الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / ياسين الحاج صالح يعيننا على جلاء ذاك العطب الأخلاقي/ يوسف بزي

ياسين الحاج صالح يعيننا على جلاء ذاك العطب الأخلاقي/ يوسف بزي

 

 

من يقرأ كتاب ياسين الحاج صالح “الثقافة كسياسة”(*)، الصادر حديثاً عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” (بيروت، 2016)، ينتبه إلى أن الحرب السورية، بما أنها صراع مرير ومصيري للشعب والدولة والنظام، ابتدأت فعلياً قبل اندلاع الثورة العام 2011. انطلقت هناك في الرؤوس والأفكار الضارية، في شعور الحاكم والمحكوم ووعيهما أن الأمور وصلت إلى حدها الأقصى، في القطيعة المتعاظمة بين سلطة خائفة فتشتد وحشيتها، وشعب يائس فيشتد غضبه ليكسر الخوف.

في نص يتضمنه هذا الكتاب، أنجزه صالح في أيار/مايو 2009، يكتب أن “التضامنات الوطنية المستقلة يجري تحطيمها بهمة عالية. كأنما أمر اليوم: انفصلوا، تباعدوا، تعازلوا، اكرهوا بعضكم! ما الذي يبقى غير المطلقات، سلطات المطلق وعقائد المطلق وفكر المطلق وسيكولوجية المطلق؟ وما تكون العلاقة بين المطلقات غير التنافي المطلق أو المذبحة..”. كان هذا الكلام في معرض جزع المؤلف حينها من العناد: “العناد منتشر والقسوة في حاشيته. ولعله الوجه الذاتي للحتمية، استبطان ذاتي لمنطق الحتم. الدولة عنيدة وقاسية، لا تستجيب لصوت العقل ولا للمناشدات الإنسانية. الدين عنيد وقاس(…). المفكرون عنيدون ميتو القلوب، ونرجسيون بإفراط…”.

النصوص الأخرى، المكتوبة قبل الثورة، تشي كلها بأن ياسين الحاج صالح، ربما كان متيقناً من استحالة بقاء الأمر الواقع في سوريا، هو الذي أمضى قسطاً وافراً من عمره في معتقلات النظام، واختبر ذاك العناد المحشو بالقسوة، وعاشر ضحايا هذا النظام من سجناء سياسيين ينتمون إلى اليسار واليمين ومختلف أطياف الإسلام السياسي، تلك المعاشرة التي أتاحت له معرفة حسية وإنسانية بمصادر الاعتراض والاحتجاج المعتملة في “مجاهل” الجغرافيا السورية ومجتمعاتها الكثيرة. بل هي تجربة أتاحت له أيضاً “المراجعة” الدؤوبة لكل القناعات السابقة، للأفكار التي كان يتداولها الآخرون أيضاً، لخطابات سلطوية وخطابات معارضة، لأيديولوجيات متراجعة وأيديولوجيات صاعدة.

كان خروج صالح من السجن، ليس إطلاق سراحه جسدياً من الحبس وحسب، بل كان أيضاً تحرراً من حبس القناعات الجامدة، من ثوابت الآراء و”البديهيات”. وهو ما عبر عنه ببراعة أخاذة في كتابه “بالخلاص، يا شباب” (2012).

نصوص كتابه الجديد “الثقافة كسياسة” ربما يصح وصفها بـ”محاكمة أخلاقية” (وربما يتحرج المؤلف من هذا الوصف) للثقافة السياسية في سوريا (والعالم العربي)، وللثقافة المتبرئة من السياسة. وهذه الأخيرة هي الأخذ عرضة للإدانة إذ يبرهن صالح مدى خبثها “السياسي” ولا أخلاقيتها.

