صفحات العالم

“الحرِّية” هي مجتمع لا يُنْتِج ظاهرة “مخلوف”!

 


جواد البشيتي

الشعب السوري “مع سائر الشعوب العربية” يريد “الحرِّية”؛ و”الحرِّية” إنَّما نميِّزها “معنىً ومفهوماً” من نقيضها “الاستبداد”، الذي هو، بشهادة التاريخ، أصل كل فساد. ولو كان لي أنْ أُعرِّف “الحرِّية” الآن “وبما تنطوي عليه “الآن” من معانٍ سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية” وفي سورية “وسائر البلاد العربية” لَقُلْتُ إنَّها المجتمع الذي لديه من القوى ما يسمح له بمنع “والاستمرار في منع” نشوء “أو وجود” ظاهرة كظاهرة “رامي مخلوف” بكل معانيها؛ فإنَّ مجتمعاً يُنْتِج، ويعيد إنتاج، ظاهرة “رامي مخلوف” لا يمكن أنْ يكون حُرَّاً “ولا يمكن أنْ يكون ديمقراطياً؛ مع أنَّنا لم نَعْرِف بعد من الديمقراطية، عالمياً، إلاَّ الديمقراطية التي يريدها، ويرضى عنها، النظام الرأسمالي”.

وظاهرة “رامي مخلوف” لا تعني أبداً “الثروة الضخمة “نحو 40 بليون دولار، على ما يَزْعُم بعض معارضي نظام الحكم السوري””، أو “النفوذ “السياسي، وغير السياسي” الضخم” المُكْتَسَب من هذه “الثروة الضخمة”؛ فالظاهرة بمعناها هذا إنَّما هي ظاهرة طبيعية عادية مألوفة “وحتمية” في كل مجتمع رأسمالي، ولو كان نظام الحكم فيه ديمقراطياً.

ظاهرة “رامي مخلوف” إنَّما تعني، في المقام الأوَّل، وعلى وجه الخصوص، “الأسلوب”، و”الطريقة”، و”الكيفية”؛ فإنَّ معناها الحقيقي نقف عليه إذا ما تحرَّيْنا الموضوعية والصدق في إجابة سؤال “مِن أين له هذا؟”، أي “مِن أين له كل هذه الثروة “ومِن أين له كل هذا النفوذ؟”؟”.

الظاهرة “رامي مخلوف “ابن خال الرئيس بشار الأسد”” إنَّما هي في أصلها التاريخي “شعار”، هو شعار “وحدة حرِّية اشتراكية”.

مِن رَحْم “الاشتراكية”، “اشتراكية” حزب “البعث” الذي استولى على السلطة من طريق الانقلاب العسكري، جاءت ظاهرة “رامي مخلوف”؛ فالقادة البعثيون العسكريون الذين أحكموا قبضتهم على السلطة في سورية أسَّسوا لظاهرة توسُّع وتنامي سلطة الدولة في الاقتصاد، مُسمِّين “القطاع العام”، والذي هو في بلادنا “رأسمالية الدولة” في أسوأ أشكالها وصورها، “القطاع الاشتراكي”؛ وقد ركَّزوا في هذا القطاع جزءاً عظيماً، متعاظِماً، من ثروة المجتمع.

ومِن هذا “القطاع الاشتراكي “البعثي””، المُقْتَرِن، وجوداً، بالاستبداد السياسي، وُلِدَ الفساد، ونما؛ واتُّخِذت السرقة والنهب وسيلة للثراء والكسب غير المشروعين “حتى وُفْق شريعة النظام الرأسمالي”.

وفي مناخ العولمة “الاقتصادية” الرأسمالية المحتوى والشكل “حتى الآن” اشتدت الحاجة إلى “تغيير” و”تطوير” العلاقة “القديمة” بين التُّجار وقادة “القطاع الخاص” من “الطائفة السنية “التي هي الأكثرية السكَّانية”” وبين أرباب السلطة “السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية” من “الطائفة العلوية”؛ فشرعت “العائلة الحاكمة”، التي انتقل إليها الحكم من الجيش الذي كان الحكم قد انتقل إليه من الحزب، تُفكِّك، وتبيع، “القطاع الاشتراكي “قطاع الدولة””، متَّخِذةً من رامي مخلوف “ابن خال الرئيس بشار وصديقه الحميم وابن جيله” ما يشبه “همزة الوصل” بينها “بصفة كونها مالك “القطاع العام” من قبل، وبائعه الآن” وبين المشتري من أرباب “القطاع الخاص”، وبعضهم من العرب والأجانب.

مِن سرقة ونهب “المال العام “ومنشآت ومؤسَّسات قطاع الدولة””، ومِن ابتزاز المال من المستثمرين السوريين والعرب والأجانب، بدأت ثروة العائلة تتراكم؛ ثمَّ أصبح للعائلة “وواجهتها رامي مخلوف” إمبراطورية مالية من تفكيك وبيع منشآت ومؤسَّسات “القطاع العام”.

