الرئيسية / صفحات الحوار / يوسف عبدلكي: من الجسد المحروق … إلى جمالياته الفطرية

يوسف عبدلكي: من الجسد المحروق … إلى جمالياته الفطرية

 

 

باريس – صالح دياب

نقل الفنان يوسف عبدلكي معرضه الدمشقي الأخير إلى باريس، مقدماً لوحاته الحديثة التي رسمها في سورية، في صالة كلود ليمان. عبدلكي الذي يرسم بالأبيض والأسود، وعُرف عنه اشتغاله على الطبيعة الصامتة، يدخل في مرحلة تطفح بالمعاني والأسرار يرسم فيها الأجساد والوجوه، متغنياً بالحياة. مرحلة جديدة لا تنفصل عن شغله السابق، يعمق فيها أسئلته الفنية حول الجمال الذي يقدمه هنا، جليلاً، حزيناً، يضربه النور حيناً، والعتمة حيناً آخر، محتلا كامل اللوحة، وهو يعانق العالم بحنوّ وعطف أبديين. هنا حوار مع عبدلكي حول معرضه الدمشقي – الباريسي، وعلاقة الجمالي بالواقع:

> يتضمن معرضك رسوماً لأجساد نساء. ماذا تتوسل إيصاله عبر العمل على هذا الموديل؟

– أحبّ أن أوكّد بدايةً أنّ دوافع أيّ رسام هي استجابات ذاتية لما يحدث حوله في العالم الكبير. التناقض الذي يمكن أن يفكّر به البعض بين العمل على العاري والحدث السوري المأسوي لا يشرح حقيقة دوافعي. فمنذ بداية السبعينات كنت أعمل على موضوعات هي على صلة وثيقة بالمجتمع والحياة السياسية. ربما لم يلمس الكثيرون أن عدداً غير قليل من أعمالي في الثمانينات والسبعينات، اتسم بنزوع ذاتي في التعامل مع الهمّ العام. عندما رسمت في الثمانينات شخصاً معتقلاً يحمل صورتي، كنت أشير إلى العام عن طريق الخاص. ليس في ذلك امتداحاً للعمل ولا انتقاصاً منه. ما أقوله هو جزء من آليات العمل وطبيعته. تأتيك لحظة. لشدة غرقك في العام تنفر منه وتبتعد. غير أن هذا النفور نفسه هو انعكاس ولو سلبي للعام، بهذا المعنى يبقى هو بوصلتك.

> كأنما تريد أن تحتفل بالحياة والجمال بالعمل على تيمة العاري! لماذا أثيرت حفيظة البعض فوجد تناقضاً بين الذاتي والعام؟

– أحسّ بعضهم بتناقض بين الوضع السوري المأساوي والعمل على العاري، أما بالنسبة إليّ فلم يشكل الاشتغال على العاري، في أي لحظة، انفصاماً عن الواقع. لقد عملت عقوداً على الموضوعات العامة والسياسية. ثم جاءت لحظة، بعد أن تحولت الثورة إلى صراع إقليمي – دولي بالدم السوري ولأهداف غير سورية، ووصلت إلى درجات من البشاعة قل نظيرها في أي حرب أخرى، أو في أي حرب أهلية، الأمر الذي أصابني بصدمة كبيرة كما أصاب الملايين من السوريين. أصابت البشاعة وجداني، فلم أجد نفسي إلا وأنا أشيح بنظري وروحي عن تلك البشاعة المطلقة. كأنني لا أريد أن أصدق أن هذا يحدث في بلدي وبين أهلي. في هذه اللحظة العسيرة، وجدت نفسي مندفعاً لأرسم الوجه الآخر في الحياة، لأرسم وجه الجمال، ولم أجد شيئاً أرفع جمالاً من الجسد العاري. بمعنى من المعاني، العمل على العاري هو هروب من بشاعة القتل والتدمير واحتجاج عليهما في آن معاً.

> لم تشتغل على الموديل إروتيكياً، بمعنى أنّك تناولته بأسلوب لا يثير أي حساسية جنسانية. لكن لماذا التعليق على هذا الجانب فقط، وتجنّب أي تساؤل حول شكل العمل الفني وطبيعته؟

– اللافت في كل ردود الفعل المتوترة التي حدث، والتي انتقدت معرضي في دمشق، عدم التفاتها إلى الجانب الجوهري في كل عملية فنية. هذا الجانب لا يتحدد بالموضوعات، بل بكيفية قول تلك الموضوعات، وبأي رؤية وأي حساسية. للأسف لم يلتفت أحد إلى علاقة الكتلة بالفراغ، كما لم ينتبه أحد إلى علاقة الضوء بالعتمة. لم يتحدث أحد عن علاقة الأدوات الفحمية البسيطة بالنتائج الهادئة أو المتوترة. لم ينتبه أحد إلى النساء اللواتي رسمتهن، يغرقن في صمتهن بعيدات عن الشهوانية، كأنهن نساء فقدن روحهن النابضة، وتحولن إلى عناصر، ولعلّه بسبب الانفصال عن الواقع، والذهول تجاه أهواله.