على مدى صفحات الكتاب (286 من القطع الكبير) يمارس صالح “انتفاضة” عارمة ضد معظم المنظومات الثقافية الأكثر رسوخاً في “الوجدان” العام، أي منظومات “الحداثة” بكل تشكيلاتها الفكرية، بوصفها جزء لا يتجزأ من تاريخ الاستبداد السياسي العربي.

انتفاضة تقوم على محاكمة ميدانية صارمة لنظرة “المثقفين” السوريين خصوصاً، تجاه مجتمعهم ومدى صلتهم ومعرفتهم به أو غربتهم عنه أو تعاليهم عليه، في التحديث والتبشير الزائف أو الخادع بالتنوير والتمدين، في الدولة وأدوارها وحدودها، في الإصلاح والعلمانية، في التراث والأصالة والدعاوى المشابهة، في الواقع غير المرئي عندهم والمتخيل الطوباوي غير الحقيقي، في الأخلاق أو انعدامها، في الدين والإسلام السياسي، في جدارة الحرية والديموقراطية، في معنى الأقليات والأكثريات، في الهوية الوطنية وحقيقة الطوائف والجماعات والملل، في الطغيان وأسبابه..إلخ.

بصبر السجين العتيق، يلاحق ياسين الحاج صالح كتابات وإرث أهم وأشهر المثقفين السوريين وبعض العرب، الذين صاغوا بحق “الوعي الثقافي” العام، لدى الأنتلجنسيا الواسعة، والنخب الإجتماعية المتعلمة، كما لدى السلطات الحاكمة. يقرأ هذا الإرث بتأن وإصرار وانتباه شديد، لكن بغرائز نقدية مشحوذة كشفرة بالغة الرقة والخفة، فائقة القطع والبتر والدقة الجراحية.

ليس أفضل من تقديم محتوى الكتاب سوى التشجيع على قراءته، لا اقتباس بعض مقاطعه، خصوصاً إذا كانت نصوصه قائمة على تسلسل مترابط ويكمن معناها التام في مجمل القراءة، فإذا كان الكتاب يهفت دعاوى أدونيس أو جورج طرابيشي أو عزيز العظمة، وينتقد بعض أطروحات محمد عابد الجابري وعبدالله العروي وآخرين، فإنه بالأحرى يقيم محكمة لتاريخ كامل متعدد الحقبات والانعطافات في الثقافة العربية، منذ الخمسينات وحتى يومنا هذا، بكل تياراتها ومنطلقاتها. وهذا جهد، قد يساء إليه بالتلخيص أو الاقتباس.

الجدير هنا هو الاعتراف أن الكتاب حرضني على استرجاع مجمل المعضلات الثقافية – السياسية التي واجهتها قبل عشرين عاماً تقريباً. إذ كنت أشعر باستمرار أن موقفي (كمثقف!) في السياسة وإذ ينطلق من نظرة أخلاقية استمديتها من تجربة الحرب وحقارة الأيديولوجيات فيها، وقناعتي بالديموقراطية الليبرالية ولو كانت ناقصة كما في الحالة اللبنانية، لم يجد سنداً نظرياً له سوى عند كتابات قلة “مرذولة” عربياً، كحازم صاغية ووضاح شرارة وأحمد بيضون. كنت أشعر أن ثمة عطباً أخلاقياً عميقاً في الثقافة العربية، لا يتعلق بالسلوك ولا بالكلام المبدئي لمعظم المثقفين، ولا يتصل بأي شبهة فساد فيهم، ولا بصدقهم أو استقلالهم الذاتي ولا حتى بسويتهم الفكرية أو الإبداعية، هو أمر أعمق. أظن أن الجهد الذي بذله ياسين الحاج صالح، في كتابه هذا يعينني على نحو كبير في جلاء ذاك العطب الأخلاقي، غياب الحس الإنساني.

مثلاً، بعد العام 2003، رحت أتساءل إذا كان انكشاف الهولوكوست أدى إلى إعادة صياغة الوجدان الأوروبي برمته، وترتبت عليه “مراجعة” عميقة في الفلسفة وفي معنى “الحداثة” والتوتاليتارية واليوتوبيا ومعنى “الآخر” و”الوطنية القومية” إلخ، مع شعور بالذنب أثّر إلى أقصى حد، في السياسة والثقافة والكتابة والفن والقوانين والشرائع والعلوم التطبيقية وصولاً حتى إلى الهندسة والرياضة، كيف لم يؤثر اكتشاف مقابر جماعية في العراق لأكثر من 330 ألف ضحية قتلهم صدام حسين، في موقف المثقفين العرب وخطابهم السياسي والثقافي. وقبل ذلك، كيف أن حدثاً بجسامة 11 أيلول 2001، لم يفرض أي تساؤل أو شعور بالمسؤولية. صحيح أن ياسين الحاج صالح لا يتطرق إلى هذه الوقائع بعينها، لكنه يكشف محتوى تلك الثقافة وقدرتها على التعامي عن الواقع، أي واقع، بل وازدائها لـ”الوقائع”، احتقارها للشرط الإنساني، أو جعله أمراً ثانوياً.

قراءة كتاب “الثقافة كسياسة” تجعلني أفهم تلك الواقعة الغريبة التي لم استوعبها يوماً: في العام 2005، في ذروة التوتر بين الولايات المتحدة والنظام السوري، أعلن معتقل سياسي سوري مرمي في زنزانات هذا النظام، اضراباً عن الطعام تضامناً مع “الموقف القومي الممانع” للنظام السوري ضد “المؤامرة الأميركية على المنطقة” (إسقاط الطاغية صدام حسين في العراق، محاربة تنظيم “القاعدة”، دعم انتفاضة الإستقلال في لبنان، احتمال عمل عسكري لإسقاط بشار الأسد..). كان هذا المناضل المثقف والمعتقل، منسجماً مع ذاته الأيديولوجية، ولو على نحو يتناقض كلياً مع غرائزه البدائية: طلب الحرية والعدالة لبدنه وعقله وروحه، رفض الظلم والطغيان والتعذيب والمهانة… هذه الحادثة ليست “متلازمة استوكهولم”، هي بالأحرى “متلازمة المثقف العربي”. حيث الانفصال بين الوعي (طلب الحرية) والخطاب (الممانعة) في أرقى تجلياته.

على مثال هذا المثقف السوري المعتقل، معظم جيل الستينات من المثقفين المصريين، دخلوا معتقلات نظام جمال عبد الناصر، واحتقروا نظام السادات وسياسة “الانفتاح” الاقتصادي التي انتهجها، وأبدوا ازدراءً واضحاً لنظام حسني مبارك، لكنهم هم أنفسهم بكوا جمال عبد الناصر، وساندوا السادات ومبارك ضد الإسلاميين، وتوظّفوا في مؤسسات الدولة ونافحوا عنها حتى اللحظة الأخيرة من أيام مبارك (جابر عصفور مثلاً، يستلم وزارة الثقافة، وملايين الناس في الميادين: الشعب يريد إسقاط النظام).

أذكر أيضاً، منذ أواخر الثمانينات وحتى العام 2004، لم تنقطع زياراتي الصحافية إلى سوريا، ولم أكن ألتقي فيها سوى المثقفين والفنانين من مختلف الأجيال. جميعهم من دون استثناء، كانوا يصنفون أنفسهم “معارضين”. نصف هؤلاء المثقفين “المعارضين” هم اليوم من أشد المؤيدين للنظام، ويبدون احتقاراً منقطع النظير لعموم الشعب السوري الذي “خرج من المساجد إلى التظاهرات”.

