الرئيسية / صفحات الناس / يَمرُ عُجباً*/ عزيز تبسي

يَمرُ عُجباً*/ عزيز تبسي

 

 

تقدموا بلباسهم الشتوي الثقيل، بأيديهم عبوات مياه الشرب وهواتف محمولة للتواصل مع أسرهم، ولتصوير الأماكن كنمط من تجميد التذكارات. تتصاعد أنفاسهم كبخار، وتخفت أصواتهم كأنها همس في آذان موتى توغلوا عميقاً في نومهم الثقيل. اقترب الرجل قبل ساحة السبع بحرات، مجللاً بمعطف رمادي طويل. متوسط القامة، تجاوز الستين، ذقنه خشنة كأنه لم يحلقها منذ أيام، يضغط بأصابع كفه الأيمن على كيس شفاف، ظهرت بداخله البطاقة الخضراء الدالة على سند الملكية (“الطابو”). همس في أذن العابر:

“أنت كمان رايح تتفقد دكانك؟”

“لا دكان عندي لأتفقده”.

“ليش رايح؟”

“رايح اتفقد حالي، يمكن نقص شي مني”

نظر في وجهه بجدية وهو ينطق العبارة، لم يتفاهما بهذه الكلمات التي تبدو غير واضحة، اقترب منه حتى لاصقه، كأنما وجد مرافقاً يمكنه الاطمئنان إليه ويحتمي به، في الوقت الذي كان العابر الآخر يبحث أيضاً عمن يحتمي به. لم يكن ينظر ليرى ما حوله كما يفعل الآخر. مال إلى الأمام كأنما يستعد للسجود، مما زاد في قصر قامته، واعتمد على مرافقه في تحديد المسار.

لم ير دكانه التي تحدث عنها وأشار إلى حدودها وما يجاورها في

“خان الصابون”. توقف طويلاً وتوقف قربه، استمع لكلماته الهاذية، ولم يرَ أثراً يدل عليها. أترى قال “وين الدكان؟” وهو يهز الورقة المغلفة بالسلوفان ويحركها للأعلى والأسفل.. لتأكيد يقينه من وجودها. لم يعد لهذه الأمكنة من أثر، إلا على الورق وفي الصور والذاكرة.

يأتي باعة أو تجار من بيوتهم البعيدة أو من مدن أخرى، ليتفقدوا حوانيتهم. يقرر عدد محدود منهم العودة إليها، أو يكتفون باتفاق مع ورشة حدادة لتصنع لها درابة جديدة، يحسبونها طريقة لتثبيت ملكيتها أو عقود إيجارها. لم يقتنع العدد الأكبر منهم بالعودة إليها لقناعتهم بعدم صلاحيتها، وحسابهم السريع لأكلاف ترميمها التي قد تتجاوز ثمنها، وليقينهم أنّ الترميم ليس عملاً فردياً، بل يحتاج مشاورة ومساهمة أصحاب المحلات الأخرى الذين غادر عدد غير قليل منهم إلى خارج المدينة أو خارج البلد، وبدءوا بتأسيس أعمال جديدة. أدرك الجميع حجم الكارثة التي اكتفى بعضهم بمعاينة القسم المرئي منها، وتغافل عن القسم اللامرئي الأشد كارثية: قساطل المياه، الصرف الصحي، شبكات الكهرباء والهاتف، وأساسات الأبنية التي أجهزت عليها تفجيرات في عمق الأرض، استُخدمت فيها مئات الأطنان من الديناميت، وأتت على أبنية شيدت وفق المناهج الحديثة للإنشاءات مثل السرايا الحكومي، القصر العدلي، غرفة الصناعة، فضلاً عن الأبنية التي أعيد ترميمها وفق المناهج ذاتها: مشفى الغرباء، خان الشونة..

إن شكلت أوابد مدينة تدمر “الوثنية” استفزازاً عقائدياً لأهل الديانات السماوية التوحيدية، فما الاستفزاز العقائدي الذي شكّله الجامع الأموي، الأثر العربي الأوضح وربما الوحيد في مدينة حلب؟

كل ما يُرى وما لا يُرى يؤكد على استحالة الترميم الذي يتطلب حلولاً تقارب الإعجاز الهندسي، فضلاً عن الميزانيات المالية العالية. فما حصل لم ينتج عن عملية هدم بأدوات حربية بدائية. التفجيرات والقصف بالبراميل والصواريخ، فتت الأحجار وأتى على الأسس المعمارية، وظهرت نتائجها على بعد كيلومتر أو أكثر من مركزها، حيث تحطم زجاج النوافذ وتساقطت الثريات، وحصلت انزياحات بتمديدات الصرف الصحي وقساطل المياه، ووصلت الأحجار المتطايرة إلى أحياء النيال والعزيزية والحميدية.

في الصباح يحضرون معهم “ترمس قهوة”، يتبادلون التحيات، ويجلسون على كراس خشبية عالية، يقاومون الصقيع بعباءات مبطنة بالفراء، يسردون الحكايات عن زمن مضى، ويعملون على استحضاره بكلام متوج بالأماني، ينتظرون قدوم الزبائن الذين تجمدوا في خرائب أخرى، بعدما عجزوا عن تأمين عباءات مبطنة بالفراء وصفيحة مازوت.

