الرئيسية / صفحات الحوار / ياسين الحاج صالح: ستة عشر عاماً في سجون الأسد جعلت مني كاتباً

ياسين الحاج صالح: ستة عشر عاماً في سجون الأسد جعلت مني كاتباً

 

 

لا ينبغي للسوريين أن يجعلوا من المعاناة العنصر مؤشر الأبرز على هويتهم، بل يتوجب عليهم أن يكونوا مبدعين وسط هذا العناء الرهيب. هذا ما قاله الكاتب السوري ياسين الحاج صالح الحائز على جائزة توشولسكي لهذا العام.

الكاتب السوري ياسين الحاج صالح الذي كان جالساً في تلك اللحظة مسترخياً في مقعد جلدي وثير، انحنى إلى الأمام عند إجابته على السؤال:

– بالطبع مررتُ بلحظات فكّرتُ فيها: «لتذهب الكتابة إلى الجحيم». هل يمكن للكلمات أن تمثل الحرب، والضحايا، والذين اختفوا… بلد يتفكّك وينهار؟ ولكن…

ولكن؟

كان يحرك يديه، وينظر حوله في الغرفة المكتظة برفوف الكتب [في بيت الشعر سارة مانهايمر في استوكهولم]. نظر إلي مجدداً وقال بصوت خفيض:

– البديل هو الصمت. والصمت أقسى من الموت.

ياسين الحاج صالح، البالغ من العمر 56 عاماً والذي درس الطب، لُقّب بحكيم الثورة السورية وصوت الضمير فيها. وقد تسلّم يوم الأربعاء الماضي (15/11/2017) جائزة تشولسكي السنوية من نادي القلم السويدي. وكانت أيامه القليلة الماضية حافلة باجتماعات ومقابلات ومحاضرات، وندوات.

بالطبع، قد يرهقه في بعض الأحيان الموضوع السوري، لكن لا توجد لحظة لا تحتل فيها الحرب ومصير البلد تفكير ياسين. ذلك أن طالب الطب الذي لم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة من عمره، كان قد اعتُقل وسُجن من قِبل نظام حافظ الأسد وقضى في السجن 16 عاماً كسجين سياسي. وقد أصبحت الكتب منذ ذلك الوقت وسيلة نجاة بالنسبة له. قال هذا متذكّرا خلال عشاء خاص جمعنا في إحدى الشقق وسط ستوكهولم.

– ستة عشر عاماً في سجن سوري يمكن أن تحطّم أي شخص. لقد منحتني قراءة الكتب عوالم بديلة، وأشعرتني بالانتماء إلى العالم، بالرغم من السجن. لستُ مؤمناً، لكن الكتب وهبتني نوعاً من الرؤية الروحية وصارت حجّتي في مواجهة القدر.

يضحك على ما قال. ويقول أنه هو شخصياً مندهش من مقدار الرومانسية في إضافة هذه القيمة إلى الأدب.

– أنا مدين للكتب. وفي السجن أصبحتُ كاتباً. بعد ثمانية أعوام من السجن حصلنا على إمكانية استخدام الأقلام والورق. وقد بدأتُ بالكتابة على الفور. كنت أكتب عن الثقافة، والاجتماع والحرية. لقد منحني السجن شيئاً آخر لا يقل أهمية عمّا سلف. ذلك أنّني لم أكن مؤهلاً لمواجهة الحياة حين انتهى بي المطاف في السجن. كنتُ قليل الصبر، عصبياً وعديم الحذر. والوقت الذي أمضيته في السجن أصبح بمثابة طفولتي الثانية التي صحّحت الأولى. أليست امتيازا عظيما أن تكون للمرء طفولتان؟

يتحدث ياسين الحاج صالح بصورة مكثفة، وغالباً ما يضحك، حتى حين يلامس موضوع الحديث الحدّ الأقصى من الألم. كانت تنظيمات جهادية قد اختطفت في كانون الأول/ديسمبر 2013 زوجته الناشطة سميرة الخليل والتي دخلت السجن أيضاً في الثمانينيات. هذا، ولم ترد أي أخبار جديدة عنها منذ ذلك الحين. وقد لقي فراس شقيق ياسين الحاج صالح والعديد من أصدقائه المصير نفسه.

هل تستطيع التعايش مع فكرة أنك قد لا تتمكن من رؤيتها مجدداً على الإطلاق؟

يبتسم. ثمّ يستعيد ملامح الجدّية. ثمّ يبتسم من جديد.

– أفضّل التمسّك بالأمل والبحث عن معنى لهذه الفظاعة. لذلك أكتب لسميرة.

وهو يشير إلى الرسائل المنشورة في صحيفة «الجمهورية» الإلكترونية، بالقول أن النصوص الموجّهة إلى سميرة ليست مجرد رسائل إلى حبيب مختطف، بل هي أيضاً إلى الأصدقاء المفقودين الذي يقد يقرأون في تلك الرسائل حول ما جرى في سورية منذ تمّ اختطافهم. والرسائل هي في الوقت عينه صورة لسورية.

