الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدرالدين عرودكي / إسقاط الجنسية: الدلالة الرمزية والغاية السياسية/ بدر الدين عرودكي

إسقاط الجنسية: الدلالة الرمزية والغاية السياسية/ بدر الدين عرودكي

 

 

كان من بعض «منجزات» العملية الإرهابية التي قام بها «تنظيم الدولة» بباريس يوم 13 تشرين الثاني الماضي المباشرة نجاح اليمين المتطرف في فرنسا في الجولة الأولى من الانتخابات الإقليمية أو الجهوية نجاحاً قرع أجراس الخطر على اليمين التقليدي واليسار معاً وأدى إلى استنفارهما لقطع الطريق أمام تقدّمه والحيلولة دون تأكيد هذا النجاح في الجولة الثانية والأخيرة. لكن إنجازاً آخر سرعان ما تجلى في استحواذ رهاب الإسلام وهاجس الحلول الأمنية ذات الطابع العنصري على عقول عددٍ من السياسيين الفرنسيين لم يكونوا جميعاً بالضرورة من اليمين المتطرف.

صحيح أنهم أدركوا الهدف الأول المنشود من هذه العملية الإرهابية غير المسبوقة في طبيعتها وفي طريقة وأمكنة تنفيذها، فجاءت أولى تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وسواهما من مسؤولي الحكومة الفرنسية تؤكد على ضرورة الفصل في الحكم على هذه الجريمة بين منظمي العملية الإرهابية ومرتكبيها التسعة الذين كانوا جميعاً من الفرنسيين أو البلجيكيين المسلمين ذوي الأصول العربية، وبين الإسلام والمسلمين عموماً ولاسيما في فرنسا. لكن ما تلا من خطوات عملية كان أقرب إلى المناورات السياسية في مجمله منه إلى المعالجة الفعلية لجذور المشكلة التي طرحتها العمليات الإرهابية المتتالية في فرنسا.

فقد اتخذت مجموعة من الإجراءات الضرورية والملحة، الحربية (في إطار الحرب ضد «تنظيم الدولة») والأمنية بحثاً عن هويات منفذي العملية ولتعزيز استباق أي عمل إرهابي يمكن أن يتم تنفيذه في المستقبل. لكن المزاودات السياسية التي أطلقها في هذا المجال مرشحو الجبهة الوطنية وعلى رأسهم ماري لوبان، حملت القوى الأخرى من اليمين التقليدي (حزب الجمهورية برئاسة نيكولا ساركوزي) واليسار الحاكم على دخول حلبة المزاودة أيضا. إذ عبَّرَ رئيس الجمهورية عن إرادته تقديم مشروع لتعديل الدستور كي يسمح للمشرع تعديل نظام إسقاط الجنسية الفرنسية بحيث لا يقتصر على مزدوجي الجنسية غير المولودين في فرنسا بل يتيح أيضاً تطبيق هذه العقوبة على كل شخص ولد فرنسياً ويحمل جنسية أخرى إذا ما حكم عليه لارتكابه «جريمة تؤلف مسّاً خطيراً بحياة الأمة». يعني ذلك كل شخص ولد لأب فرنسي، أو ولد في فرنسا لأبٍ ولد هو الآخر في فرنسا أياً كانت جنسيته أو لأب ولد في الجزائر قبل 3 تموز 1962، أي تاريخ اعتراف فرنسا باستقلال الجزائر. وقد أكد رئيس الجمهورية على إرادته هذه حين تقديمه تهانيه للفرنسيين بمناسبة العام الجديد. ولم يتأخر الفرنسيون في التعبير عن موافقتهم في استفتاء أجريَ لهذا الغرض على المشروع بنسبة تعادل 90 ٪ !

كان لابد لهذا المشروع الذي سيناقشه البرلمان الفرنسي قريباً من أن يثير موجة من الارتباك لدى الاشتراكيين أنفسهم وأولهم وزيرة العدل، كريستيان توبيرا، التي عبرت صراحة عن قناعتها بأن «إسقاط الجنسية ليس مرجوّاً» تطبيقه على الفرنسيين الحاملين لجنسية أخرى. وعلى أنها خففت فيما بعد من وطأة تصريحها المعارض لرئيس الدولة باعتبار أن الكلمة الأولى والأخيرة له، إلا أن مانويل فالس، رئيس الوزراء الفرنسي نفسه الذي دافع عن المشروع ،صرح، من جانبه، بما يمكن اعتباره تفريغاً للمشروع من كل نتائجه المرجوة: «نحن في مواجهة إرهاب خاص يقوم به انتحاريون (…) يقتلون أنفسهم ويقتلون للأسف بشراً من حولهم. إذن، لابد من أن يكونوا حاملين لجنسيتين، ثم يجب أن يكونوا أحياء، وأن يحكم عليهم وأن يُدانوا وأن يُعاقبوا بهذا العقاب. من الواضح إذن أنه لن يكون لدينا منهم كثيراً قبل زمن طويل»!

