صفحات الثقافةمها حسن

أن تكون كاتباً سورياً…/ مها حسن

 

 

 

في الصباح، أقرأ «كونشرتو، مصائر الهولوكوست والنكبة» برأسين، رأس الكاتبة المهجوسة بفن الرواية عموماً، فأستمتع بما خطت يدا ربعي المدهون، وبرأس سوريّة منكوبة، تتماهى مع الرواية، وترى الزمن السوري المقبل متقاطعاً مع أحداث الشخصيات الفلسطينية التي غادرت فلسطين، وتعود لتعيش هذه الكوارث مع الاحتلال الإسرائيلي.

مساءً، أشاهد فيلم «ماء الفضة» الذي بثته قناة الآرت على شاشة التلفزيون، وأستغرق بجمال اللغة السينمائية، هذه الوصفة البارعة من الخوف والعنف على طبق لغة شعرية ليست جديدة على أسامة محمد، لكنها جديدة على سينما الثورة السورية، وأكاد أقول إن هذا الفيلم أجمل وأهمّ فيلم رأيته على الإطلاق، متحدثاً عن الثورة السورية.

بين الصباح والمساء من اليوم ذاته، قرأت رواية فندق بارون، لعبدو خليل، وأنهيتها في ساعة ونصف الساعة، خلال جلسة واحدة، كأنني سأموت قبل إنهاء الكثير من الأعمال حولي. كتبتُ مراجعتي عن الرواية، واقترحتُ على صاحبها محاورة أدبية..

بين الأوقات الثلاثة، أشتغل على روايتي، هذا المعنى الوجودي المكثّف بالنسبة لي، إذ: خُلقتُ لأروي، كما كتبت في (الراويات)، روايتي الأخيرة حتى الآن.

أنحت صورة إدوارد، الذي توصلت أخيراً إلى اسمه، وأراقب تطور شخصيته وتبلورها من يوم لآخر، كصائغ يشتغل على ماسة، أو نحّات يشتغل على تمثال.. في كل يوم، يأخذ إدواردي ملامح جديدة، وكما كتبتُ على صفحتي في الفيسبوك أثناء تدويني لهذا المقتطف الشاقولي: تشبه الكتابة الروائية عملية النحت.. وأنت تقلب في الشخصية: معالمها الشكلية، مزاجها، انفعالاتها، مخاوفها، أمراضها، تاريخها، أحلامها.. تتضح تدريجياً صورة الشخصية المبتغاة وتأخذ اسماً وربما اسم عائلة وتكاد تحمل سجل قيد مدني.. كأي كائن يأكل ويشرب ويتبول ويذهب ليدلي بصوته في الانتخابات.

الفيسبوك إذن!

منذ فترة، تم إعلان الفدرالية في شمال سوريا من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. وانهالت المعارك اللفظية بين السوريين. كسورية أولاً، معنية بمفاهيم النقد والحق والعدالة والجمال وكل هذه القيم الإنسانية، أجدني مجبرة على تجسير العلاقة بين العرب والكرد، كطرفين سوريين متعادلين تماماً بالنسبة لي.

البارحة، أوقفت السلطات البلجيكية الشخص الأكثر بحثاً عنه، صلاح عبد السلام، المتورط في اعتداءات الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر في باريس، وكفرنسية، أجدني مجبرة على الكلام عن هذا الحدث المهم.

قبل البارحة، كتبت مقالاً بالفرنسية عن اغتيال «داعش» للشاعر السوري بشير العاني وابنه في دير الزور، وكفرنسية أيضاً، توجهت بمقالي لقراء الفرنسية، الذين يجهل الكثيرون من شبابها، حقيقة «داعش»، وعنونت مقالي: الانضمام إلى «داعش» ليس نزهة.

