ونحن نحب الحياة: ايمان جانسيز

 ايمان جانسيز

 


ليست الغربة وحدها، ولاجرح سورية الذي كان يوغل في جسدها فحسب .. ماجعل تلك الليلة شديدة الوطأة..بل إنه حدس الأنثى.. الذي يتقن عمله كجرس إنذار..لاحبوب المسكنات التي اعتادتها منذ بدء مسلسل الموت في سورية ولا التنقل بين المحطات الإخبارية التي أصبحت عداداً لأرقام الحيوات التي تنطفئ في بيوتها المتهدمة يستطيعان أن يخرسا قرع الأجراس في رأسها.. كانت تتقلب في فراشها كسمكة مسكينة خرجت لتوها من الماء.. وكان التشاؤم يتلبس أشكالاً عديدة… فتهز رأسها لتطرد تلك الأفكار..
-لابد أنني سأموت لو أصاب عائلتي مكروه ما.. هكذا كانت تردد في نفسها.. يترافق ذلك مع وخزة ضمير.. فتتابع محدثة نفسها:
-نعم.. كل السوريين أهلي.. ولكن….
تكات الساعة تقطع الوقت الذي يزحف ببطء.ليس لتلك الليلة المقيتة أن تنتهي…وفي غمرة صمت تكاد تسمع فيه دبيب النملة.. زعق الهاتف فأجفل كل النائمين.. وقفزت هي من سريرها كالمجنونة
-مين؟؟؟ مين مات؟؟؟
سألت دون مقدمات ودون أن تعرف من المتصل…
– أخوكي نسيم ياإمي.. كسر ضهري!!!
سقطت السماعة من يدها وسقطت هي في بئر عميقة مظلمة… لم تستيقظ منها إلا بعد ساعات طويلة لتجد نفسها في مجلس العزاء… أكل ذلك حقيقي؟! سألت نفسها وهي تستقبل التعازي.. أهي المعنية فعلاً بالأمر؟!
السواد يخطف كل الألوان.. ووجوه النساء الباكيات يبدو عليها الوجوم والأسى.. خلف كل وجه قصة أليمة تعرفها جيداً…. كيف استطعن الاستمرار في الحياة!!!
فناجين القهوة المرة ..السبحات التي تكر بين يدي النساء.. الشفاه التي تتمتم بذكر الله…صوت القرآن المنبعث من المسجل.. لاشك أن كل ذلك حقيقي …
إحدى النساء كانت تحمل في يدها طفلاً.. أصر على التملص والإفلات من حضنها.. وبدأ التجول في الصالة… بدت ملابسه الملونة والمزركشة برسوم جميلة.. كبارقة أمل…بدأ يسلي نفسه بالغناء… لم يردعه أحد… كان صوته عذباً وحروفه التي بالكاد ينطقها بشكلها الصحيح تنثر في المكان حفنة من الفراشات.. لكنه أراد المزيد من التفاعل.. فبدأ يقترب من كل امرأة على حدا…يميل برأسه تارة ويضحك بملء وجهه تارة أخرى ..محاولاً انتزاع ابتسامةمن المرأة…وكأنه ألقى على عاتقه تلك المهمة..وأنى لامرأة أن تصمد أمام إغواء الطفولة!!!
في نظرة خاطفة.. لاحظت أن كل النساء يبتسمن له في لحظة واحدة.. وأن وجوههن قد تفتحت كما الوردة….تبسمت له هي أيضاً وهي تردد جملتها المفضلة: وإنا نحب الحياة إذا مااستطعنا إليها سبيلاً..

563612_140534359431758_962549600_n

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...