“الواجهة” رامي مخلوف تلاعب، وتمادى في التلاعب، بالنظام القضائي لمصالحه الشخصية، واستخدم الأجهزة الأمنية لترويع خصومه ومنافسيه من رجال الأعمال؛ رَفَع الحصانة عن النائب رياض سيف، وسجنه سبع سنوات، لكونه تجرَّأ وسأل عن مخالفات شركة “سيرياتيل” التي يملكها “أو يدير رأسمالها الضخم الذي يملكه الرئيس بشار وشقيقه ماهر قائد الحرس الجمهوري، وقائد الفرقة الرابعة التي يعرفها أهل درعا على وجه الخصوص”. أسَّس شركة “شام القابضة”، ويملك الجزء الأكبر من أسهم بنك المشرق الاستثماري، وشركة “الكورنيش السياحية”، واستولى على وكالة “BMW”، مُلْزِماً وزارة الدفاع أنْ تشتري منه هذا النوع من السيَّارات للضباط المسرَّحين والمتقاعدين برتبة لواء وعميد.

وبعد اغتيال الحريري، حوَّل قسماً من أمواله إلى دولة خليجية، واشترى برجين، سجَّل أحدهما باسم زوجته، والآخر باسم أولاده؛ وهذا كلُّه إنَّما هو جزء من الإمبراطورية المالية للعائلة الحاكمة.

و”الحرِّية “الكلمة الثانية من شعار “البعث””” إنَّما تعني، بحسب “نظرية” رامي مخلوف، الذي يُوْصَف بأنَّه “مصرف” العائلة الحاكمة، اجتماع “الاستبداد السياسي” و”الحرِّية الاقتصادية”، أي حرِّية هذه العائلة في استثمار سلطانها السياسي والأمني بما يعود عليها بمزيد من الثروة والثراء؛ فحاكم مصرف العائلة رامي مخلوف يؤكِّد أنَّ الأولوية تبقى “ويجب أن تبقى” لما يسميه “الإصلاح الاقتصادي”، أي لكل “إصلاح اقتصادي” يوسِّع ويُقوِّي هذه الإمبراطورية؛ أمَّا “الإصلاح السياسي” فهو شَرٌّ ينبغي للعائلة الحاكمة اجتنابه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

ثمَّ بسط لنا رامي مخلوف معنى “الوحدة “الكلمة الأولى في الشعار نفسه””، وحدَّثنا عن أهميها قائلاً: “الاتِّحاد قوَّة”.

إنَّها ليست وحدة الشعب السوري، ولا وحدة الأُمَّة “ذات الرسالة الخالدة”؛ وإنَّما وحدة “العائلة الحاكمة” نفسها.

مخلوف اكتشف “نافعةً” في تلك “الضارة” المسمَّاة ثورة الشعب السوري على نظام الحكم الاستبدادي، فقال هذا “المُكْتَشِف”: “إنَّنا “أي العائلة الحاكمة” متَّحِدون الآن، وفي هذه الأزمة، أكثر من ذي قبل. على الرغم من أنَّ للأسد الكلمة النهائية فإنَّ السياسة تُصْنَع بقرار مشترَك. إنَّنا نؤمِن بأنَّ بقاءنا جميعاً مُتوقِّف على وحدتنا؛ لن نغادر، ولن نترك مَرْكبنا؛ ولسوف نقاتل حتى الرَّمق الأخير؛ وإنَّ لدينا كثيراً من المقاتلين”.

هذه هي “الوحدة” في أصدق وأنبل معانيها؛ إنَّها وحدة “النخبة الحاكمة” في مواجهة “الخطر الخارجي”، الذي هو “الشعب”!

مخلوف إنَّما يعبِّر عن المصالح الحقيقية للنخبة الحاكمة، ولا يجيد تغليفها، أو تغليف التعبير عنها، بمفردات وعبارات دبلوماسية، معتبِراً، من ثمَّ، أنَّ لإسرائيل “ولحلفائها في الغرب” مصلحة حقيقية وكبرى في بقاء نظام الحكم السوري، وفي بقائه آمناً مستقراً، فإطاحته، أو السعي في إطاحته، لن يأتي إلاَّ بما يعود بالضرر على أمن إسرائيل واستقرارها؛ فإمَّا بقاء هذه النخبة الحاكمة وإمَّا سيطرة “السلفيين”، وما أدراك ما “السلفيون”، على سورية، وجَعْل أمن واستقرار إسرائيل، من ثمَّ، عرضة لمخاطر جمَّة.

وهذا “التحذير” يُذكِّرنا بتحذير سيف الإسلام القذافي من مغبة سقوط نظام الحكم الليبي؛ فسقوطه، وعلى ما أوضح وأكَّد النجل الأكبر للعقيد، سيعود بالضرر على أمن واستقرار إسرائيل.

الشعب إنَّما يريد “الحرِّية”، التي هي مجتمع لا مكان فيه أبداً لظاهرة “رامي مخلوف”؛ فهل ذَنْب الشعب إذا ما نجح حاكمه في إقناعه بأنَّ إطاحة نظام الحكم، لا إصلاحه من الداخل، هي طريقه إلى “الحرِّية”؟!

العرب اليوم

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى