الرئيسية / صفحات الحوار / ياسر عبد اللطيف: الثورات كشفت قصور النخب العربية

ياسر عبد اللطيف: الثورات كشفت قصور النخب العربية

 

 

إيهاب محمود

ثمانية أعوام مرت على استقرار ياسر عبد اللطيف في كندا، لكنه لم يبتعد عن متابعة الحركة الثقافية المصرية والعربية أيضًا والفضل في ذلك يعود للسوشيال ميديا: “أصبحت أرى كل الأحداث لحظة وقوعها” يقول عبد اللطيف الذي صدرت آخر كتبه منذ ثلاث سنوات، وخلال هذه السنوات أنجز صاحب “جولة ليلية” مشروعات ترجمة، منها تصديه لترجمة رسائل فان جوخ التي تصدر خلال أسابيع عن دار نشر الكتب خان بالقاهرة، ونشر مقالات مختلفة في الأدب، والموسيقى التي يحبها. لياسر أيضًا مجموعة قصصية جديدة اسمها “موسم الأوقات العالية” يتوقع أن تنشر قريبًا، لذلك لا يعتبر ياسر عبد اللطيف نفسه كاتبًا مُقلاًّ.

*ترفض أن يصفك أحدهم أو يصنفك ككاتب مقل؟

لا أعرف أنا مقلٌّ مقارنةً بمن؟ لكن نظرًا لأن كتابي الأخير صدر من ثلاث سنوات، وهي مدة قد تعتبر طويلة نسبيا في سباقات المراكمة وإيقاع معارض الكتب الذي يلتزم به بعض الكتاب، فأحب أن أقول لك إنه خلال هذه السنوات الثلاث ترجمت كتابًا ضخما يفوق الألف وخمسمائة صفحة بمعاونة الصديق محمد مجدي ثم حررته بالكامل، وترجمت جزءا كبيرًا من كتاب آخر من الكلاسيكيات الفرنسية قاربت على الانتهاء منه، وبالنسبة لكتابتي أنا فقد أنهيت مجموعة قصصية جديدة، إضافة لعدد من المشاريع الكتابية الأخرى المفتوحة وعدد من المقالات في الأدب والموسيقى نشرتها هنا وهناك. لا أعتبر نفسي بعد كل هذا مقلاًّ.

*وما معنى أن تكون الكتابة مهنة؟

هو أمر إشكالي، فمن ناحية الكتابة كنشاط لا بد أن يُتخذ بكامل الجدية والتكريس الذاتي، وإلا كان مجرد هواية ونشاط محمود لقتل الوقت؛ ومن ناحية أخرى العالم بمؤسساته لا يعترف بمهنة كهذه اعترافًا كاملا ما لم تمرّ عبر شروطه التجارية والمجحفة للصنعة نفسها وقيمتها في المقام الأول. كما أن الكثيرين من حولك سيعتبرونك عاطلًا وإن لم يصرحوا بذلك، ناهيك طبعًا عن المشاكل المادية والإفلاس الدائم. فيجد الكُتّاب عبر العالم أنفسهم مضطرين لامتهان أعمال أخرى بجانب الكتابة لكسب العيش: الصحافة… التدريس… الترجمة وأحيانا مهن أخرى. أنا جربت التفرغ التام للأدب طيلة السنوات الثماني الماضية  أي منذ مجيئي إلى كندا. لكن حتى الترجمة الأدبية (كجزء من النشاط الأدبي) لا تكفي. فمكافآتها تتأخر كثيرًا في الوصول. كما أنني أعمل غالبًا لصالح مؤسسات في العالم العربي ومصر، فيبخس فارق العملة بتلك النقود كثيرا. وهكذا أجد نفسي مضطرًا للقيام بأعمال ترجمة غير ذات طابع إبداعي فقط لكسب العيش.