> قضيت فترة زمنية غير قليلة وأنت تشتغل على تيمة الطبيعة الصامتة. كيف تم هذا التحول والانتقال إلى منطقة أخرى تحتوي على الأجساد والوجوه؟

– منذ أكثر من ثلاث سنوات وأنا أعمل على الجسد، لكن لم تكن هناك تيمة وحيدة أعمل عليها. لقد تابعت العمل على موضوعاتي السابقة التي عرضت في العديد من الصالات منذ عشرين عاماً، المستوحاة من الطبيعة الصامتة والتي هي ليست في حقيقتها لا طبيعة ولا صامتة، نصفها كذلك لتسهيل الحديث عنها، إنها أدوات لقول شيء أبعد من الطبيعة الصامتة، شيء له علاقة بمصائر الناس وقسوة الحياة حولنا. وبهذا التصادم المتواصل بين رقتنا كبشر وبين ظروفنا الحديدية التي تفوح منها رائحة شواء الجسم البشري.

> الموديل جزء أساسي من الرسم. لكنه بدأ يغيب من كليات الفنون التشكيلية العربية. ما أسباب هذا الغياب؟ وهل يؤثر ذلك في تجربة الفنانين الشباب؟

– عندما حانت لحظة عرض هذه الأعمال كانت هناك ضرورة لعرضها في دمشق للمرة الأولى. أشير هنا إلى أن الموديل العاري صار ممنوعاً في معظم الدول العربية، بما في ذلك سوريا، مسايرة للتيار المتشدد الذي يتسلل، ويتغلغل، ويسود منذ منتصف السبعينات في حياتنا الثقافة والسياسية.

> هل إصرارك على عرض الموديل في دمشق نابع من رسالة تود إيصالها إلى طلاب الفنون عبر التنبيه إلى خطورة فقدان الموديل من كليات الفنون الجميلة السورية والعربية؟

– كنت مصراً على عرض مجموعة العاريات في دمشق، ولم يكن في حسابي أن أفقأ بها عيون المسؤولين. معظم البعثيين يسايرون التيار الأصولي، أكثر مما يساير نفسه هو نفسه، بل كان في حسابي أن أقول لطلبة كلية الفنون التشكيلة إن رسم الموديل العاري أمر أساس في التشكيل، كما أن دراسته واجبة على كل طالب وطالبة حتى يتمكن من مهنته. هو يغني حصيلته البصرية والتقنية، أما إلغاؤه فيشابه تماماً الطلب من أحدهم كتابة الشعر من دون تملّكه قواعد اللغة. تطلب منه أن يطير بينما أنت تقص أجنحته. ليس مصادفة أن العشرات من خريجي كلية الفنون لا يجيدون ألف باء الرسم. وفي ظلّ واقع صعب ومؤلم كهذا، وجدت أن من واجبي كمواطن ورسام عرض هذه اللوحات في دمشق، قبل عرضها في أي بلد آخر.

> تعمل على البشرة السوداء والبشرة البيضاء. ما هي الصعوبة التي واجهتك أثناء المعالجة؟

– هناك مجموعتان من النساء اللواتي عملت عليهن. المجموعة الأولى تخص النساء ذوات البشرة البيضاء، أما المجموعة الثانية فهي للنساء ذوات البشرة السوداء. كمية الضوء التي يمكن أن تجدها في لوحات المجموعة الأولى ومساحات السواد المنتشرة في أرجاء اللوحة تسهّل على الرسام عمله، بينما في المجموعة الثانية عملت على معالجة الأسود مع الرمادي القاتم، وأعتقد أن هذه المعالجة تشكل تحدياً للرسام، وهو ما يعرفه الرسامون جيداً في معالجة أصعب بكثير من العمل على التناقضات الصريحة للنور والعتمة.

> معظم لوحاتك مرسومة بالأبيض والأسود، أين يكمن التحدي أثناء العمل على لون واحد؟

– عندما تعمل على نقيضين يمكنك أن تملك التوازن بينهما بسهولة، أما أن تقيم اللوحة على درجتين من اللون عينه فهذا أصعب بكثير. وبمقدار ما شكل الأمر تحدياً بصرياً لي، أمتعني العمل على الأجساد القاتمة التي طالما اعتبرت نفسي مأخوذاً بجمالها. لذا نجد أن ماليفيتش مثلاً عندما أراد الإيغال في التحدي وهو يرسم تجريدياته المينمالية رسم «مربع أبيض على مربع أبيض». عندما أعمل على الجسد الأبيض، أحس أنني أعمل عملاً اعتيادياً للقبض على النور أو العتمة فيه، لكن عندما أشتغل على الجسد الأسود، فأحس أنني أسعى إلى الإمساك برائحة الغابات.

> عملت على تيمات متعددة منذ السبعينات، لكن ما الذي يجمع بينها؟

– عملت على تيمات كثيرة منذ بداية السبعينات: الخيول، الأجساد، الحيوانات، الأشخاص، ناهيك عن آلاف الرسوم التي أنجزتها خلال تلك السنوات والتي لم أعرضها أبداً. كان الخط هو البوصلة، في كل مجموعة من المجموعات التي رسمتها. لكن، ظلت كل مجموعة تمتلك خصوصيتها وخارطتها الخاصة كمفردات، أو كتأثير نفسي أو بصري.

> عندما ننظر إلى الأجساد، نشعر بأنها لا تخص شخصاً بعينه، كأنها رمز للجسد في شكل عام؟ كيف تم ذلك؟

– المجموعة الحالية هي مجموعة قائمة على رصد تفصيلي للجسد. في الوقت عينه، لا يريد الجسد أن يتخصص بوصفه بورتريه لشخص محدد عار، بل أن يكون بورتريه للعري. بمعنى آخر، توسلت الإمساك بالعري كموضوع أساس في الجمال وفي الخيال البشري. حاولت نقل السرّي، المغطى، الخفيّ إلى المباح، تحت ضوء الشمس.

> تتشابه جلسات الموديل في لوحاتك. هل تحدثنا عن طرائق تناولك للموديل؟

– ثمة سويّات مختلفة عند العمل على الموديل، كما أن هناك أهدافاً متعددة للعمل عليه. بعضهم يعمل على الموديل ليمتص قدرته التعبيرية، وأحيانا الوحشية. بعضهم الأخر يعمل على الموديل ليصنع منه قطعة إروتيكية. وهناك من تأخذه انسيابية الخطوط والأقواس الليّنة في الجسد، وثمة من يعمل على الموديل ليلمس تنوع النعومة مع الخشونة في علاقة الموديل مع محيطه. قد تكون بعض هذه الأمور واردة في عملي، لكني كنت معظم الوقت، مهجوساً بفكرة أنني أمام الجمال، وأريد لهذا الجمال أن يأخذني تماماً، وأن يكون ملجئي من كم البشاعة المحيطة بي، وبكل سوري في السنوات الأخيرة. يضاف إلى ذلك، رغبتي في موضعة الأجساد في الفراغ، كي يعطي الجسد قيمة للفراغ، ويعطي الفراغ قيمة للجسد، وأن أوزع الضوء على الجسد، بطريقة تظهر سحر صمته.

> نشعر بالقسوة، أثناء النظر إلى الأجساد، كما لو أنها تنتمي إلى الطبيعة الصامتة نفسها التي اشتغلت عليها. ما تفسير ذلك؟

– لا يمكن أن يرسم الفنان شيئاً ولا يصل إلى عين المتلقي. لا غش في الفن. كل ما تهجس به، وكل حالتك وعواطفك وأنت تخط خطاً على السطح، سيصل إلى قلب المشاهد وعينه. الفتيات اللواتي رسمتهن، بعد اللحظات الأولى من الرسم، كنّ يغرقن تماما في تداعياتهن، وفي شروط حياتهن الخاصة، ويتحولن من كائنات حية نابضة بالحياة إلى صمت مطبق. هذا ما كان يصلني، بوعي أو بدون وعي مني، ما تسلل من وجوه الفتيات وأجسادهن، وغرقهن المضني في تداعيات شروط وجودهن. أحياناً كانت تأتيني فتاة مليئة بالطاقة والحيوية والحياة، وبعد دقائق، عندما تجلس أمامي، تتحول إلى كائن آخر منسوج من التفكير والصمت، وأكاد أشعر في أحيان كثيرة بالحسرة. كان ذلك، دون أدنى شك، يتسلل إلى قلبي وعقلي ورأس قلم الفحم الذي أرسم به.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بسمة قضماني: العالم ينتظر بديلاً عن الأسد.. وهذه مسؤولية المعارضة

      جنيف- محمد شيخ يوسف: قالت المتحدثة باسم المعارضة السورية في مفاوضات مؤتمر ...