الرئيسية / صفحات الحوار / الباحثة التونسية في قضايا الفكر الإسلامي امل قرامي: العنف الطائفي ليس إلا جزءا من ظاهرة العنف الكونية

الباحثة التونسية في قضايا الفكر الإسلامي امل قرامي: العنف الطائفي ليس إلا جزءا من ظاهرة العنف الكونية

 

 

روعة قاسم

تونس ـ «القدس العربي»:ترى الباحثة التونسية في قضايا الفكر الإسلامي وأستاذة التعليم العالي في كلية الآداب والفنون والإنسانيات في منوبة امل قرامي ان المسار الانتقالي التونسي كشف عن تحولات كبرى شملت البنى الذهنية والسياسية والاجتماعية والثقافية. مشيرة إلى ان جائزة نوبل للسلام جاءت لتكلل كل هذه الجهود التي بذلت من أجل حماية المسار الانتقالي. وأضافت في حديثها لـ «القدس العربي» ان صراع الأجيال جعل الفجوة تتسع بين الشيوخ والكهول الذين سيطروا على المشهد السياسي في تونس. وقالت ان الغموض يكتنف دواعي التدخل الغربي في العالم العربي وهذا الأمر يحتم على أبناء المنطقة أن يكثفوا جهودهم من أجل التنسيق وإدارة الأزمات والاستعداد لاحتمالات متعددة. يشار إلى ان قرامي لديها عديد من المؤلفات في قضايا الفكر الإسلامي من أهمها:»فكر الاختلاف في تجلياته المختلفة: الديني والجنسي والعرقي والثقافي»و»قضيّة الردّة في الفكر الإسلامي الحديث» وغيرها.

○ كيف تنظرين إلى التغيرات التي تشهدها المنطقة العربية وهل نحن أمام شرق أوسط جديد وفوضى خلاقة أم مخاض للديمقراطية؟

  • نحن أمام هيمنة قوى كبرى تملك وسائل التسلط والنفوذ وتمارس كل الضغط والترهيب من أجل الحفاظ على مصالحها حتى وإن اقتضى الأمر مصادرة حق الشعوب في تقرير مصيرها ومخالفة كل المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية. وما نشهده اليوم من صراعات تدار بما أفرزته العولمة من آليات وتصورات يتطلب تغيير المناظير ومناهج التحليل. فمقولات الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة ما عادت كافية لتحليل ما يقع على أرض الواقع، يكفي أن نشير إلى أنّ ظهور روسيا لاعبا رئيسيا في سوريا ومن ثم في المنطقة قلب موازين القوى وفاجأ المحللين. إنّها تغييرات عنيفة تعرّي الأنظمة التي كانت تدعي امتثالها للمعايير الإنسانية ودفاعها عن منظومة حقوقية وتفضح في الآن نفسه الإفلاس الأخلاقي والخواء القيمي. ويتضح أنّ المشهد السياسي بات أكثر تعقيدا وتشابكا تكثر فيه الأحداث إلى درجة أنّه يصعب التكهن أو توقع ما سيحدث في اللاحق من الأيام ولذلك فإنّ الغموض يكتنف دواعي التدخل الغربي في المنطقة لاسيما وأن الحرب الإعلامية تقاد بحرفية بالغة.

○ كيف سنعكس التنافس الروسي الأمريكي على المنطقة؟

  • أعتقد أنّ من المهم بمكان التأقلم مع الأحداث الأخيرة ليس من موقع التسليم بوجود فاعل قديم/جديد حل في المنطقة في ثوب جديد وإنّما من موقع اليقظة والمراقبة. فهل إنّ غاية روسيا تخليص المنطقة من خطر داعش ودعم النظام السوري، أم أنّ لروسيا مصالح أخرى تغيب عن المشهد الآني ولن نتفطن لها إلا بعد فوات الأوان؟ وأعتقد أنّه حري بأبناء المنطقة أن يكثفوا جهودهم من أجل التنسيق وإدارة الأزمات والاستعداد لاحتمالات متعددة. فدراسات المستقبل تعلمنا أنّه يجب الانفتاح على قراءة أكثر من سيناريو لمستقبل المنطقة والاستعداد لما سيترتب عنه من نتائج. وليس بإمكان المحللين إلا الترجيح والتوقع النسبي، إذ ما عاد بالإمكان إدعاء القدرة على التكهن بمستقبل المنطقة لأننا لا نملك كل المعطيات ولا نمسك بخيوط اللعبة.

