الرئيسية / صفحات الثقافة / الثقافة والمثقف: في تحولات التسمية وتحولات المسمى/ محمد بودويك

الثقافة والمثقف: في تحولات التسمية وتحولات المسمى/ محمد بودويك

 

 

من له السبق والمسؤولية في “إنجاح” الثورات والهبات الجماهيرية؟

هل المثقف كمنتج للأفكار، والآراء، والمفاهيم، والطروحات التي تغرق أحيانا في التجريد والفلسفة، والفكر المجنح؟ أم تقع مسؤولية الإنهاض على المثقف الآخر، المثقف المُسَيَّس، أو السياسي، الزعيم، القائد الحزبي، المسؤول الحقوقي، المؤسسة الفكرية كمؤسسة؟ أم رجل الدين؟

يصعب ـ بالتأكيد ـ الحسم في المسألة، وإن كان الرأي أميل إلى السياسي الديمقراطي المستنير في وضع ثقافي ملتبس، يهيمن عليه الدعاة والمشايخ، و”الأئمة” والفقهاء بسبب وضعية تاريخية متواصلة مغرقة في تمجيد الماضي، والنظر إلى السلف كمالكي الحقائق العلمية المطلقة، ومندوبي العناية السماوية المقدسة.

لقد شوهد المثقفون والفنانون (نساء ورجالا)، وسط الحصار العسكري والبوليسي في الساحات العربية العمومية. وكانوا مِلْحاً إضافيا لمأدبة الانتصار على البغي والديكتاتورية، والإفساد. لكنهم لم يكونوا في الطليعة، لم يكونوا ملهمين لتلك الهَبَّاتِ الجماهيرية التي أتت على الأخضر واليابس، عَزْلاَءَ من فِكْرٍ قَائِدٍ، وثقافة تنظيمية هادية، وقيادة سياسية ديمقراطية منظمة ومؤطرة.

هل هذا معناه أن المثقف كان واحدا من الآحاد الأخرى، ومكونا شاحنا بحضوره ضمن مكونات وأشخاص آخرين، شكلوا الجموع الهادرة، الغضبى الثائرة، التي مزقت حَنَاجِرَهَا المطالبةُ بالحرية، والخبز، والكرامة الإنسانية، والديمقراطية؟

هذه العفوية التي نظمت نفسها بنفسها، والتي تأطرت تلقائيا بحسبان الأيام، وتجاوز الأخطاء والعثرات، لم تكن بحاجة إلى المثقفين لأنهم، وهذا دأبهم، كانوا يخوضون في أمور بعيدة عن فكرة قلب الأنظمة، وإسقاط الحكام. لم يخطر بالبال هذا المنجز الجماهيري الرائع الذي تحول فيما بعد إلى ضمور وتدجين، وسيطرة، وتحويل كان يخطط له من وراء حجاب. وربما أمكن القول إن الفكر والثقافة والإبداع، كل ذلك كان مسؤولا، بالإضمار المكنون، عما حدث. ولم تفعل “الميديا” ولا شبكات التواصل الاجتماعي “تويتر” و”الفايس بوك”، سوى ترسيم تلك الرواسب الثقافية الكامنة التي غَذَّتْ ذلك “الربيع″. وليس مطلوبا أبدا من الثائرين والثوار، تعديد أسماء وأفكار من ألهمهم ثَوِرَتهُمْ، وحقق مبتغاهم، وساهم في حِرَاكهم وجَيَشَانهم. إن الأفكار تَتَجَوْهَرُ مع الزمن، وتفعل فعلها في الضمائر، والعقول والوجدانات، فتتحول ـ بعد أن تنضج الشروط الموضوعية ـ إلى عامل محفز ودافع للخروج، وصورة تَتَشَخْصَنُ وتتبلور على مستوى الأرض والواقع.

ومع ذلك فإن المثقفين كشريحة اجتماعية وسطى، ليسوا وحدهم المسؤولين عن الردة الحضارية، والانحباس التاريخي، والتخلف الفكري العام. فهم عملوا ما في وسعهم ليغيروا الواقع والإنسان على رغم القيود الدينية، والتعالم الفقهي، والأضاليل التي تجتهد في مسخ المثقفين الأحرار بوصمهم بأشنع الصفات، وأقبح النعوت، لعل أظهرها: علمانيتهم التي يماهونها بالإلحاد والكفر.