*كتبت الشعر والسرد.. هل يمكن أن نقول إن أحدهما أصعب من الآخر؟ وما الذي يملكه الشاعر ليمكنه من كتابة الرواية في حين لا يملك الروائي هذه الخاصية في أن يتحول عن كتابة الرواية إلى الشعر؟

الكتابة عموما ليست سهلة، لكن الشعر أكثر ندرة بالتأكيد من السرد أو القص أو أي من أشكال النثر الأخرى. والحقيقة أنا لا أجد القسمة بهذه الحدة بين سرد وشعر ما دمنا في إطار قصيدة النثر، فالقصة القصيرة وثيقة الصلة بها، وهي جسر القصيدة نحو الرواية. غير هذا، فكثير من الروائيين الكبار كتبوا شعرا بمعناه التقليدي حتى. جويس مثلا، وهرمن هسه حائز نوبل الرواية عام 1946 كان يعتبر نفسه شاعرًا في العمق. حتى نجيب محفوظ في أعماله المتأخرة تجد مقاطع نثرية أشبه بالشعر. في هذيانات أنيس زكي في ثرثرة فوق النيل، وأصداء السيرة الذاتية. ناهيك عن إدوار الخراط وكلّ جيل الستينيات المصري. باستثناء صنع الله إبراهيم مثلا، الذي أعتقد أنه لا يتذوق الشعر من الأساس. أعتقد أن الشعرية هي جوهر فنية أي كتابة، وبدونها سيقتصر السرد على وظيفته الإخبارية أو سيكون إنشاءً فارغًا. فكرة الكاتب المتخصص؛ الروائي مثلا على نمط محفوظ، بالنسبة لي فكرة استنفدت غرضها الفني مع تحول المنتج الروائي للتصنيع والتسليع، وهو ما طاول الأدب العربي مؤخرًا بعد أن ظلّ طويلا في براءة وعذرية تشبه براءة الهواة. لكنه أيضًا تسليع لا يعود بفائدة مادية مباشرة على الكاتب كما يحدث للكتاب الرائجين في الغرب، ما لم يحصل على إحدى الجوائز العربية الكبرى المستحدثة. أما الشعر فهو “غلبان” بطبعه، ولا سوق له في أي مكان كما نعرف.

*في ديوان “جولة ليلية” تسيطر المشهدية بشكل واضح وهي متكررة عند أغلب شعراء جيلك الذين كتبوا قصيدة النثر.. لماذا؟

بالنسبة لي، كانت المشهدية مهربًا من الغنائية ووسيلة لإيجاد صوت بعيدًا عمّا سميته شعرية “التهويم اللغوي”، وهي بالتأكيد نتيجة أيضًا لسيادة الثقافة البصرية مع نهايات القرن العشرين ونهايات العصر التماثلي. لكنها كانت موجودة منذ بدايات الشعر الحديث، وقبل ذلك حتى بدرجات أضعف، ومع قصيدة النثر كان وجودها طبيعيًا. أذكر أيضًا في هذا السياق اكتشاف أعمال كفافيس من ترجمة بشير السباعي، وديوان سعدي يوسف الأجمل “قصائد باريس” وأعمال سركون بولص وصلاح فائق ووديع سعادة، وكنا في مطلع التسعينيات نصوّرها بالفوتوكوبي ونتداولها في ما بيننا كأنّها صحائف نادرة آتية من مكان بعيد. كل هذا النمط من الشعريات أثّر بالضرورة على هذا الخيار.

*كتابتك تتخذ من الواقع أو واقعك بالأحرى مادة للكتابة.. لماذا أنت بعيد عن التخييل؟ وهل ترى ضرورة أن تكون هناك حدود للتخييل بمعنى أن يظل مرتبطًا في جوفه ببعض من الواقع أم لا؟

لست بعيدًا عن التخييل، لكنني بعيد عن “التأليف”. وأرى أن ثمة فرقا كبيرا بينه وبين الكتابة. التأليف أكثر ملاءمة لماكينة الإنتاج الأدبي، ولذوق مُستهلِك الروايات تحديدًا. ثمة فارق أيضًا بين من يقرأ ومن يستهلك الأعمال الأدبية. ولا أرى ضرورة لأن تكون هناك حدود للتخييل،  ولا ضرورة لارتباطه حصرًا بما هو واقعي، لكن مزاجي سواء كقارئ أو ككاتب لا يميل للفانتازيا مثلا.