○ في رأيك ما أسباب تفشي العنف الطائفي في العالم العربي وكيف السبيل لمواجهة ذلك؟

  • ظاهرة العنف كونية واستشراء أشكال من العنف في المنطقة يعود إلى عدة أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها. ومعنى هذا أنّ العنف الطائفي ليس إلا جزءا من هذه الظاهرة المعقدة. وأعتقد أنّ منسوب العنف ارتفع بسبب إنحسار الهويات والمخاوف التي تستبد بالطوائف وتجعل الأفراد حبيسي الذاكرة الجريحة، فرؤيتهم للحاضر وتصورهم لإدارة الأزمات تبقى محكومة بلحظات الانكسار والضعف. والحال أنّ تاريخ النهضة أبان عن تحقق مقولة العيش معا، يكفي أن نتذكر قسطنطين زريق وشبلي شميل وفرح أنطون وليلى مراد وسيزا نبراوي ومي زيادة لنقر بأنّ هذه النهضة هي وليدة إسهامات الجميع من المسيحيين بطوائفهم المختلفة والمسلمين واليهود الذين أحبوا مجتمعاتهم وآمنوا بضرورة النهوض بها وتجاوزوا عقدة الانتماء الضيق والتقوقع على الذوات ومراعاة المصالح الخاصة. إنّنا بحاجة إلى تعزيز مشاعر الوطنية وتربية الناشئة على مبادئ العيش معا وتطهير النفوس من داء التمركز على الذات وإعادة النظر في المنظومة السياسية والأخلاقية والتربوية حتى يدرك المواطن/ة أنّ قضية الطائفية لا تخدم إلا الآخر المقوض لسلامة الشعوب والراغب في مصادرة حقها في العيش الكريم وحتى يتأنسن الإنسان في ربوع أوطاننا لابد من لحظة صدق مع الذات وإصرار على تجاوز العقبات.

○ بالنسبة للوضع في تونس ما رأيكم اليوم في مسيرة الإنتقال الديمقراطي وما هي أبرز الصعوبات التي تواجهه؟

  • هو مسار ديناميكي تأرجح بين مدّ وجزر عشنا فيه لحظات حبلى بالأمل وأخرى اتسمت بالإحباط ولكنّ المجتمع بجميع شرائحه المؤمنة بالتغيير أراد الخروج من أزماته المتعددة فصمم وأنجز. وفي مقابل هذا المجتمع المدني القوي الذي صمّم على كسب المعركة بدت الحكومات المتعاقبة مترددة غير قادرة على الحسم في ملفات كبرى كالفساد والإرهاب والعنف السياسي والسيطرة على المساجد والتعامل مع بلدان الجوار، وهو أمر راجع في تقديري إلى غياب النضج السياسي والتجربة التي تمكن المسؤولين من تجاوز خلافاتهم وحساباتهم الخاصة في سبيل خدمة البلاد. لقد أبان المسار الإنتقالي عن تحولات كبرى شملت البنى الذهنية والسياسية والاجتماعية والثقافية، كما أنّه مكّن التونسيين من معرفة ذواتهم والتعبير عن مواقفهم وتصوراتهم بنسب مختلفة، فلا غرابة أن تأتي جائزة نوبل للسلام مكللة لكل هذه الجهود التي بذلت من أجل حماية المسار الإنتقالي من جهة، والدفع نحو إصلاحات من جهة أخرى. وككل تجربة إنتقال لابد من الصبر والأناة، فالمسار في بدايته وعلينا أن نكون متحلين بمجموعة من الصفات كالوطنية والعزم والإصرار واليقظة وغيرها حتى نواصل البناء. أمّا عن الصعوبات التي ما زالت تعترض مسار الإنتقال الديمقراطي فتكمن في صراع الأجيال الذي يجعل الفجوة تتسع بين الشيوخ والكهول الذين سيطروا على المشهد السياسي والشبان الذين يشعر أغلبهم بالتهميش والإقصاء. فبالرغم من جهود النساء من أجل المشاركة الفعليّة في العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلا أنّ الاعتراف بمواطنتهن الكاملة يبقى محدودا جدّا لغياب الإرادة السياسية على تطبيق ما جاء من مواد دستورية تنص على المساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة من جهة، ولسيطرة قيم المجتمع البطريركي، من جهة أخرى. يضاف إلى كلّ ذلك عدم إرتقاء الأحزاب الحاكمة بالفعل السياسي وسقوطها في حرب الذوات والمصالح الحزبية وهو أمر سيعرقل جهود الإصلاح وسيجعل العمل السياسي أكثر تعقيدا وعنفا.