طبقة أخرى، لها اليد الطولي في انحباس المجتمعات العربية، ومراوحتها المكان، وتأبيد تخلفها، وعبادة حكامها، إنها الطبقة السياسية، القادة الحزبيون الذين التفوا على المبادىء المؤسسة لأحزابهم، وراحوا يتصيدون الفرص لولوج الصفقات والبيوع مع ذوي الجاه والأموال والحاكمين. وبذلك يكونون قد كفوا عن اللَّهْج بالحريات، والديمقراطية، والعيش الكريم للقوات الشعبية، والطبقات الجماهيرية المغبونة والمهمشة. إن السياسي هو المسؤول الأول عما آلت إليه أوضاع الجماهير الشعبية، لا المثقف. فالمثقف لا يملك القرار، وليس له حيلة في تغيير الواقع من حال إلى حال على الفور. فمسحة التغيير تتم على يد المثقف ولكن بعد لأي، بعد مديد السنوات، بعد أن تنضج الشروط الموضوعية، وتتعاون عوامل ثقافية وفكرية إضافية لتحقيق الحلم، وتوقيع المتوخى والمنشود.

لا هذا ولا ذاك في الراهن، وفي المدى المنظور، بقادر على رفع العبء التاريخي، وتبديل وجه الواقع، وتحقيق الإشباع، وتوطين الرغبة في الاستفادة من الثروات المادية التي تزخر بها البلاد أرضا وبحرا، وما بالجوف والجبال.

إنهم المشايخ والدعاة الجدد من يقومون بهذا العمل، مستثمرين ضلوعهم في لَيِّ عنق الآيات الكريمة، وتوظيف التآويل المغرضة للدين في لجم الاندفاع الثوري، والحلم بغد ديمقراطي حقيقي، لا مجال فيه لما يسمى بـ”الشُّورَى” والتي هي صيغة فوقية ضيقة تدور بين عِليَّة القوم، وأصحاب الحل والعقد فيما الطبقات التحتية، فيما “الدَّهْمَاء” و”البَهْمَاء” تصفق، وتسبح بحمد من تؤول إليه الخلافة والسيادة والرئاسة والحكم المطلق. فتَرَاجُعُ تأثير المثقفين العرب الحداثيين في الرأي العام، عائدٌ من نَوَاحٍ عدة إلى هيمنة الدين على المحطات التلفزيونية، والجوامع والمساجد، وتَسْييسه فيما يخدم الدَّنَايا، والمصالح الشخصية الآنية لهؤلاء، ولأسيادهم الحاكمين، القائمين على الرقاب والرغاب بالإغداق والترضية، أو بالقمع والتصفية. ولنا في ما يُكتب في الشبكات التواصلية من مدح لهؤلاء المشايخ، والإذعان لأوامرهم ونواهيهم، ما يصعق، ويملؤنا حسرة وكمدا على تاريخ عربي إسلامي سيستمر في الغطيط إلى ما شاء الله وشاء المشايخ . لا يساوي هؤلاء الذين يلهبون حماس الآلاف والملايين من الناس في طول العالم العربي وعرضه، إلا المطربات والمطربين الشباب الذين ينضحُون حيوية، وشبابا وجمالا وخفة وهياجا.

ومن ثم، ليس بمقدور المثقف الحداثي اليساري أو العلماني، أو الليبرالي، أو القومي، أن يحتل الفضائيات المنتشرة كالفُطْر، ليقول فيها ما يراه وَيرْتَئِيه، ويفكر فيه. هل بإمكانه إعلان علمانيته، ودعوته إلى فصل الدين عن الدولة نهارا جهارا، وهل في طوقه إبراز تاريخ العرب المسلمين الدموي، وإظهار الأكاذيب والأغاليط التي تملأ الرحب والسعة، تملأ الكتب، وتسطو على مناهج وبرامج التعليم في الديار العربية؟ أبمقدوره أن يقول للمشاهدين بأن الشريعة والتدين، بما هما نتاجان بشريان وتفكيران آدميان، سببان رئيسان في التخلف والاقتتال والاحتراب الذي تشهد رَحَاهُ أمصار وأقطار عربية خُربَتْ حتى ضجت الأنقاض من الأنقاض؟

إذا، فلننتظر زمانا آتيا لا ريب فيه، نعلن فيه كلمتنا، بصوت مرفوع ومسموع، زمنا ينكتب منذ فترة، ينكتب دائما في المرض، والقلق، والشقاء، والخوف، والتوجس من أجل غد كريم لشعب يستحق الحياة إسوة بالشعوب الأخرى. لا محيد عن الفكر والرأي، والنقد العقلاني الخلاق، لا محيد عن الصدمة والاصطدام حتى تشتعل الشرارة التي نطرد بها الظلام، وهذه الشرارة ليست سوى الديمقراطية. ينبغي أن يناضل المثقف من أجل إرساء الديمقراطية التي لم تَرْسُ بعد في أي قطر عربي. أما كلام بعض المثقفين العرب عن أوهام المثقف، ونهايته كداعية، وسقوط رسوليته أو ما توهمه من دور طلائعي وقيادي وفوقي، فهي مع صدقية طرحها، ونجاعة هذا الطرح، تَنْبُو عن الواقعية و”الحقيقة” الناجزة والمنبثقة من أفكار المثقفين أنفسهم.

