المغلقة لتعرف من هو خليفة الله على الأرض أصيبت بالعمى لأنها أدركت وتأكدت أن الله وجد له منافساً على الأرض وفي السماء !!

كان يعرف هذا الإله القادم من وراء بوابات دمشق، أن عرشه لن يستوي على اليابسةإلا إذا أحكم قبضته على الشعب الحي، الذي يترزق على الكرامة والكبرياء، فكل الجنرالات الذين حاولوا من قبله فشلوا، لأنهم كانوا شظايا مرايا متشابهة في الحجم والصغر وأقل دهاء منه… لم يعرفوا يوماً أن المنافس الوحيد لإمتلاك السلطة هو الشعب وليس من هو على شاكلته ومن يحمل ذات الشبه الكريه… عرفت دمشق هذا السر فحاولت أن تخبئ نفسها وما إفتضح منها شيدت له السجون والمعتقلات وبسرعة مذهلة، وابتدأت دمشق تتعرف على ذاتها الأخرى وقبلت كل شئ مكرهة، لكنها لم تسقط هويتها حتى الآن، فهي في عيون محبيها بل عاشقيها حلم كبير لا يصغر ولا ينتهي.

كاتب فلسطيني يقيم في كندا

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

9 + 1 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...