○ ما وضع النخبة المثقفة اليوم وإلى أي مدى يمكن التعويل عليها للنهوض بتونس؟

  • لقد ساهمت النخبة التونسية من موقعها في بناء الديمقراطية وتصحيح المسار، إذ لا يمكن أن ننسى جهود عدد من المتخصصين في القانون الذين واكبوا مسار كتابة الدستور فكانوا الرقيب والمنتقد والمحذّر والضاغط ومقترح البدائل. ومن ثم كان لهؤلاء دور أساسي في تخليص الدستور من عدة هنات. ولا تقل مساهمة عدد من المثقفين والمثقفات عن غيرهم، إذ تعالت أصوات عدد منهم في منابر الحوار وعلى أعمدة الصحف منتقدين ومقدمين البدائل وموضحين المزالق والإنزياحات، وعن طريق هذه الفاعلية على أرض الواقع ومع مختلف مكونات المجتمع المدني وكذلك على فضاء التواصل الاجتماعي شاركت النخبة في الدفع بالعملية الإنتقالية نحو الأفضل وحماية المسار من المخاطر التي كانت تهدده كالحرب الأهلية واستشراء العنف السياسي. غير أنّه على النخبة أن لا تكتفي بتحصين المسار الثوري، بل عليها أن تبتكر مناهج للتحليل والفهم وأن تنتج معرفة تليق بهذا السياق التاريخي الذي نمر به والذي يتسم بدينامكية كبرى في كل المجالات. ومعنى هذا أنّ النخبة مطالبة اليوم بتثوير رؤيتها لوظيفتها وموقعها وإنتاجها حتى تملأ الفراغ وتحقق الإشباع وترسم بصمة التميّز.

○ هل هناك استراتيجية فكرية وثقافية لمواجهة آفة الإرهاب التي تواجه تونس وكيف السبيل لذلك؟

  • إلى حدّ الآن لا توجد استراتيجية فكرية وثقافية لمواجهة الخطر الإرهابي الذي تواجهه تونس وهو أمر راجع إلى حداثة عهد التونسيين بالإرهاب وغياب الدراسات الإرهابية ودراسات العنف والتطرف فضلا عن غياب التنسيق وإنعدام الرغبة في العمل الجماعي بسبب تضخم الأنوات. فك ل جهة أمنية أو علمية أو فنية، تريد احتكار وضع التصورات وترفض التفاعل مع غيرها وإنجاز تصوّر مشترك والالتزام بتنفيذه. هذا دون التغاضي عن غياب الإرادة السياسية. وطالما أنّنا لم نتجاوز هذه العقبات النفسية والعلمية والاجتماعية والثقافية والسياسية فإنّ حديثنا عن مقاومة الخطر الإرهابي يبقى غير فاعل في الواقع. إنّنا نحتاج إلى إنشاء مراكز بحث متعددة الإختصاصات، قادرة على إجراء دراسات ميدانية وإحصائيات وتكوين قاعدة بيانات من أجل إنتاج معرفة وضبط استراتيجية شاملة ترتكز بالضرورة على معطيات دقيقة وعملية. وليس تناول ملف مكافحة الإرهاب في تقديري وسيلة لتحقيق الشهرة أو تسلق المجد أو نيل منصب بل هو عمل وطني وإنخراط في حركة كونية آمنت بضرورة أنسنة الإنسان وإحلال ثقافة السلام.