ذلك أنه لولا الأوهام ما تقدمت الأفكار، وانْجابَتْ رغائب في الزعامة والقيادة، وإنجاز الوعد بالفكر والثقافة لصالح الجماهير الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير كما تقول الأدبيات الماركسية. ولولا الاتصاف بـ”الداعية” ولو ادّعاءً وتَنَفُّجاً، ما خِيضَت معارك ثقافية، وكلامية، وفكرية لا يزال صداها يرن في سمع التاريخ وسمع الأيام، سواء أتعلق الأمر بالتاريخ السياسي، أو بالتاريخ الثقافي، أو بالتاريخ الشعبي العام.

لَسْتُ من دعاة الانكفاء، انكفاء المثقفين على معالجة أطاريحهم الفكرية بالتهذيب والتشذيب والتجريد، بعيدا عن أوحال وأوار الواقع الحي، الواقع المعيش.. واقع الأفراد والجماعات، والفئات المسحوقة والمهمشة. لا ينوب المثقف عن طبقة معينة متعينة، ولكنه لسان المظلومين، والمغبونين، والمعذبين. فالنيابة ـ في هذا الأمر ـ هُلامية ولا معنى لها كما دقق ميشيل فوكو وجيل دولوز.

للجمال حقه وللفني نصيبه، وحيزه ضمن الكتابة والتحبير، ولكن للاجتماعي، للمعنى النبيل، للدلالة المنفتحة على الحلم بالتغيير، وبناء مجتمع عزيز مشبع بروح التضامن، والمحبة، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة، نصيبا أوفر، ومن دونه ينكفيء الكِتَابُ على نفسه، ضاحكا على نفسه، ساخرًا منها لأنها أضاعت عمرا في العويل، أو أنفقته في نَمْنَمَةِ وَزَرْكَشَةِ مكتوبها بْمَبْعَدَة عن عيون الناس، وتطلعات الناس، ورغائب الناس.

ينبغي ـ إذًا ـ إعادة النظر في سؤال الدور والوظيفة الثقافيين، لقد جَدَّ الجد، واستجد المستجد، وبات لازما لازبا إيكال التنوير والتغيير، تغيير البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتنوير العقليات، إلى ضفيرة ذات جدائل وتلابيب، وأهذاب وأذيال، أي إلى زمرة من المثقفين غير المتداولة نعوتهم وصفاتهم، غير المعروفين كمنتجي ألواح وكتب وخطابات ومقالات، إلى نوع جديد إضافي من المثقفين “الإشكاليين” و”المقاولين” و”التكنوقراط” و”أرباب الشركات والمقاولات” المتبصرين والمستبصرين. فهؤلاء جميعا، كضفيرة متكاتفة مُتَدَامِغة، بِمُكْنَتِهِمْ توقيع التغيير، وكتابة التنمية، وتطوير العقلية، والقطع مع تأثيل الأصنام، والكف عن إرجاء المواعيد الملحة إلى الغيب والماوراء.

وعليه، يكون من الأولويات بالنسبة للمثقف بمفهومه التقليدي الدارج، والمثقف “الجديد” الذي انبثق من جدل العولمة والعلمنة، والسياسي الديمقراطي الحاذق، والحقوقي النابه الحي، النضال الدؤوب من أجل إرساء الديمقراطية، ومراجعة التعليم مراجعة جذرية شاملة، تستصفي أوالياته وأساسياته، ومضامينه الإنسانية، وأبعاده الإقليمية والجهوية والكونية، وتعلي من قيمة الحوار بين الشعوب، وقيمة المواطنة وقيمة الأديان الإبراهيمية وغير الإبراهيمية في إطار من التوافق، والوئام، والتواد، والتحاب لبناء عالم إنساني متكامل لا مكان فيه للصراع المذهبي، ولا للحروب “الصليبية”. ثم النظر في أمور الدين انطلاقا من المصدرين الأساسين : القرآن والسُّنَّة بعد تمحيص هذه الأخيرة، وتنقيتها من الشوائب،والأحاديث المدسوسة والمصنوعة التي تعارض العلم والمرأة والحقوق الإنسانية. فالنبي الأكرم لم يمس قضايا التحرر الإنساني، والعلائق الإنسانية، كما أنه لم ينتقص من الدين المسيحي ولا اليهودي. ومن ثم، فكل ما يقال عنه في هذه الشؤون الإنسانية الشائكة، هو من روايات وصنع الجهلة والمأجورين و”علماء السوء” إبان العصر الأموي والعصرين العباسيين، وعصور ما يسمى بـ”الانحطاط” .

من الأوجب والمستعجل، تمييز الدين عن التدين، والقرآن كمصدر أساس ودستور أسمى عن الفقه البشري، والتآويل المختلفة، والنضال المستميت من أجل إعلاء الإسلام النظيف وإبعاده عن السياسة، فهي تلطخ وتشَوِّهُ، وتثقل الحركة والمشي.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

6 + 4 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...