يوم دمشقي

    لانا بدر

هي لحظات، تلك التي تضعكَ بين عالمين مختلفين كلياً وأنتَ تعبر الحاجز الذي يفصل جنوب دمشق عن شمالها. إنه حاجز الجيش النظامي المنصوب عند مدخل مخيم اليرموك، الذي يعتبر الطريق الوحيد يعبره الناس بين المناطق الواقعة في جنوب دمشق الخاضعة لسيطرة “الجيش الحر”، وقلب العاصمة الواقع تحت سيطرة قوات نظام الرئيس بشار الأسد.

هكذا تعيش دمشق اليوم ما لم يسبق أن اختبرته من متناقضات. الصورة اليوم، يمكن رصدها على الوجه الآتي: الطرق المكتظة بالمارة والسيارات، والشركات والمكاتب والدوائر الحكومية والأفران والمحال التجارية  والمقاهي، وحتى الأندية الرياضية التي لا تزال تستقبل روادها بالرغم من بعض الأحداث المتفرقّة التي تقع هنا وهناك. هذا في جهة، أما الجهة المقابلة ففيها الأبنية المهجورة والطرق المحفورة بقذائف الهاون والركام المنتشر في الشوارع والمحال المغلقة والمدارس المهدمة والبحث المحموم عن رغيف الخبز.

عالمان لا تفصلهما سوى أمتار معدودات.

قلب العاصمة

لا تزال الحياة تمضي بوقعها اليومي الاعتيادي هنا. الأفران تفتح أبوابها منذ الصباح المبكر لتستقبل طوابير الناس بالمئات، المشافي والمدارس والجامعات والأسواق تنبض بالحياة، والداوئر الحكومية تعمل كما من قبل، لم يتغير فيها سوى أسوارها التي ازدادت، والعناصر الأمنية التي انتشرت قربها تدقق في الداخل والخارج.

الطرق تزدحم بشكل لا يطاق في ساعة الذروة، ومع وجود الحواجز العسكرية والشوارع المقطوعة بالكتل الاسمنتية، قد يستغرق الوصول من ساحة الأمويين إلى ساحة باب توما أكثر من ساعتين في حال استخدام النقل العام، في حين يمكنك عبور هذه المسافة بأقل من ساعة سيراً على الأقدام.

تبقى عجلة الحياة الاقتصادية اليومية على حالها. فالعقود تُبرَم، والصفقات تُنجَز، والبضائع تشترى وتباع، على رغم غلاء الأسعار المتواصل وفقدان بعض السلع بين الفينة والآخرى. لا توقف هذا السير الدؤوب للحياة هنا سوى حوادث متفرقة، ازدادت في الآونة الأخيرة، من سيارات مفخخة أو عبوات ناسفة أو قذائف هاون عشوائية باتت تسقط حالياً بشكل شبه يومي هنا أو هناك في العاصمة.

ما إن يحل الليل حتى تهجع المدينة بأكملها، وتنصت إلى هدير ما يجري في أطراف العاصمة وريفها. فالطرق شبه مقفرة، والأسواق في معظمها مغلقة لا أثر للحياة فيها، لكأنها قد غدت مدينة للأشباح، ولصمتٍ لا يقطعه سوى هدير المدافع البعيدة وأزيز الرصاص، وأبواق سيارات الإسعاف.

جنوب دمشق

 في الأحياء الجنوبية من العاصمة وجه آخر للحياة. أبنية مهدمة مهجورة، دمار واسع، وحياة اقتصادية شبه معدومة منذ بدء الحصار. يكاد يقتصر المشهد على بسطات قليلة مبعثرة هنا وهناك، وقليل من المتاجر أخطأتها القذائف، وهي تعرض لمن بقي من سكان ما تبقى على رفوفها من بضائع دخلت منذ شهور، قبل الحصار.

تأقلم من بقي من السكان مع واقع جديد لم يكن متخيّلاً في بال أحد منهم في ما مضى. يستيقظون مع ساعات الفجر الأولى لتبدأ رحلة المعاناة اليومية. يصطفّون طوابير بالمئات على حاجز مخيم اليرموك، ليخرجوا الى الأحياء الآمنة حيث لا يزال متاحاً العمل والتكسّب أو الدراسة أو العلاج. لكن التموين وحده ليس متاحاً، إذ يحظر عناصر حاجز المخيم على كلّ عائلة أن تُدخل يومياً أكثر من ثمانية أرغفة من الخبز، والقليل القليل من المواد الغذائية.

مع عودة آخر الداخلين الى الأحياء الدمشقية الجنوبية عبر حاجز المخيم، ترتفع مظاهر الحياة من المكان، ويهجع الناس الى بيوتهم لا يخرجون منها الا للضرورة القصوى، حذراً من القصف، يجتمعون في الطبقات السفلى، على وقع مهرجان القتل اليومي، في انتظار صباح جديد عسى أن يكون مختلفاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...