أنا كاتبة. كاتبة أولاً، ولكنني وُلدت في سوريا، من عائلة كردية، وحصلت على الجنسية الفرنسية. عليّ إذن تتبّع كل ما يحدث حولي، عليّ إدانة تفجير استانبول الذي وقع منذ ساعتين من لحظة تدويني لهذا المقتطف الشاقولي. عليّ إدانة التوجهات العنصرية لأي سوري ضد سوري آخر، من دون أن أتورط بالانحياز إلاّ للضحية دائماً، للحق، للعدالة، كما أحاول..

أن تكون كاتباً سورياً، يعني أن تنقسم إلى عدة أشخاص يعملون في وقت واحد، يعني أن تتحدى الطبيعة، فتزوّد نفسك بأذرع إضافية، ورؤوس إضافية، مثل الكائنات الممسوخة ، لتلتحق بكل ما يحدث..

لا تملك ترف الكاتب الغربي المتأمل لروايته، الذي ينعزل عن العالم، في أي لحظة، ليكتب فقط. لا تملك ترف الكاتب العربي، غير السوري، المهموم بإدارة ندوات أدبية وحفلات توقيع ونشاطات أدبية بحتة، فبلدك تحت النار، وأنت تلهث لوضع كل ما حصلت عليه في حياتك من خبرات وأفكار وأحلام ومعرفة، في قلب هذه النار، محاولاً إضاءة شمعة صغيرة في عالم عنيف يتقاتل على جميع الجبهات.

فوق كل هذا، أن يكون هذا الكاتب امرأة. يحارب فوق حروب الكتّاب ضد الفساد والعنف والعنصرية والإقصاء… يحارب ضد قهر النساء.. أو تحارب من أجل النساء.

أنظر إلى نهاري الفائت قبل النوم، لأراني كائنا خرافيا بمئة ذراع ورأس، أكتب رواياتي، مقالاتي، أقرأ، أشاهد السينما، أقتنص لحظات بكائي وحزني، كامرأة تعيش فقداً استثنائياً، منذ تعرض بيتها للتدمير منذ ثلاثة شهور، تحت الحرب، ثم ذهبت أمها لتستلقي في مقبرة اضطرارية صنعها الأهالي في زمن الحرب.. أغمض عينيّ، لأجدني أنقّب تحت أنقاض بيتنا في حلب، لأعثر في كل غفوة على قطعة نسيتها من الذاكرة: معطفي الشاموا العسلي الذي اشتريته من أول (جمعية) قبضتها، حيث كنا نشكّل جمعيات من عدة أصدقاء، نجمع المال، ليحصل عليه أحدنا في كل شهر، حقيبتي الصوف الزرقاء التي حاكتها صديقتي منار وعليها صورة غزال سماوي اللون، شهادة تخرجي من الجامعة، صورة أبي… وكثير من المفاجآت، أجمعها في كل يوم، لأنسقّها في كتابي المقبل، ثم أصحو لأعود إلى رواية ربعي المدهون، لأجد مصير السوريين، منتظراً لسنوات مقبلة، ليشبه مصير أبطال كونشيرتو المدهون، ننوس مثلهم بين الهولوكوست والنكبة، ونسبح في سينما أسامة محمد، في ماء فضته الساحرة… بين السينما والرواية والحرب، على أحدنا، حين يكون سورياً، الإمساك برأسه جيداً حتى لا يفقد عقله، حين يكون أحدنا كاتبا سوريا، حين يكون كاتباً سورياً من أصل كردي، حين يكون كاتباً سوريا من أصل كردي وامرأةً.. حين يكون امرأة.. امرأة تعيش في فرنسا، تتحدث الفرنسية والكردية والعربية، تتمسك بمبدئها الناقد لكل شيء، تراجع في كل صباح ذاتها وكتابتها، كما تراجع كل ما خلقه الرب من حروب وحلول لتلك الحروب…

ها أنا أغرق في القدس ويافا وحيفا مع أبطال المدهون، وأغرق في باريس وحمص مع فيلم أسامة محمد، ثم أفيق على صوت أمي مقبلا من حلب: حاج تبكي، خنقتيني!

كاتبة سورية ـ فرنسا

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى