الرئيسية / صفحات الثقافة / ومن يترك حلبَ.. لا ينسى الطريق إلى حلب..

ومن يترك حلبَ.. لا ينسى الطريق إلى حلب..


عمر كوش

يمكن القول أن حلب شهدت مولد التاريخ، فلا نكاد نعثر على حضارة قديمة إلا وفي حلب دليلاً يدل عليها، أو غصناً أخضراً يطل علينا من خلف القرون. فهنا قام صرح شامخ، وهنا جامع متفرد في طريقة بنائه ودراسة واجهاته، أو كنيسة رائعة المعمار. وهناك مدرسة و”بيمارستان” وحمام وخان إلخ.

وعلى طول المدينة القديمة، التي تقصف اليوم بهمجية، من أقصاها إلى أقصاها يمتد السوق القديم المغطى.

هو أشبه بشرايين تربط أجزاء مركز المدينة، قريبها وبعيدها بوشائج تؤكد القربى، وتصل عضو الجسم بالجسم، حتى لتحس بحلب جسداً ينبع بالحياة.

جسداً يضرب جذوره في أعماق الأزل، ويطلق فروعه نحو الشمس، يعانق الفضاء بعطاء هو الضوء والألق، ووجود هذه الديمومة التي يمتد في دمها نسغ الوجود إلى أدق أعصابها، حتى لتحس أنك أمام تجسد مجسّم الوجود البشري بالوجود المعماري. فهي لا تزال عامرة مزدهرة منذ زمن بعيد، بعيد. وهي من المدن القليلة في العالم التي تتجمع فيها كل مدارس تاريخ العمارة بتواصل زمني فريد.

وقلما وجدت حضارة في العالم القديم لحوض البحر الأبيض المتوسط والشرق عموماً، إلا وفي حلب بعض آثار لها تدل عليها وتذكر بها، فهي متحف كبير حيّ للحضارات والعمارات والفنون، منذ أن بدأ الفن يتسلق جدران الكهوف إلى أن ارتقى إلى معارج الحضارة العربية الإسلامية.

وحين تصل إلى سور المدينة القديم، تتذكر اللحظات التي كانت تغلق فيها المدينة ليلاً بوجه الغزاة، بواسطة أبواب السور المحيط بالمدينة القديمة. وهو سور روماني، جدده الأمويون ثم أصلحه العباسيون، ولما تخرّب في حروب الدولة الحمدانية على يد البيزنطيين قام بإصلاحه سيف الدولة.

وفي عهد نور الدين زنكي في القرن 12م، بُني سور إضافي أمام السور الأول، ثم بنى الأيوبيون عشرين بُرجاً على هذه الأسوار. وقد تهدّم عدد منها في الهجوم المغولي على المدينة، ثم رُممت في عهد المماليك. ويتخلل السور عدة أبواب، أهمها: باب النصر ــ باب أنطاكية ــ باب الفَرَج ــ باب الجِنان ــ باب قُنْسرين ـــ باب المقام ــ باب الحديد.

ومن السور تدخل المدينة، حيث تتالى الأحياء والأزقة الضيفة: الجديدة، قسطل حرامي، بنقوسا، الجلوم، وعبر الدروب الداخلية، تصل إلى أسواق المدينة، حيث لا زالت حلب تُعرف بأسواقها المتنوعة التي سميت بأسماء الحرف والصناعات التي كانت قائمة في المدينة، وهي أسواق مسقوفة وذات طابع مميز يبلغ طولها مجتمعة نحو 12كم. واهتم ببنائها في بادئ الأمر سيف الدولة، ثم الظاهر غازي بن صلاح الدين وغيره من الأيوبيين. وأهم أسواق حلب القديمة: سوق المناديل. السُّوَيقة. سوق اسطنبول. سوق الحرير. سوق الزَّرْب. سوق الحبال.

وكانت الخانات في حلب تلعب دور فنادق اليوم. حيث يضم بناء الخانات قاعات بطابقين أو أكثر، وكانت قاعات الطابق الأرضي للمخازن والدوابّ التي يأتي بها المسافرون، في حين تخصص قاعات الطبقة العليا للسكن. ومن أهم خانات حلب: خان الصابون الواقع في سوق المناديل، وشُيّد في القرن 16م، ويمتاز بواجهة مزخرفة رائعة. وخان الوزير الذي يقع قرب المسجد الأموي الكبير، وشيد في القرن 17م ، وهو من أجمل الخانات. وخان الجمرك الذي بني في العهد العثماني، وفيه مسجد و 52 مخزناً و 77 غرفة في الطابق الأول. وخان الشونة وبني في العهد العثماني، ثم أصبح الآن سوقاً للمهن اليدوية. وخان خاير بك وبني في آخر عهد المماليك 16م، ويتميز ببابه الجميل والمصنوع من الحديد. وأوج خان (الخانات الثلاثة ) وبني في آخر عهد المماليك 16م، ويمتاز بواجهته الرائعة الجمال. ولن يفوتنا بهاء الكنائس والجوامع والمدارس الدينية، وهي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة.

أما بيوتات حلب القديمة، فهي تحفة معمارية، حيث تتألف البيوت الحلبية القديمة من قسمين أو ثلاثة: قسم الاستقبال، وقسم للحريم، وقسم للخدم. تمتاز بسقوف خشبية مرتفعة محلاة بزخارف هندسية ونباتية ملونة، وجدرانها مزودة بخزانات خشبية ومغطاة بزخارف خشبية عليها كتابات شعر ونثر وأقوال مأثورة. وبعض الجدران مكسوة بزخارف رخامية متعددة الألوان. والقاعات الواسعة ( الليوانات ) هي أجمل ما في هذه البيوت، حيث ترتفع نحو نصف متر عن أرض البيت.

وقد ظهر هذا الفن العمراني التزييني في حقب سحيقة من الزمن، ولا سيما في بيوت السكن الواقعة حالياً في حي “الفرافرة” و”الصليبة” وسواهما. ونجد فيها إحياء للتقاليد الفنية السورية التي تعود إلى القرون الرابع والخامس والسادس الميلادية، ويظهر ذلك بشكل باحات فسيحة جيدة البلاط مع حديقة صغيرة وبركة تتوسطها نافورات حجرية وإيوان جميل متجه نحو الشمال ومحمي من أشعة الشمس والصالون الكبير المتصالب الذي تعلوه قبة.

كل ذلك يشهد، مع أشياء أخرى أهمها الثورة السورية، على ان حلب أقوى من كل الأنظمة .. ستبقى صامدة، وسيندثر الطغاة والقتلة، وحى مزابل التاريخ ستترفع عن تكويمهم في ثناياها النتنة..

استكمالاً لما كتبته سابقاً عن حلب التي نشأت فيها وتعلمت وتثقفت وعشت..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...