الرئيسية / صفحات الحوار / ياسين الحاج صالح: حوار في شأن الثورة السورية والمجلس الوطني

ياسين الحاج صالح: حوار في شأن الثورة السورية والمجلس الوطني


أسئلة ديانا سكايني

قرأت في “الشرق الاوسط” انك متوار. في حال صحت معلومات الصحيفة، يبدو لي السؤال عن يوميات معارض متوار في الداخل ضروريا؟ في احيان كثيرة نسأل عن سبب وجود معارض في الداخل يمارس نشاطه بشيء من الحرية وآخر متوار. هل من تفسير للأمر؟

بلى، منذ نهاية آذار فضلت أن أعيش متواريا كي أستطيع أن أتكلم وأكتب بحرية. لم أكن مطلوبا، لكني لا أريد أن أبقى في المتناول إذا عنّ لهم أن يطلبوني. ثم تخليت بعد ذلك عن الهاتف. الحياة ممكنة بدون هاتف.

أنا كاتب، وكنت معارضا للنظام دوما، والشأن السياسي والاجتماعي السوري هو محور اهتمامي الأول ككاتب. وطبيعي أن أكون إلى جانب الثورة، إن لم يكن لأسباب سياسية وأخلاقية، فلأسباب معرفية. الثورة فرصة لمعاينة أوضاع قصوى ورؤية عناصر البنية الاجتماعية والسياسية، والنفسية، كأنما بالعين المجردة تقريبا. للأسف أنا مقيد الحركة ولا يتاح لي القدر المرغوب من المعاينة المباشرة، لكني متفرغ بالكامل منذ أكثر من نصف عام لمتابعة شؤون الثورة والمساهمة بقدر المتاح في جوانب من أنشطتها.

في المحصلة، صرت أكتب بحرية أكبر فعلا. أحاول أن أساهم في الثورة بتغطيتها فكريا بقدر الإمكان.

ويسعدني أن علاقتي طيبة بالشباب، ويحصل أن أساعد ببعض الصور.

ليس هناك قاعدة ثابتة مطردة بخصوص التعامل مع المعارضين. هناك عنصر اعتباط مهم في إدارة الشؤون العامة في سورية، مرتبط بتعدد أجهزة القرار وتنافسها، وغياب المهنية والتخصص بين ملاكاتها، ووفرة المحسوبيات، والطابع المطلق للسلطة. الحكم المطلق يتجسد في الاعتباط الشامل لا في القواعد الصارمة المتشددة.

لكن عموما كلما كان موقف المعارض أكثر جذرية ووضوحا، وأكثر مبادرة، كان معرضا للاعتقال أكثر. أما بعد الثورة فيبدو أن معيار التمييز هو الموقف من إسقاط النظام، معه أو ضده.

ماذا مثلت لك خطوة الإعلان عن ولادة المجلس الوطني؟ هل تتوقع اعترافا قريبا به كهيئة شرعية تمثل الشعب السوري؟ ولماذا أتت الخطوة منقوصة برأيك مع عدم التوافق مع هيئة التنسيق؟

أرى أنها خطوة مهمة إلى الأمام. المجلس يوفر تمثيلا أوسع للثورة والتشكيلات السياسية من غيره. لكن العبرة بالفاعلية وبما ينجزه المجلس. أظنه مؤهل لإطلاق مبادرات وللتواصل مع الداخل والخارج بصورة مسؤولة. وأعرف الدكتور برهان غليون، الناطق باسم المجلس ورئيسه المرجح، وأثق به سياسيا وأخلاقيا.

الاعتراف المهم هو اعتراف الداخل السوري، الثورة أولا. ويبدو لي أن المجلس ناله بدرجة لا بأس بها، وتفوق ما نالته أية جهة أخرى. وآمل أن ينال اعتراف قوى عربية ودولية. سيكون ذلك خطوة مهمة نحو تحرر سورية.