– مصير سميرة يمثّل مصير بلداً منقسم. وهي رمز سوري للثورة المغدورة، ولمختلف جبهات نضالنا من أجل الحرية، من أجل الأمل، ومواجهة الخذلان. رمز للسجينة السياسية العلوية التي تزوّجت سجيناً سياسيا من غير جماعتها الأهلية. وقت كتبت الرسائل لم أقدر أنها ستحظى بترجمات واسعة وتنتشر  حول العالم. كانت الرسائل من وسائلي للتعامل مع الرضة… أنا… أنا…

لم تعد تخرج من فم ياسين الحاج صالح سوى كلمات متفرقة ومتقطعة.

– أريد… أنت تعلم… أن أتحدث إليها… أنا… أعتقد… أنّها…

عيناه تضيقان وهو يضغط على فكّيه. يزدرد ريقه، ويسحب أنفاسه بصعوبة ثمّ يضع وجهه بين كفيه. نجلس صامتين فترة طويلة.

– أشعر بذنب الناجي، قال بصوت متصدع، وأضاف: لقد نجوتُ، ولكنها لم تنج. وكذلك أخي وآخرين كثر.

والاستمرار في الكتابة تحت شروط قاسية – إذا لم يكن المرء عاطفياً، وياسين الحاج صالح ليس كذلك- يقتضي ضبط الأفكار وأدوات الحرفة. لذلك لا يمكن للكتابة، باعتقاده، أن تسيء إليه أو أن تقلل من احترامه لنفسه. لكن يحدث للمؤلف أن يتأمل في نصّه الناجز، ويفكّر في دخيلته: «ألم يكن باستطاعتي الإتيان بخير من هذا الغثاء؟».

– أكتب فقط حين يكون لدي ماً أريد إيصاله للقارئ. لا أعبد الكتابة، ولا يعجبني الأمر حين يرفع المؤلف الكتابة إلى مستويات من القداسة التي تضعها بعيداً عن متناول غالبية الناس.

وغالباً ما يتساءل عمّا إذا كانت رسائله لزوجته بمثابة الإنكار أو الرفض لقبول فكرة أنها ذهبت إلى الأبد.

– طالما واصلتُ الكتابة فستظلّ حيّة. أعني كلاهما، سميرة وسورية.

الثورة في سورية كانت هي اللحظة التي انتظرها ياسين الحاج صالح طوال حياته. وبعد أسبوعين من اندلاعها في شهر آذار/مارس 2011 تخفّى ليتمكّن من الكتابة بعيداً عن أدنى قدر من الرقابة الذاتية.

– كثيرون كنا نحن الذين حلمنا بما كان أشبه بالمستحيل – وها نحن قد حصلنا على الثورة المستحيلة. عشتُ لمدة سنتين متخفياً في أماكن شتى وكتبت الكثير من النصوص قبل أن أضطر إلى مغادرة البلد عام 2013.

ومع سقوط أكثر من 1400 ضحية في الهجوم الكيماوي على الغوطة في أيلول/سبتمبر 2013، ثم الصفقة الكيماوية الأميركية الروسية بعدها، توصّل ياسين إلى قناعة مفادها أن سورية مقبلة على خراب شامل.

وقد سألني ساخراً كم من الوقت لدينا حقاً من أجل هذه المقابلة، وكم صفحة ستكتب، وذلك بسبب وفرة ما يقال عن سورية، وعن الأسباب التي تدور بفعلها الحرب في سورية.

– يريد الناس في الغرب تفسيراً بسيطاً لتطور أحداث شديدة التعقيد في الشرق الأوسط. وهنا يمكنك الحصول على إجابة مكثفة:

– 1: اندلعت الثورة من أجل تغيير النظام السياسي. شعب متعطش للحرية في مواجهة نظام شمولي.

– 2: زجت في صراع بين المسلمين الشيعة والمسلمين السنّة. تدفّق الجهاديون السنيون إلى البلد آتين من أكثر من 100 دولة. هؤلاء هم حركة الجهاد العالمية الموجودة أصلاً قبل الحرب. ولهذه الحرب بع إقليمي، واللاعبون الأساسيون هنا هم السعودية وقطر وتركيا وإيران والعراق ولبنان…

– 3: ثم هناك تدخل القوة الاستعمارية الدولية. وما لا يريد العالم الغربي أن يدركه يتصل بهذا الجانب من تزاحم القوى الكبرى، بما فيها أربعة من أعضاء مجلس الأمن الدائمين الخمسة: الولايات المتّحدة، روسيا، فرنسا، وبريطانيا. في المحصلة ليست حرباً واحدة تلك التي تدور في سورية، بل حروب متعددة، تُشكّل مجتمعة حرباً كبرى ضدّ شعب بأكمله. واليوم يعمل العالم بقواه النافذة على إعادة تأهيل بشار الأسد وتجديد انتدابه على البلد المنكوب.