ثم لا يتوانى عن الردِّ على التأويل القائل إن هذا المشروع الذي قدم بوصفه أداة للنضال ضد الإرهاب سيعني كسر مبدأين معاً: مبدأ الجنسية القائم على ما يسمى حق مكان الولادة ومبدأ المساواة بين المواطنين، ويأسف للسجال حوله لأنه «إجراء ذو دلالة رمزية كبرى» و»لا يمسّ حق مكان الولادة ولا ازدواج الجنسية». سوى أن موضوع النقد لا ينصبُّ، كما أراد لنا أن نفهم، على مسّ المشروع بحق مكان الولادة أو ازدواج الجنسية بل على أنه يمسّ المعنيين بالأمر ممن ولد فرنسيا ويحمل جنسية أخرى، دون سواهم من المواطنين الفرنسيين، وهو ما حمل عدداً كبيراً من نواب اليسار على اختلاف انتماءاتهم على نقد المشروع قبل بدء مناقشته رسمياً في البرلمان.

ذلك أن المسألة شئنا أم أبينا مسألة مبدأين دستوريّيْن. الأول يتمثل في أن حق الجنسية هو «حق كل فرد، ولا يمكن لأي شخص أن يحرم من جنسيته» حسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ والثاني هو مبدأ المساواة الدستوري بين المواطنين الذين يحملون الجنسية ذاتها.

من الواضح أن المشروع والنقاش الذي تلاه يُثار لغايات سياسية قد تكون، لو شئنا استعارة تعبير رئيس الوزراء الفرنسي، ذات دلالة رمزية قوية. إذ ما الذي يحمل رئيس السلطة التنفيذية في فرنسا على تقديم مشروع تعديل الدستور في الوقت الذي يقدم له القانون المدني الفرنسي الغرض المنشود أصلاً، كما كتب شارل براتس متحدّياً؟

ذلك أنه لا يمكن تجاهل المادة 23 ـ 8 من القانون المدني الفرنسي التي تنص على أنه «يفقد الجنسية الفرنسية الفرنسيُّ الذي، وهو يشغل وظيفة في الجيش أو في مصلحة عامة أجنبية أو في منظمة دولية لا تؤلف فرنسا جزءاً منها أو بصورة أعم يقدم لها المساعدة، لم يتخلَّ عن وظيفته أو يكفَّ عن تقديم المساعدة لها على الرغم من الأمر الذي وجهته له الحكومة (…)».

والذين يمكن أن يعترضوا على أن المشروع يستهدف بالدرجة الأولى داعش أو «الدولة الإسلامية» التي لا يمكن اعتبارها دولة أو منظمة دولية كما هو نص المادة المذكورة، فإن القانون الحربي يقدم تعريفاً يمكن أن يشملها وذلك تطبيقاً للمادة 43 من البروتوكول 1 لعام 1977 المضاف إلى اتفاقيات جنيف عام 1949 التي تنص على أن «تتألف القوى الحربية لأحد أطراف الصراع من كل القوى وكل الجماعات وكل الوحدات العسكرية والمنظمة الموضوعة تحت قيادة مسؤولة عن سلوك تابعيها أمام هذا الطرف، حتى ولو كان هذا الطرف ممثلاً بحكومة أو بسلطة غير معترف بها من قبل الطرف الآخر». تسمح هذه النصوص لأي حكومة سحب الجنسية من أي فرنسي «خائن لبلده» كما قال الصحافي والسياسي لوران دو بواسيو. وبالتالي، يمكن لسحب الجنسية من أي جهادي فرنسي منخرط لدى «الدولة الإسلامية»، سواء أكان مزدوج الجنسية أم لا، أن يتم في خمسة عشر يوماً تطبيقاً للمادة 60 من المرسوم 93 ـ 62 الصادر في 30 أيلول 1993.

من الواضح أن اللجوء إلى تطبيق المواد السابقة بدلاً من العمل على تعديل الدستور للغرض نفسه يحول دون التمييز بين المواطنين أمام القانون لأي سبب كان، ودون كل ما يمكن أن ينتج عن ذلك من مشكلات اجتماعية وثقافية بل وأمنية. قد يكون مشروعاً، كما أشار المجلس الدستوري الفرنسي، بالنسبة للدولة التي تواجه إرهابياً أو خائناً لوطنه، أن تكون أشد قسوة في معاملتها لمن منحته الجنسية الفرنسية منها في معاملتها مع آخر ولد فرنسياً.

لكن للسياسة، كما يبدو، أغراضها، لاسيما وأن فرنسا تقترب حثيثاً من موعد الانتخابات الرئاسية والنيابية التي ستليها، والتي لا يزال اليمين المتطرف يهدد القوى الديمقراطية فيها بإمكان مواجهتها في الجولة الثانية من السباق القادم.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...