*في “يونس في أحشاء الحوت” تحكي عن مبنى الإذاعة والتلفزيون، وبشكل عام أنت تولي المكان اهتمامًا كبيرًا في كتاباتك.. ما أهمية المكان في النص الأدبي في تصورك؟

لم أحك كثيرًا عن مبنى ماسبيرو في كتاب “يونس في أحشاء الحوت” هو يظهر فقط في الجزء الأخير من قصة “أروى على الهواء” المكونة من ثلاثة أجزاء، ضمن كتاب به عشر قصص متراوحة الطول. كما يظهر في نص آخر من كتاب “في الإقامة والترحال”. عملت في هذا المبنى طيلة ثلاثة عشر عامًا، وهي فترة ليست قصيرة، كما أن المكان من الداخل يصعُب ألا يترك في نفسك أثرا. أما عن أهمية المكان كمفهوم في النص الأدبي فهذا سؤال كبير وقد يتسع له كتاب بكامله. بالنسبة لي أحيانًا يكون الافتتان بمكان معين هو المحرِّك الأساسي للنص. والافتتان به لا يعني أنّه جميل في حد ذاته، ولكن قوة ما أو شخصية للمكان هي ما يدفعني لمعالجته بالكتابة. قصة “يونس في أحشاء الحوت” نفسها كان المحرك الأساسي فيها هو مدينة الملاهي الضخمة الموجودة داخل أحد المولات في كندا. كان لشبكات الحديد الملتفة وتقاطع سكك حديد قطارات الأطفال المتنوعة وذلك المعمار الخرافي من المعادن والألوان والأضواء هو ما ألهم كافة التفاصيل الأخرى. صديقي الفنان المصمم أحمد اللباد عندما رأى صورًا فوتوغرافية أخذتها للمكان نفسه قال لي: كيف ألهمك هذا المكان القبيح هذه القصة الجميلة؟

*وأنت في كندا.. كيف تتابع المشهد الثقافي المصري؟

أظنّ أن في وجود وسائل ومواقع التواصل والإنترنت عمومًا لم يعد شيء بعيدًا. أنت ترى كلّ الأحداث لحظة وقوعها. كذا بالطبع الأحداث الثقافية والإصدارات وغيرها. اتسعت بالطبع رقعة الوسط الثقافي والإنتاج كذلك في بعض المجالات خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة. هناك دور نشر أكثر وكتب أكثر وغاليريهات أكثر للفنون البصرية المعاصرة والفنون التشكيلية بمفهومها التقليدي، ومساحات أكثر لعروض الأفلام المختلفة عن تيار السوق، وذلك بغضّ النظر عن مستوى كلّ هذه الإنتاجات. في المقابل لا تزال أزمة المسرح والسينما قائمة. لا يزال يسيطر على إنتاج وتوزيع الأفلام الكارتل القديم ذاته الذي لا يسمح لأي أصوات مختلفة باختراق قواعد السوق. وكان من المفترض أن يُنعش تعدد القنوات التلفزيونية صناعة الوثائقيات والأفلام التسجيلية، لكن الأسهل والأرخص والأكثر جلبًا للإعلانات هي برامج الثرثرة والمشاجرات السياسية والأخلاقية على الهواء.