○ كيف تنظرين إلى ظاهرة إنخراط الشباب التونسي في الجماعات الجهادية؟

  • هي ظاهرة مركبة ومعقدة تتطلب الاستقصاء والتمحيص وتوظيف مقولات السنّ والجندر والطبقة والانتماء الجغرافي والأيديولوجي، حتى نفهم مختلف العوامل التي تؤدي إلى إنخراط الشباب في العمل الإرهابي. ومما لاشكّ فيه أنّ الاستبداد والتهميش وضعف مستوى التعليم وتفشّي البطالة وانسداد الأفق، خاصّة أمام عدد كبير من الشبّان والتضييق على حريات المتدينين وقمع عدد كبير من قيادات الإسلاميين قد أفرز التطرّف في السلوك والفكر والممارسة. فضلا عن متابعة بعض البرامج الدينية في الفضائيات ذات التوجه الدعوي المتشدد والتي جعلت أغلبهم يسلّم نفسه وعقله للداعية المتشدد يفعل به ما يشاء. وفي اعتقادي، ليس من اليسير الحكم على الآخر قبل معرفته ودراسة فكره وفهم الظروف التي أدّت إلى إختياره هذا المسار أو ذاك. فهذه المجموعات المتطرّفة عاشت في عزلة محافظة على قناعاتها وأحكامها رافضة التواصل مع الغير، وهي اليوم تريد أن تعبّر عن حضورها في «المشهد» وأن تفرض ما تؤمن به بالقوّة، وهذا هو الإشكال وإن كان متوقّعا، فالمحروم والمكبوت يتلهف لتنفيذ ما يرنو إليه وليس لديه استعداد لتأجيل مطالبه، ومن هنا استغلّت هذه الفئات المتطرفة الظرف الذي تمرّ به البلاد وهشاشة «دولة المؤسسات» لتحاول فرض مشروعها وسيلتها في ذلك التكفير والعنف والإقصاء. إنّنا إزاء فئات لا همّ لها سوى «صناعة الأعداء» لأنها غير قادرة على العطاء وعلى المساهمة في نحت معالم المستقبل ولذلك فإنّها تعمل جاهدة على إنتاج ثقافة الكره وتشتيت الجهود ونسف الوحدة الوطنية وإلهاء العباد بحرب أيديولوجية والحال أنّ الرهان الأكبر هو إنجاح مسار التحوّل نحو الديمقراطية المنشودة والقضاء على البطالة وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والقضاء على مظاهر التمييز في كافة المجالات. ومن البَيّن أنّه لا يمكن إرساء قواعد العيش معا بهذه الطريقة الصدامية التي تتنافى مع روح الرسالة الإسلامية ومنظومة قيمية آلفها أغلب التونسيين منها التسامح والرحمة والتضامن واحترام التنّوع باعتباره عامل ثراء.

○ إلى أي مدى نحن بحاجة اليوم إلى تحديث الفكر الديني؟

  • ما انفكّت أصوات عديدة في تونس والمغرب مصر وسوريا والسعودية وغيرها تدعو إلى القيام بالمراجعات الفكرية وإعادة قراءة الموروث الديني بهدف تحديثه. ولئن تفاوت الإنتاج من بلد إلى آخر واختلفت الطروحات إلاّ أنّ الملاحظ هو غزارة الكتب الصادرة في العقد الأخير بخصوص هذا الموضوع. ولكن الإشكال لا يكمن في الحركة المعرفية، بل في تحويل هذه الأفكار إلى برامج عملية تفعل في الواقع وتقدر على تغييره. فما نعاينه اليوم هو وجود قطيعة بين منتجي المعرفة المدافعين عن تحديث الفكر الديني وجعله متلائما مع روح العصر قادرا على الإرتقاء بالإنسان والمسؤولين عن صياغة السياسات في المجال التعليمي والثقافي والإعلامي. ولهذا تبقى هذه المشاريع التحديثية نخبوية غير قادرة على إحداث النقلة النوعية في مستوى الوعي وإدراك الواقع.

○ من خلال مساهماتك في قراءة الفكر الديني كيف تجدين موقع المرأة في الإسلام؟ وقضايا الإسلام أيضا من الحجاب وغيرها من المحاورالجدلية اليوم؟

  • يلحّ العديد على رسم صورة منمطة للمرأة في الإسلام. والحال أنّنا لا يمكن أن نتحدث عن امرأة إنّما هن نساء مختلفات من حيث الموقع والطبقة والدين والسن وغيرها من المحددات، فموقع «الحرة» مختلف عن موقع «الأمة» وموقع البيضاء مختلف عن موقع السوداء وموقع أمهات الخلفاء وزوجات السلاطين والأمراء مختلف عن زوجات العوام. ومعنى هذا أنّ التاريخ الإسلامي يزخر بنماذج نسائية تبيّن الفروق بين حيوات النساء وتؤكد لنا التفاوت بينهن. وعلى هذا الأساس ما عاد في الإمكان الحديث عن المرأة في الإسلام دون تحديد الانتماء العمري والعرقي والطبقي. وفي تقديري لابد من التفريق بين الحقب التاريخية والتموقع الجغرافي والانتماء الثقافي للنساء، فليس الحديث عن النساء في الفترة المملوكية كالحديث عنهن في الفترة الفاطمية. وليس الحديث عن المرأة في الفضاء المغاربي كالحديث عن المرأة الحجازية، وإذا أخذنا في الاعتبار هذه المحددات تبين لنا أن طرح عدد من القضايا لابد أن يتجاوز التعميم والتنميط المقصود ليعكس الاختلافات والتنوع والثراء وليكشف النقاب عما غيبه المؤرخون، إذ لا يخفى أنّ تدوين التاريخ احتكره الرجال وكثيرا ما همش هؤلاء تاريخ النساء.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...