الرئيسية / صفحات الثقافة / الاسْتِهْتارُ بالشِّعْر في المغرب وادِّعاءُ المَعْرِفَة به/ صلاح بوسريف

الاسْتِهْتارُ بالشِّعْر في المغرب وادِّعاءُ المَعْرِفَة به/ صلاح بوسريف

 

 

لا أمْلِكُ رُؤْيَةً واضِحَةً عن الشِّعر في المغرب، ولا أسْتَطِيع أن أُدْلِي برأْيٍ حاسِمٍ فيه، أو أطْلِقَ أحْكاماً عامَّة، فيها تَمَحُّلٌ، وتَدْلِيسٌ على هذا الشِّعْر، لأنَّنِي أحْتاجُ إلى مُرافَقَةٍ دائِمَة للنُّصُوص، وإلى المَعْرِفَة بِها، من خلال الإنْصاتِ إلَيْها، وتأمُّلِها، قراءَةً وتَحْليلاً، وهذا غَيْر مُتاح لِي، بالصُّورَة التي أرْغَبُ فيها، لِما يأْخُذُنِي من انْشِغالاتٍ، فيها أُحاوِل تَحْيين معرفَتِي بالشِّعْر، وكتابته، وفق مفهومي لـ«حداثة الكتابة»، التي هي تَجاوُز لـ «حداثة القصيدة»، وخُروج منها.

كانَ هذا جَوابِي عن سؤالٍ، واجَهَنِي به صحافِيّ، كان يُجْرِي اسْتِطْلاعاً عن الشِّعْر في العالَم العَرَبِيّ، واقْتَرَح أنْ أكُونَ أنا من يتكلَّم عن الشِّعر في المغرب، باعْتِبار معرفَتِي به، وأحَد الذين عايَشُوا هذا الشِّعْر، منذ أكثر من أربعة عُقُود، كما حاوَل أنْ يُقْنِعَنِي، أو يَدْفَعَنِي للإدْلاءِ برأيِي.

امْتَنَعْتُ، وحاوَلْتُ بدَوْرِي أنْ أُقْنِعَ الصَّحافِيّ، أنَّ كُلّ كَلامٍ عن الشِّعْر، في المغربِ، أو في غيره من جُغْرافِياتِ العالَم العَرَبِيّ، بنوعٍ من التَّعْمِيم، هو مَسٌّ بهذا الشِّعْر، وجَهْلٌ به، لأنَّ المَعْرِفَةَ بالشِّعْر، تَحْتاجُ إلى المَعْرِفَةِ، أوّلاً، بأدواتِ قراءتِه، وبما يُمْكِن أن نذْهَب إليه من مَعارِف، ومن مناهِج، ومفاهِيم، تَكُونُ في جَوْهَرِها، بتعبير هايدغر، طرقاً، تَسْمَحُ لَنا بِتَلمُّسِ أراضِي الشِّعْر، أي بِما يُشْبِه عَمَل الطُوبوغرافِيّ، الذي يَجُسُّ التُّرْبَة، قَبْل الشُّرُوع في البِناء، أو في وَضْعِ الأساساتِ، وأيْضاً، أنْ نملِك ما يكفي من الوَعْيِ النَّقْدِيّ، لِمُراجَعَةِ هذه الأدواتِ وتَفْكِيكِها، حتَّى لا تكونَ قراءَتُنا للنَّصِّ، عَمْياءَ، يَشُوبُها الظَّلام، ويَطْغَى عليها.

ــ لَكِن، أستاذ صلاح، هذا اسْتِطْلاع صحافِيّ، وطبيعة الاسْتِطلاع، تَقْتَضِي أن تقولُ الأمُور إجْمالاً، لأنَّك تُخاطِب قُرَّاء يرغبون في مَعْرِفَة هذا الشِّعْر، ممن لهُم دِرايَةً به.