*في رأيك.. كيف أثرت ثورة يناير على المواطن المصري في ما يخص إدراكه السياسي ومعرفته الثقافية؟

بالتأكيد فإن المواطن العادي قد ازداد تسيُّسًا بعد يناير 2011 عمّا كان عليه طوال ثلاثين سنة  حكم فيها مبارك. أسئلة السياسة صارت مطروحةً بشكل يومي في المقاهي والمواصلات العامة بين كل الأعمار. أما ثقافيًا، فقد كشفت عن قصور كامن  لدى النخب العربية من مثقفي وتقنيي الطبقة الوسطى. يريدون الحريات الفردية دون تأسيس حقيقي لفكرة الفرد نفسها في ثقافة تظلّ جمعية، ريفية أو قبلية في بنيتها. مغامرة محسوبة العواقب مؤمَّنة النهايات وحبل نمسكه من الوسط فلا نفقد هذا الطرف أو ذاك. حتى أن تلك الأسئلة لم نرها مطروحة بعد في الأعمال الأدبية التي اهتمت بـ “التعليق” السريع على الحدث، بشكل غنائي (حتى في الروايات) يبكي الحليب المسكوب بطرق تعبير مختلفة. ويطيب لي في هذا السياق أن أستحضر ثورة 1919 وأقارن بين شعرية بديع خيري الجارحة، وسينتمنتالية مصطفى إبراهيم الذي عدّه البعض شاعر ثورة يناير 2011. ربما تقول هذه المقارنة شيئا عن القصور الذي قصدته في البداية.

*تشتغل بالترجمة إلى جانب كتابة الشعر والرواية وأسألك هنا عن ترجمة الشعر: هل تراها أصعب أنواع الترجمة؟ وهل من الأفضل في تقديرك أن يكون مترجم الشعر شاعرًا بالأساس؟

مارستُ أشكالا كثيرة من الترجمة غير الترجمة الأدبية عموما. بالنسبة لي ترجمة الشعر ليست الأصعب وهي ممتعة جدًا أحيانًا. كان الأصعب بالنسبة لي التصدي لنصوصِ قانونية مثلا، حيث أفتقر إلى المعجم اللغوي لاصطلاحات ذلك المجال ولغته الجافة. وأتفق معك أن مترجم الشعر لا بد وأن يتمتع بحساسية شعرية ما، إن لم يكن شاعرًا. لا تكفي إجادة اللغة وثراء المعجم وحدهما. بشير السباعي وسعدي يوسف ترجما كفافيس عن لغات وسيطة، وجاءت ترجماتهما أجمل من ترجمة الدكتور نعيم عطية الذي ترجمه عن اليونانية مباشرةً.

*هل ترى أن قصيدة النثر انتزعت اعترافًا بها بعد رحلتها الطويلة ومعاركها الشرسة؟

قصيدة النثر واقع موجود في كلّ دور النشر التي لا تزال تهتم بنشر الشعر، وفي كل الصفحات الثقافية للجرائد والمجلات العربية الكبرى، وبالطبع في المجلات والمواقع الأدبية المتخصصة. دعنا نمد السؤال ليطاول الأدب العربي ككل: ماذا حقق؟ بالتأكيد الأدب العربي حقق علامات بارزة تستحق الإدراج في سجلات الآداب العالمية، أعتبر يحيى حقي مثلًا كاتبًا إنسانيًا كبيرًا لا يعرفه العالم؛ لكن الظلم السياسي الواقع على منطقتنا ككلّ، وبالتالي على اللغة العربية، يحصر النماذج التي يتم تقديمها عالميًا من هذا الأدب في دور سياسي معين. انتخاب غير بريء.

*ماذا تكتب الآن؟

أعمل عادة على عدة مشروعات في نفس الوقت، وانتهيت تقريبًا من مجموعة قصصية جديدة بعنوان “موسم الأوقات العالية” وأتوقع صدورها قريبًا.

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أدونيس: حديث حول سوريا، بشار،العرب، الإسلام، الشعر – ترجمة: سعيد بوخليط

    تقديم :أدونيس المنحدر من سوريا،الذي يعتبر بمثابة الشاعر الأساسي للغة العربية،وجد نفسه تحت ...