في حلب، يندرج ما حصل في عملية انتقال من الكارثة المعمارية إلى الكارثة العمرانية، حيث لم تعد الخيارات هي من نمط استبدال بساتين صبار بمجمع سكني، أو متنزه طبيعي بمجمع حكومي، أو كرم شاسع من دوالي العنب “الدوماني” بسجن.. تشير الخرائب إلى نية استبدال مدينة بمدينة أخرى

يتحاشى ذكر زمن هدم الأحياء والمدن، تذكّر وقت وضع حجرالأساس لبناء حي جديد، وزمن تدشينه. أمكنة صارت بلمحة عين طي الماضي. من الصعوبة التدرب على نسيانها. يندرج ما حصل في عملية انتقال من الكارثة المعمارية إلى الكارثة العمرانية، حيث لم تعد الخيارات من نمط استبدال بساتين صبار بمجمع سكني، أو متنزه طبيعي بمجمع حكومي، أو كرم شاسع من دوالي العنب “الدوماني” بسجن. تشير الخرائب إلى نية استبدال مدينة بمدينة أخرى.

لا يستطيع المرء تخمين الأسباب العميقة للكارثة العمرانية، هل يمكن ردها إلى عملية دموية لتصفية حساب مع التاريخ المعماري وعمقه العمراني، أم إلى ضرب من جنون حربي، مثقل بعماء سياسي وحضاري.

إن شكلت أوابد مدينة تدمر “الوثنية” استفزازاً عقائدياً، لأهل الديانات السماوية التوحيدية، تأخر لأكثر من ألفي سنة، فما الاستفزاز العقائدي الذي شكله الجامع الأموي، الأثر العربي الأوضح وربما الوحيد في مدينة حلب، وجامع ومدرسة السلطانية التي حملت سمات المرحلة الأيوبية، وجامع ومدرسة وتكية الخسروية الذي خططها المهندس سنان العظيم مستلهماً عمارة كنيسة آيا صوفيا التي شكلت مزيجاً معمارياً آسراً بين روح العمارتين البيزنطية والعثمانية، وجامعي شرف العائد للزمن المملوكي، وجامع إبشير باشا العثماني.. وكنائس الأربعين شهيد ومار آسيا الحكيم.. فضلاً عن أماكن لا دين لها، كالخانات التجارية والقيساريات الصناعية والحرفية، والحمامات والأسواق.

في الصباح يحضرون معهم “ترمس قهوة”، يتبادلون التحيات، ويجلسون على كراسٍ خشبية عالية، يقاومون الصقيع بعباءات مبطنة بالفراء، يسردون الحكايات عن زمن مضى، ويعملون على استحضاره بكلام متوج بالأماني

يمشون برؤوس مطرِقة بالأرض، خجلون من النظر في عيون بعضهم، يحاولون نسيان الوعود التي أطلقوها قبل سنوات بإسقاط جدار الخوف، أو تخفيض ارتفاعه الشاهق، بعدما انهارت الجدران فوقهم وفوق أولادهم النيام، وقد عجزت عن احتمال أطنان الديناميت، كما لم تحتمل آذان أهل الحكم، ما لا علاقة له بالديناميت والتفجيرات والسلاح: هتافات الحرية.

أربكته المرأة التي سألته وهو واقف أمام جامع الأطروش العائد إلى العهد المملوكي، يحدق في كتاب “معالم حلب الأثرية” للمؤرخ المعماري عبد الله حجار، ويحاول تبين الفروقات بين الصورة الملونة البهية لواجهة الجامع، وبين ما آلت إليه مئذنته المثمنة المتفردة بكونها ذات الشرفتين. “أنت من جماعة الترميم؟”، لم تنتظر إجابته، فتبعته بسؤال آخر “متى ستبدؤون الترميم؟”. رفع رأسه عن الكتاب “عما قريب إن شاء لله”، لم يستطع أن يقول لها كلاماً آخر. ينبغي زرع “أمل ما” في صدور الناس وإلا سيموتون قهراً. لم تنتظر منه كلاماً إضافياً، أكملت طريقها وهي تجر قدميها الخارجتين من شحاطة بلاستيك صغيرة الحجم، تبقي نصفهما على الإسفلت. التفت صاعداً نحو بوابة القلعة، ميمماً وجهته نحو الجامع الأموي، حيث تتأجج روح الهوية العربية كوشم لن يزول عن الوجه الدامي للمدينة.

* “يمر عجباً” عنوان موشح من كلمات الشاعر الدمشقي فخري البارودي ولحن الموسيقي الحلبي عمر البطش

* كاتب من سوريا

السفير العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القبور كأسلحة دمار شامل!/ أحمد عمر

  أمس، وقد نضج لحم التاريخ وعظمه على الجمر السوري، وهُوَ أَحَرُّ مِنْ جَمْرِ الغَضَا، ...