الرئيسية / صفحات سورية / و يسألونك عن الجوامع

و يسألونك عن الجوامع


دلع الرحبي

كنت أبحث عن “الصادق النيهوم” لأجد الإجابة على السؤال –اللغز الذي تردد على أفواه الكثيرين من ال مشككين و المنتقدين و المتخوفين من الجوامع،و قد باتت نقطة انطلاق للتظاهرات السلمية التي تعم سورية منذ بدء الثورة في منتصف اذار الماضي حتّى اللحظة.

لماذا الجوامع؟

يبدو السؤال مبرراً لأن الجامع بادئ ذي بدء يعني أنه يخص فئة من الناس دون غيرها

-و هم المسلمون بالطبع- و هذا يعني بدوره إقصاء فئات أخرى تشكل النسيج المجتمعي السوري المتنوع بطوائفه و إثنياته و مذاهبه التي تصوغ خصوصيته المتفردة.

ليس هذا فحسب،بل يعني أيضاً:إقصاء فئة من المسلمين أنفسهم ممن يرون في الجوامع دلالة إيديولوجية و فكرية و معرفية معينة،قد لا توافق أهواءهم و رؤاهم و وجهات نظرهم.

فضلاَ بالطبع عن فئة النساء اللائي لا تعترف لهن الجوامع أصلاً إلا بحق الوقوف في الصفوف الخلفية،أو الاحتجاب في العلّيات الضّيقة –و أنا ممن لا يستسغن المراوحة في الصفوف الخلفية،و أعاني فوبيا الأماكن الضيقة (الحقيقة فأنه و عبر تاريخ طويل من التشويه و التعتيم،تم إقصاء النساء إلى ما هو أبعد من الصفوف الخلفية،بات الجامع رمزاً لنفيهن بصفتهن عورة،مما جعل بالتالي بداهة حجب النساء هي الخلفية التي اشتغلت فيها العمارة العربية و الهندسة الإسلامية طوال قرون.

لذلك بحثت عن النيهوم،عن كتاباته النقدية الثاقبة،التي تمثل شوطاً جديداً و ألمعياً في تيار العقلانية العربية النقدية المعاصرة،فهي كتابات تعتند منهجية متعددة الطرائق التفسيرية كاللغة (لا سيما الأرامية و العبرية) و التاريخ و التوليد المعرفي،استناداً إلى العلوم العصرية،و منهج المقارنة بالديانات التي سبقت الإسلام كاليهودية و المسيحية،و قد مكنته هذه الطريقة في النظر و البحث و المقابلة،إلى مواقف راديكالية،وضعته في هذا الميدان إلى جانب اخرين ممن طردتهم الثقافة الإسلامية (الغارقة في فتاوى الفقهاء) من فضاءها ثم أقصتهم من ديارها،في خضم هذيان ديني يلف العالم الإسلامي برمته.

و في بحثي هذا كنت في الحقيقة أبحث عن نفسي،و عن إعادة صياغة علاقة ممشكلة و مفقودة مع الجامع:الفضاء الذي يجذب و لا ينفر،يلم و لا يشتت،يجمع و لا يقصي،يحضن و لا ينفي.

و قد غدت تظاهرات الجمعة (أصبحت الان كل يوم) تنطلق من المكان نفسه،الذي ينفيني باسم الصورة،و ينتقص من إنسانيتي باسم الإسلام،و يخرسني باسم الدين.

و عند النيهوم وجدت أمرين:وجدت الإجابة،و وجدت أيضاً حكاية حكاها سأوردها كتعقيب أخير.

أما الإجابة:فقد أعلن النيهوم أن الجامع ليس هو المسجد،لأن الإسلام يعتبر الكرة الأرضية بأسرها مسجداً مفتوحاً للخلوة مع الله،و بهذا المعنى دعا إلى تغيير وظيفة الجامع من مكان للصلاة إلى مكان للحوار و لممارسة الديموقراطية.

“لقد استكمل الرسول (ص) النقص الأساسي في مفهوم بيت الله الذي اكتسب وظيفة سياسية لأول مرّة –و أخر مرّة- في التاريخ،فلم يعد بيتاً مقدساً للصلاة وحدها،بل صار أيضاً بيتاً مقدساً للحوار السياسي،و نقد الإدارة،و صياغة القوانين و المحاسبة و المراجعة دورياً،كل أسبوع و من دون انقطاع”.