ــ اسْمَحْ لي، سيدي، قد أدْلِي برأيِي، لَكِن حول تَجارِب، وأعْمال شعريَة، بِعَيْنِها، لا حَوْلَ خمسين سَنةً من هذا الشِّعْر، إذا ما كانَ الأمْرُ يتعلَّقُ فَقَط بالشِّعْر المُعاصِر، أمَّا إذا وَسَّعْتَ أكْثَر، فهذا سيكُون مُعْضِلَةً بالنِّسْبَةِ لي، كما لِغَيْرِي من الباحِثِين في هذا الشِّعْر. فإذا كُنْتُ عرَفْتُ شِعْر الستينيات والسبعينياتِ والثمانِينياتِ التي أنا واحِد من جِيلها، بِما يُمْكِن أن يَكونَ نوعاً من المُتابَعَة والقراءة والتَّأمّل والإنْصاتِ، وحتَّى الكتابة، فما تَلا هذه الحِقَب، أَعْرِفُه، لَكِن بنوعٍ من الالْتِباسِ، وضَبابِيَة الرُّؤيَة، السَّبَبُ، هو أنَّ أغْلَبُ أفراد هذه الأجيال اللاحِقَة، ما زَالُوا لَمْ يُراكِمُوا ما يَكْفِي من نُصُوص، وما زَالتْ هذه النُّصُوص، لَمْ تَسْتَوْفِ، بالنِّسْبَةِ لِي شَرْطَها الشِّعْرِي، رَغْمَ أنَّ في هذه الكِتاباتِ ما يَهْجِسُ بالتَّمَيُّز، والإقامَة في الشِّعْر. ما أعْنِيه بالإقامَة في الشِّعْر، أنَّ الشّآعِر يَخُوضُ أُفُقَ تجربة، لَها شَرْطُها الشِّعْرِي الذي هو شَرْطُ البناء، وما أعْتَبِرُه، أخلاق الشِّعْر، التي تتكشَّفُ في الجَمْرَة التي يُمْسِكُ بها الشَّاعِر، ويَحْرِصُ على تَوَهُّجِها. وهذا لا يُمْكِنُك أن تَجِدَهُ عند بعض الذين يَكْتُبون من دون أفُق، ومن دون بناء، ورُبَّما هُم جاهِلون بهذا البِناء، ومن دون أخلاق الشِّعْر، وفق ما عَنَيْتُه بهذا المفهوم، الذي أكَّد عليه ميشونيك كثيراً في كتابه «احْتِفاء بالشِّعر».

فأنا لَسْتُ ناطِقاً باسم هذا الشِّعْر ولن أكُونَ. وهذه هي مُعْضِلَةُ بعض الذين لَمْ يكتُبُوا بعد جملتَهُم الشِّعْرِيَة الأولى، وأصْبَحُوا يتكلَّمُون باسْم الجميع، ويُطْلِقُون الكَلام بنوع من الطَّيْش، وما يقولونَه، هو كلام، لا علاقَةَ له بما يجري في الشِّعْر المغربي، بدليل أنَّ أغلب النماذج التي يَكْتُبُون عنها، هي نماذج لشُعراء، تجاربهم تقليدية، أو انْقَطَعَتْ عن الإضافَة، منذ زمن طويل. فأنا لا أستطيع أنْ أتمثَّل الشِّعْر بهذه الصُّورَة، ولا أن أُزَوِّرَه، أو أُقَدِّمَه خالِياً من نصوصِه وتجاربِه، عِلْما بأنَّنِي أصْبَحْتُ انْتِقائِياً في قراءَتِي للشِّعْر، وَمَنْ أقْرأ لَهُم، هُم مَنْ يَفْرِضُون عَلَيَّ شِعْرَهُم، بِما فيه من جُهْدٍ وجِدّ وَمَسْؤولِيَة، وبما أتَلَمَّسُه في تجارِبِهِم من أخلاق الشِّعْر، التي هي ذلك الاحْتراق الدَّاخِلِيّ، الذي يُشْعِل في اللُّغَة وَهْجَ الشِّعْرِيَة، ويُضْفِي عليها ماءَها، وهؤلاء شُعراء يوجَدُون بالفِعْل لا بالقُوَّةِ، أعْنِي قوَّة الإعْلام وتَملُّق الشُّعراء بالكتابة عنهم، من دون أن تكون للقراءة استراتيجية واضحة، سوى التَّملُّق والتَّزلُّف للمشارقة، كما لبعض المغاربة.