ربما يتعرض المجلس لضغوط من بعض هذه القوى للاعتراف به، وسيجد نفسه مضطرا للخوض في وحول السياسة الدولية. لكن هذا ما لا بد منه، والأمل أن يتمكن من عبور هذا الامتحان موحدا وبكفاءة.

ما أعلمه أنه كان هناك تواصل مع هيئة التنسيق ورغبة في أن تتمثل في المجلس. لكن الهيئة لم تشارك في النهاية لأسباب أعتقد أنها سياسية. باختصار شديد، المجلس لا يحوز شرعية إن لم يحتضن قضية الثورة، إسقاط النظام. هناك مزاج منتشر في هيئة التنسيق لا يستطيع، لأسباب تمتزج فيها التقية بالإيديولوجية، أن يؤيد دونما غمغمة أو جمجمة هذا الهدف. وبعد كل ما فعله النظام أعتقد أن إسقاطه أمسى واجبا أخلاقيا، فوق كونه حاجة سياسية.

وبعد كل هذا، معلوماتي تفيد أن المجلس مستمر في التواصل مع الهيئة، ويتطلع إلى أن تتمثل فيه.

هناك ما يسميه البعض “لوثة” عدم قبول الرأي الآخر في صفوف المعارضة على قاعدة اما معنا او ضدنا. هل انت مع تخوين من يدافع عن تغيير النظام من الداخل من المعارضين من خلال مرحلة انتقالية حقنا للدماء وحفاظا على سوريا؟

“لوثة”؟ شكرا!

هذا كلام مزدهر في لبنان خصوصا. وهو في رأيي جزء من الحرب الإعلامية والسياسية على الثورة السورية. يتولد لديك انطباع أن الصحافة السورية المزدهرة التي تسيطر عليها المعارضة توقفت عن النشر لمخالفين لبنانيين لها في الرأي، أو أن الفضائيات السورية المعارضة لا تستضيف إلا من يقولون الكلام نفسه!

لكن اسمحي لي أيضا أن لا أقبل الكلام على “لوثة” عدم تقبل الرأي الآخر من أشخاص لم يدافعوا عن الشعب السوري يوما، ولم يعبروا عن احترامهم له يوما، وبعضهم أصحاب مواقف عنصرية، وبعضهم متكسبين وأصدقاء لضباط المخابرات السورية. ولا أرى أن أحدا منهم يشغل موقعا أخلاقيا أو سياسيا يسوغ له التكلم على “لوثة” استبداد تصيب، من بين عباد الله جميعا، معارضي النظام السوري. وهذا الكلام مثير للسخرية أكثر حين يصدر عن أناس طالما مارسوا التخوين ضد المعارضين السوريين، ووقفوا إلى جانب نظام تخويني، يقوده أناس يقتلون كثيرا ويسرقون كثيرا ويكذبون كثيرا.

لا أخون المدافعين عن النظام السوري. هناك أشياء كثيرة سيئة دون أن تكون “خيانة” بالمعنى الممانع للكلمة (لكنها خيانة بالمعنى الذي أدخلته الثورة السورية: اللي يقتل شعبو خاين! اللي يسرق شعبو خاين!…).

لكن، انظري! الثورة دينامية استقطاب سياسي وفكري وأخلاقي ونفسي بالغة الحدة، تلزم الجميع بأن يحددوا مواقعهم ومواقفهم بوضوح تام، دون مرواغة ودون تمويه. وحين تكونين مهددة في حياتك، وحين يعتقل رفاقك ويتعرضون لتعذيب مفرط في وحشيته، وحين ترين شعبك يعامل كالحشرات، وحين يقول حاكمو البلد صراحة: الأسد أو لا أحد! (أي إما أن نحكمكم نحن إلى الأبد أو الخراب)، هل تستطيعين أن لا تعبري عن احتقارك لمن يلتمسون المعاذير للقتلة، أو يضعون جرائمهم في سياق نسبي، وأن يترصدوا زلات الثورة للقول إن الجلادين والضحايا مثل بعضهم؟ أنا لا أستطيع!