في العام 2005، اضطر الجيش السوري وأجهزة مخابراته لانسحاب مذل من لبنان، فكان “مثقفون” مشهورون، هم أول الذين شاطروا النظام الشعور بالمهانة “الوطنية” والانكسار، فتماهوا معه من غير تردد، وتبوؤا حملة شعبية وإعلامية للدفاع عن “كرامة سوريا” (كرامة نظام بشار الأسد). وانتعشت علاقات جديدة وعلنية بين النظام ومجتمع المثقفين السوريين على نحو غير مسبوق، ظهرت خصوصاً في العام 2008، مع إعلان دمشق عاصمة ثقافية للعالم العربي.

طوال أكثر من ثلاثين عاماً، لم يكل المثقفون العراقيون من الشكوى من نظام صدام حسين، و”أبدعوا” في تدوين ونشر فظائع هذا النظام، والاضطهاد الشديد الذي ذاقوه اعتقالاً وإذلالاً، وتحولت غالبيتهم إلى منفيين يعيشون الكوابيس. عدد كبير من هؤلاء أنفسهم، أيدوا صدام حسين في حربه على إيران باسم الوطنية، أو ساندوه في غزوه للكويت باسم فلسطين، ولم يبتعدوا كثيراً عنه في الموقف من القضية الكردية باسم العروبة، وشاطروه الرأي في سحل وشنق وتعذيب الإسلاميين باسم الحداثة والعلمانية، وامتعض كثير منهم سقوطه على يد الجيش الأميركي باسم معاداة الامبريالية والصهيونية..إلخ.

من كل هذه الحوادث والوقائع، وغيرها لا يعد ولا يحصى، يمكن التخمين بأن المسألة الديموقراطية لم تكن أولوية في عقل السواد الأعظم من المثقفين العرب. وعلى الأرجح، لم يكونوا مؤمنين يوماً بأولوية منح الحريات العامة للمواطنين. فهم يشاطرون أنظمتهم، أو بالأحرى تشاطرهم الأنظمة نظريتهم، بعدم جدارة هذه المجتمعات للحرية والديموقراطية. أي في نهاية المطاف، ليست “معارضة” المثقفين، سوى اعتراض تقني على الأداء، وأغلب الظن هو اعتراض على حصتهم من الامتيازات والمزيد من الحصانة والمكانة وانتفاخ النرجسية.

ثمة فئة واسعة من “المثقفين”، كتّاباً وسينمائيين ورسامين ومسرحيين وأكاديميين..إلخ، أخبث بكثير من الفئة الأولى. نقصد أولئك الذين يعلنون احتقارهم للسياسة أو “نعمة” جهلهم بها، ويبتعدون عنها رأياً وقولاً، ويصمتون تماماً عن أي موقف تجاه القتل أو التعذيب أو الاضطهاد أو أي ظلم وقمع. فيعلنون أنفسهم كائنات مكرسة لـ”موهبتهم” و”إبداعهم” وحسب. هؤلاء يضمرون موقفاً سياسياً يمكن اختصاره بانعدام الضمير والأخلاق، انعدام حس التعاطف أو الإنسانية.

ربما، الأمل “الثقافي”، بل السياسي، يكمن فعلاً في أولئك الذين ولدوا بعدنا، في أبناء العشرينات الذين رأيناهم في ميادين القاهرة وتونس وبنغازي وصنعاء والمنامة ودمشق، أولئك الذين ناداهم ياسين الحاج صالح “بالخلاص يا شباب”، الذين مزجوا ثقافتهم بغبار الشوارع، الذين نثروا أفكارهم على الجدران، الذين رسموا أحلامهم على الحيطان، الذين قدموا دماءهم في الساحات، الذين صاغوا أفكارهم من عاميات الناس وتلقائيتهم وعواطفهم ودموعهم وحرقات قلبهم ورغباتهم القليلة الواضحة وآلامهم السحيقة.

أظن أن قراءة “الثقافة كسياسة” ليست “قراءة” بل أشبه بعمل سياسي نضالي، أو هي ممارسة ثورية واجبة، تواطؤ عاطفي مع هذه المحكمة الموقرة.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...