يقصد ياسين الحاج صالح أن الخبراء في العالم الغربي يكتسبون أهمية كبرى حين يُعدّون نصوصاً حول سورية، والأسد، والتطرّف. وفي الحدّ الأقصى، تسعى وسائل الإعلام للحصول على شهادة أحد السوريين أو اقتباس أقواله لكي تدعم روايتها للأحداث.

وهو لا ينفكّ يكرّر القول بين حين وآخر أن من الممتع العيش في هذه الحقبة رغم فظاعة الحرب، أو الحروب، في سورية، ورغم تدهور العالم.

– من المدهش أن ترى كيف تعبّر الدول، والأديان، والجيوبوليتيكا، والساعون إلى السلطة والناس العاديون، كيف يعبرون عن أنفسهم في هذه الحروب المتعدّدة. وأن ترى القوة والأمل اليائس حين يفرّ ملايين البشر من ديارهم ليعبروا حقول الألغام، والأسلاك الشائكة، ويعبروا البحر وعدداً من الحدود لينتهي بهم المطاف في السويد على سبيل المثال. تبدو قصة عبور الحدود التي حدثت للتو كأنها تعد إلى أزمنة سحيقة وما قبل تاريخية، وقت هجرات البشر في عالم لا حدود فيه.

هل ترى في المعاناة جانباً «ممتعاً»، بالرغم من المآسي؛ بما في ذلك نصيبك منها؟

– بالرغم من قسوتها، تعلمنا الحرب درساً هاماً حول العيش في الأوقات الصعبة. لقد حدث الكثير في كل مكان وفي جميع الأوقات. والطريقة الوحيدة لتحمّل الخسارات، ولتكريم أصدقائنا وأحبائنا هي أن نكون خلاقين ومبدعين وسط هذا الظلام. ليس عبر النواح والتشكي نعبر عن هويتنا، وإن تكن مصنوعة من المعاناة. لكن يلزم أن ننظّم أنفسنا، وهذه لا تزال نقطة ضعفنا الأبرز، نحن السوريون. أعتقد نحتاج إلى حركات قاعدية وجمهورية التوجه، تنشط فضيلة الاهتمام بالشؤون العام بين الناس عل نطاق عالمي، ضرورية لنا وهي التمارين ألأنسب على عالم جديد. لا بد لنا من ابتداع أفكار جديدة، ومناقشة قيم جديدة، وأن نعثر كذلك على رموز جديدة، وطرائق جديدة للتفاعل مع المنطقة، والسياسة والعالم.

هل تقول أيضاً لأولئك الذين خسروا كل شيء: توقفوا عن البكاء… كونوا مبدعين؟

–  أعترف بأنني أستخدم لغة أخرى في هذا الشأن، أقل قسوة وأكثر اعتدالاً، حين أقول ذلك. لكن الحرب تشكّل فرصة، ليس لكي يفهمنا العالم، بل لكي نستطيع من خلال التجربة السورية أن نتغيّر عبر الإمساك بحكايتنا وسردها بدل أن يسردها الآخرون نيابة عنا. على سبيل المثال، يلحق اليسار التقليدي الدولي قصة كفاحنا بصراع يفترض أنه يخوضه هو ضد الامبريالية. لكننا لا نتعرف على أنفسنا في هذه القصة. وأصحاب هذه القصة وجدوا أنفسهم في المحصلة أقرب بهذا القدر أو ذاك إلى بشار الأسد.

ومصير سورية؟

يؤكّد ياسين الحاج صالح أنه ينبغي على الكتّاب والمثقفين أن يقاوموا إغراء التنبؤ بالمستقبل: فقد يكون ذلك نوعاً من الرجم بالغيب. وهو ضمن هذا السياق لا يرى أن الحرب تدور في سورية أو حولها فقط.

– كيف يمكن لسوري يعيش في المنفى أن يجيب عن أسئلة عن مستقبل سورية في الوقت الذي يعبث فيه بوتين، وترامب، وإيران، والسعودية، وتركيا، والعديد من الدول والقوى الأخرى بالبلد بطرائق شتى؟ لا توجد طريقة لطيفة للتعبير عن حقيقة غير لطيفة، حقيقة أني أجد بعض العزاء في كوننا لسنا الوحيدين المنتهكين: العالم كله منتهك.

 

محصلة مقابلة في استوكهولم مع مصطفى جان اللي هو كاتب سويدي معروف منيح اليوم، وبالأصل من كردستان تركيا.

أشكر من كل قلبي تينا أبزخ وعابد الحاج وفراس حقي وسامح خلف على أربع ترجمات وصلوني للمقابلة. أعتز بكم يا أصدقاء.

اعتمدت أحدى الترجمات، لكن عملت تنقيح ليصير الكلام شبه اللي بحكيه عادة.

الفيس بوك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد علوش: هجوم دوما الكيميائي تم بإيعاز من روسيا

    قال إن موسكو هددت بتكرار الاعتداء إن لم نرضخ لشروطها هبة محمد تحدث ...