ولا أستطيع أن أحترم هؤلاء، وفي لبنان كتيبة كاملة منهم. وأعتقد أن الحق في عدم الاحترام، حين ينصب على أفراد وتيارات وتشكيلات سياسية حديثة، هو حق ديمقراطي أصيل، ليس “ملوثا” بأي شيء.

بعد كل شيء، لا أرى كتيبة شهود الزور هؤلاء مخلصين حين يتكلمون على تغيير للنظام من داخله كما يقول سؤالك. النظام هو الحكم الأبدي الوراثي في أسرة الأسد + حاكمية المخابرات وحصانتها المطلقة + نفاذ امتيازي غير مقيد إلى الموارد الوطنية لعصبة الحكم.

تغيير هذه التركيبة هو ما تريده الثورة. وهو ما لم يعرض النظام ذرة استعداد لإعادة النظر فيه. ولن نرى غير الأسوأ إذا ما دان الأمر له: حكم الشبيحة.

ما هو الحد من التدخل الدولي الذي تجده مقبولا؟

أقلّه. ومع استبعاد التدخل العسكري في كل حال.

رأيي أننا نخطئ أقل الخطأ إذا وثقنا بالقوى الدولية، جميعها، أقل الثقة.

لكن يبدو لي أن كل المواقف المتاحة في هذا الشأن تعاني من معضلات سياسية وأخلاقية وفكرية. أفضِّل مبدئيا تحمل المعضلات التي ترتبط برفض التدخل.

هناك نقاش مستعر بين المثقفين والنخب حول اخلاقية القبول بالتدخل العسكري من اجل نصرة ثورة وحماية من يؤيدها من الشعب. ما هي مقاربتك للأمر؟ هل بتقديرك الغرب يريد ديموقراطية حقة في المنطقة؟ وماذا عن ازدواجية المعايير في هذا السياق؟

النقاش الأساسي يتجاوز أخلاقية التدخل العسكري الدولي ليطال نجوعه. تجارب التدخل العسكري الدولي سلبية وعكسية النتائج في منطقتنا، وليس هناك سبب لتوقع أن يكون الأمر مختلفا في سورية. وربما تعلمين أنه تبلور ضمن الطيف المعارض ضمير للثورة مكون من ثلاث لاءات: لا للتسلح، لا للطائفية، ولا للتدخل العسكري الدولي. تبلور هذا الضمير عبر تفاعل ومشاركة المثقفين والناشطين السوريين في الثورة، لكن برهان غليون هو من صاغ الأمر في صورة لاءات ثلاثة. على أنه كان مفهوما أنها تندرج تحت لاء كبرى، مضادة للنظام ومتطلعة إلى إسقاطه. أنا شريك في هذا الضمير وفي الهدف الأكبر.

ولقد لاحظتُ في مواد منشورة أنه بقدر ما أمعن النظام في قتل محكوميه والفتك بهم، وبقدر ما يتقدم مطلب الاحتماء وحفظ النفس والمجموعة، كانت نسبة متصاعدة من السوريين تجاهر بضيقها من هذه النواهي الثلاثة. تلجأ إلى السلاح دفاعا، و/ أو تناجي الله ملتمسة منه العون، و/ أو تتطلع إلى الحماية من الأقوى الدولي. غير أن الميل الأشيع لا يزال رافضا للتدخل العسكري الدولي لأسباب يمتزج فيها الأخلاقي بالسياسي بالإيديولوجي. والعملي أيضا.

ولعل من القضايا التي يمكن للمجلس الوطني السوري أن يقوم بدور قيادي في شأنها هي تعزيز الميل المضاد للتدخل الدولي، وإن مقرونا بمزيد من عزل النظام وانتزاع الشرعية الوطنية منه.