و يشرح النيهوم كيف أنه و قبل وفاة الرسول (ص) كان هذا الجامع مؤتمراً مفتوحاً رسمياً أمام كل مواطن و مواطنة،ينعقد كل يوم جمعة في بيت لا تسري عليه قوانين الدولة،و لا يتعرف المجتمعون فيه بسلطتها،و لا يخشون غضبها،و لا يهمهم رضاها،و لا يترددون في محاسبتها علناً و في جميع الأوقات.و تحت راية هذه الإدارة المحررة،ولد المواطن القادر على النقد و الحساب،المواطن الذي قال “لأبي بكر”:”والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا”،و المواطنة التي صاحت في الجامع:”ليس لك هذا يا عمر”،و المواطن الذي حاسب “عمر” على مترٍ من قماش صدقة،و جلد “ابن العاص” بالسوط،و ثار في وجه “عثمان”،و قاتل الأفيال بيديه دفاعاً عن صوته في الجامع.لكن ثقافتنا الإسلامية –يضيف- أباحت لنفسها أن تبطل نصف سنة رسول الله باسم الحفاظ على نصفها الأخر.فقد انهار نظام الجامع قبل مرور ربع قرن على وفاة الرسول (ص)،و نجح الأمويون في إلغاء وظيفته الأساسية،بمنع الحوار السياسي من أساسه،لكنهم لم يعرفوا كيف يمنعون الاجتماع نفسه،مما اضطرهم إلى البحث عن خطة تضمن لهم أن يتم الاجتماع في صمت مطبق،و هي معضلة حلها الأمويون في إرسال خطيب إلى كل جامع في كل يوم جمعة،مهمته الأولى و الأخيرة هي أن يتكلم في الاجتماع لكي لا يتكلم المجتمعون!

و أمام هذا الخطيب،خسر يوم الجمعة نصف معناه،و تحول الجامع إلى صومعة للصلاة و سماع المواعظ،و غاب الحوار السياسي وراء خطبة المواعظ،و انتقلت زاوية الرؤية من موقع الناس إلى موقع الخطيب ،حتّى أصبح حضور الناس أنفسهم مجرد نوع من الغياب،و أصبح يوم الجمعة من دون لسان،و في هذه النسخة الساكتة ولد يوم الجمعة العجيب الذي يجتمع فيه المسلمون دورياً لكي لا يقولوا شيئاً،و هو مشهد لا يبدو مقلوباً فحسب بل يبدو في الواقع شبه مسحور.

و عليه فإنه يؤكد:بأن الدعوة التي ترتفع في أرجاء الوطن العربي مطالبة بإحياء الإسلام،هي دعوة لا تطالب بإحياء صوت المواطن المسلم في مؤتمر يوم الجمعة،بل تهدف إلى تكريس إلغاء الحوار باسم الإسلام نفسه،إنها ليست صوت الناس المجتمعين،بل صوت الواعظ الذي يتكلم نيابة عنهم،إنه ليس إحياءً للإسلام بل إحياء لشخصية الواعظ بفصاحته و ولعه بالتاريخ.

وقد تركزت الدعوة حتى الان في حجاب المرأة و تحريم الاختلاط،و محاربة المواطن في جسمه و عقله،و حرمانه باسم الشرع من أن يكون مسؤولاً عن شيء بما في ذلك طول لحيته،في حين أن إحياء الإسلام لا بد و أن يعني إحياء الحوار السياسي في الجامع،و تحرير المنبر من شخصية الواعظ،و إفساح المكان للمواطن الحاضر لكي يتحدث عن عالمه الحاضر،و يناقش مشاكله الحاضرة في مؤتمر أسبوعي ترتاده كل طوائف المجتمع العرقية و الدينية،مهمته أن يجمع الناس للإشراف على إصدار القوانين،و مراقبة الإدارة،لكي يحقق مبدأ مسؤولية الناس عما كسبت أيديهم،و هو شرط يستحيل الوفاء به من دون إقرار حرية الرأي و ضمان حق النقد و الحوار لكل مواطن و مواطنة.

رغم كل الانتقادات التي واجهها،فإن أفكار النيهوم أثارت تحديات جمة لفهم تراثنا الثقافي،بقدر ما شكلت تحريضاً على قلب كل طاولات التفسيرات التقليدية التي كبلت الثقافة العربية لقرون.

و بناء على ما سبق نستطيع ربما تفسير خروج مسيحيين و مسلمين علمانيين من الجوامع للمشاركة في التظاهرات السلمية،إذ يبدو الأمر و كأنه شبه ترجمة لنظام الجامع الذي تحدث عنه النيهوم.

إن المتظاهرين ليسوا –كما قيل- ينتعلون المساجد و إن الله خالقهم و مصورهم و ديانهم أعلم فيما إذا كانت جباههم تعرف السجود أم لا،كل ما في الأمر أنهم مواطنون انحلت عقدة لسانهم و استعادوا صوتهم.