الشِّعْر، يَحْتاجُ مِنَّا أنْ نُثَمِّنَه، بالإنْصاتِ إليه، وبالتَّواضُعِ أمامَه، وبقراءتِه من دون أحْقادٍ، أو مُزايداتٍ لا علاقةَ لها لا بالشِّعْر ولا بالمعرفة الشِّعْرِيَة، التي هي بَحْثٌ دائمٌ وتعلُّمٌ لا ينقَطِع. فأنْ ندَّعِي أنَّنا نتكلَّم باسْم هذا الشِّعر، وأنْ نُزَوِّر أحْكامَهُ، وندَّعِي الحَسْمَ فيه، فهذا يَقْتَضِي أن نجمع نصوص هذا الشِّعْر، ونتوفَّر عليها كامِلَةً، وهذا غير ممكن، وأيضاً، أنْ نقرأ الشَّاعِرَ الواحِد في مجموع أعمالِه التي صَدَرَتْ له، وهذا أيْضاً غير مُتاح، إلاَّ بصورة جزئية، لأنَّ أغلب شعراء الأجيال الشِّعرية الثلاثة الأولى من المُعاصرين، لم تصدر لهُم الأعمال الشِّعرية «كامِلَةً»، ناهيك عمَّن ما زالُوا يكْتُبون ويَحْرِصُون على الكِتابَة بمسؤولية وبعُمْق وتميُّز. ثانِياَ، علينا أنْ نقرأ بانْتِباهٍ، وبتأنٍّ ومعرفة، وتفكيك، الدراسات التي أُنْجِزَتْ حول هذا الشِّعْر، ما كَتَبَه محمد بنيس، وعبدالله راجع، والراحل محمد الماكري، وعزيز الحسيني، ومصطفى الشليح، والراحل محمد بنعمارة، وأحمد آيت وارهام، وغير هؤلاء، ممن لا أستطيع الاسترسال في ذكر أسمائهم، ولا في ذكر أعمالهم. لكن، الأهمّ، والأخْطَر من هذا، ما سأصوغُه في شكل سؤال، كالآتي:

ــ هل نقرأ الشِّعْر، أو ندَّعِي أنَّنا نقرأه، من دون انْتِقاء، ومن دون استراتيجية واضحة، أعني، هل كُل ما نجده أَمَامَنا من «شعر» موزون مقفَّى، أو حتَّى «منثور»، قابل أنْ يَكُون مادةً للقراءة، أم الأمْر يَحْتاجُ لانْتِقاء، من حيثُ ما تُتِيحُه هذه النصوص نفسها، من إضافاتٍ، ومن «قيمة» شعرية، بتعبير ميشونِيك، أي بما يُساعِدُ على وَضْعِ هذا الشِّعْر في سياقه الحداثِيّ، أمْ أنَّ «المُعاصِر»، يعْمِينا عن بحث «القيمة»، وعن تمْييز الذَّهب من التَّنَكِ، أو الدّرّ من الحَصَى، بتعبير حازم القرطاجني؟

ولعلَّ المُعْضِلَةَ الكبرى، هي، ليستْ أنْ نقرأ، بل ماذا نقرأ، وكيف نقرأ، ولِماذا نقرأ. فحين لا نكون بهذا المعْنَى، أو في سياقِه، فنحن نَجْنِي على الشِّعْر، نُتْلِفُه، وندَّعِي أنَّنا مَلَكْنا زِمامَه، في حِين أنَّ مشكلَتَنا، هي أنَّنا نقرأ الشِّعْر بلغة الدِّين، وبلغة الفُقهاء، أعني بلغةٍ لا ماءَ، ولا هواءَ فيها. ومن شاء، فليتأكَّد، من بعض ما صَدَر من قراءاتٍ، المسافَةُ فيها بين النُّصوص، والإطْراء، هي مسافَةُ السَّماء مع الأرض.

شاعر مغربي

القدس العربي

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

19 − = 18

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...