لكن إذا مضى النظام في التصرف كشبيح أو سوبر شبيح في الداخل، وربما عمم التشبيح في المحيط الإقليمي، ستتجه الأوضاع السورية إلى الانفلات من أيدي الفاعلين المحليين، الثورة والمعارضة، وسيمسي مصير سورية كيانا ومجتمعا ودولة في مهب الريح. ومن المفهوم أن يستفيد من ذلك القوى الإقليمية والدولية الأكثر رسوخا والأقوى.

نحن، السوريون والعرب، من نريد “ديمقراطية حقة” حسب سؤالك. ونحن من يقوم بثورة من أجل ذلك. ولم يستأذن السوريون أحدا، لا في الغرب ولا في غيره، من أجل الثورة على الطغيان. جر النقاش إلى ما يريده الغرب وما لا يريده ينسى أن لدينا بالفعل ثورة في البلد منذ نحو سبعة أشهر. ومن شأن هذا التدخل الواسع لمجتمعنا في شأنه المشترك أن يثمر توسيع الملعب الداخلي فيها وتعظيم قوى الشعب، وهذا لا ينصب حواجز ضد الطغيان فقط، وإنما هو يحد من دور الغرب أو غيره في التأثير على مصائرنا.

وجوابا على الشق الأخير من سؤالك، لا أعرف طرفا سياسيا دوليا ليس مزدوج المعايير أو متعددها. لكن بخصوص الدول المتشكلة قوميا، هناك وحدة المصلحة القومية وراء ازدواج المعايير. أما عندنا، فهناك أطراف، دول ومنظمات ما دون الدولة، تمارس تعددا في المعايير لا يحيل إلى مصلحة وطنية عامة، ربما إلى مصلحة الطائفة أو الأسرة أو النخبة العليا. انظري حولك!

حين تسمع أو تقرأ عن القتل الطائفي، عن الخطف، عن الفوضى. بماذا تشعر؟ هل في لحظة إنسانية ما تقترب من المفاضلة بين الاستقرار والحرية؟

أنا سوري، مجايل لحكم البعث عمرا أو أكبر منه بقليل، وعارف بدرجة معقولة بتاريخ الصفحتين الأسديتين منه، والطائفية والخطف والاختفاء والفوضى ليست غريبة عن معرفتي به ولا جديدة علي. ما يسمى “النظام” في سورية هو مضخة فوضى مستمرة، تضخ العنف والفساد والتمييز والكراهية، وسجلها في عدد المقتولين و”المختفين” والمعذبين والتمييز الطائفي ليس غريبا علي أيضا.

الثورة السورية ليست طائفية ولا عنيفة. هذا بحكم تكوينها ونوعية مطالبها، ومحركاتها الاجتماعية والسياسية العامة. ولذلك خاطبت أطيافا دينية ومذهبية متنوعة من المجتمع السورية. وطابعها العام لا يزال مفتوحا ووطنيا رغم كلى عنف النظام وجهوده للتفجير الطائفي.

إذا أردنا أن نطوي هذه الصفحة، كسوريين، فعلينا أن نطوي صفحة هذا النظام الذي لم تحقق سورية أي تقدم في ظله منذ أكثر من ثلاثة عقود. أما من يفضل الاستقرار على الحرية فسيضحي الحرية دون أن يكسب الاستقرار، ولن يستحق أيا منهما. لكن هل تعرفين من هو المستقر في سورية في العقود الأربعة الأخيرة؟ “النظام”، مضخة الفوضى العامة. عموم السوريين لم يكونوا مستقرين ماديا أو سياسيا. من أجل استقراره، استخدم النظام العنف أداة سياسية عادية، يعرفها السوريون في حياتهم اليومية. ولم يكن هذا استقرارا بلا حرية فقط، وإنما هو استقرار بلا تراكم وطني على أي مستوى. من يريد هذا الاستقرار؟ هل تريدينه؟

 ديانا سكيني

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...