و لكن النساء؟ (أطرح السؤال و قلبي على مدونة الأسرة في تونس،و عيني على المألات التي ستؤول إليها المرأة هناك) ذلك لأن كل حدث،و كل فعل يتعلق بالنساء،و كل رد فعل يبديه الاخرون،لا بد و أن تفك رموزه،و أن يقرأ على مستويين متمايزين:ما الذي يعبر عنه هذا الحدث في معناه الجلّي،و ما الذي لا يقوله أو يحاول إسقاطه من عالم التعبير؟

من هنا لا بد من إيلاء أهمية قصوى للقوى التي تعمل بصمت،و للرغبات المكبوتة،والأحلام المقموعة،و المطاليب التي لا تنطق بها الأفواه،لكي لا “نتطبش الشربة” كالعادة على رؤوس النساء اللواتي لطالما كن ضحية التحالف المقدس بين الاستبدادين الديني و السياسي –منذ عام 1973 لم يطرأ أي تعديل على أيٍ من مواد قانون الأحوال الشخصية السوري-و عندما جاءت “الحزينة لتفرح” جاءتنا مسودة التعديل سيئة الذكر،”و يا حسرة لا أكاد أحملها” على الميزانيات و الموازيات التي رصدت طيلة عقود للاتحاد العام النسائي،فضلاً عن الهيئة السورية لشؤون الأسرة،و للمؤتمرات و الورشات و الندوات الخلبية التي انعقدت حول المرأة “فأخرها مزعج و أولها”.

إن الجوامع التي تنطلق منها التظاهرات كانت ذات يوم:حيزاً تنعدم فيه المسافة بين الحياة العامة و الخاصة،بل كانت هندسة معمارية ينفتح فيها المنزل بسهولة و على مستوى واحد مع الجامع،مما سيلعب دوراً حاسماً في حياة النساء وعلاقتهن بالسياسة زمن الرسول (ص).إن الجامع المفتوح على غرفة للسكن –خمس أنشئت من الجريد،و الأربعة الأخرى من الحجر-كان يضفي بعداً ديموقراطياً على الجماعة الإسلامية،ذلك لإمحاء المسافة بين الرئيس و شعبه.لا بد من تذكر ذلك “إنما قد تنفع الذكرى”.

ثانياً-أما الحكاية،فإنني و خلال بحثي في كتب النيهوم عثرت على صفحةٍ من جريدة السفير (تاريخ 2/أيلول/2010-العدد 11682) ورد في أسفلها زاوية بقلم النيهوم كتب فيها:

(في ملفات المحاكم الفرنسية حكاية مواطن عادي ارتكب ذات مرّةٍ جريمة قتل.زار عشيق امرأته في بيته و كسر رأسه بخمس رصاصات،ثم ترك مسدسه بجانب القتيل،ترك أيضاً قبعته و بطاقته الشخصية.ذهب بعد ذلك إلى البيت و أخبر امرأته انه قتل عشيقها،و طلب منها أن تبلغ عنه الشرطة.بعد نصف ساعة كان المواطن يدلي بأقواله لوكيل النيابة،لم يعترف له بجريمة القتل،لم يهتم بالأدلة القاطعة ضده،بل جلس في مقعده هادئاً،و لفت نظر وكيل النيابة إلى أن المرء لا يقتل أحداً ثم يترك مسدسه و قبعته و بطاقته الشخصية في مكان الحادث،و أن القاتل لا يدبر جريمته في الخفاء ثم يترك عنوانه للشرطة،و أي مواطن في العالم يستطيع أن يكون القاتل ما عداه هو شخصياً.بعد ذلك استراح في مقعده و لفت نظر وكيل النيابة إلى أن امرأته لم تكن على وفاق تام معه أو مع عشيقها،و أنه من المعقول أن يتّصور المرء أن تلك السيدة ارتكبت جريمة القتل و تركت أشياء زوجها في مكان الحادث.بعد ثلاثةِ شهور أثبتت المحكمة جريمة القتل على الزوجة البريئة،لم يصّدق أحداً أن القاتل الحقيقي يخلف وراءه جميع هذه الأدلة القاطعة،كان من الواضح بالنسبة للقضاة أن الأمر كله دسيسة مفضوحة ضد الزوج الطيب القلب،و كان من الواضح بالذات أن الدسيسة مفضوحة جداً)!!

لماذا أحكي لكم حكاية النيهوم؟

لأني أريد أن أسأل عمن يكون في سورية الزوج؟و من هي الزوجة؟و من يكون العشيق؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...