الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / الحنان الهارب في «سرقات شاعر مغمور» للسورية ندى منزلجي/ هاشم شفيق

الحنان الهارب في «سرقات شاعر مغمور» للسورية ندى منزلجي/ هاشم شفيق

 

 

الشاعرة السورية ندى منزلجي، إحدى الشاعرات اللواتي ظهرن بشكل لافت وناشط في فترة التسعينيات من القرن المنصرم، الى جانب مرام المصري ورشا عمران وهالة محمد، ليرسّخن خطاهنَّ مع القصيدة الحديثة، ذات الحساسية الجديدة والنماذج المفتوحة على نسق مختلف من التعبير الذي لا يأبه للقيود والحدود والتابو، بل رأيناهنَّ في مجمل نماذجهنّ ونصوصهنّ الإبداعية، عابرات للأسلاك الشائكة وللمناطق المحرمة، وقد كنّ جريئات، وأكثر فاعلية وتحدياً للمُصمَت والمتحاشى عنه في الأدب، وفي الشعر بخاصة.

ندى منزلجي، في ديوانها الجديد « سرقات شاعر مغمور» دار « مسعى» البحرين، تفتح الرؤيا في دواخلها للمتغير، ساعية بشكل حثيث الى الإزاحة الدلالية وتكريس اللذة الجمالية في تضاعيف النص، دون الولوج في الاستعارة والتشبيه والتقليل من الإضافة ومفعول الكناية الذي يكثر في الشعر الجديد، معوّضة ذلك بالرمز وتطويع الدوال لخدمة المعنى، وتطوير عملية السرد المكثف والمختزل في صيغته المشفرة، دون أن تنسى صيغة التلاعب في الأعماق وإخراج المكنون فيها، من مشاعر وتهجدات، وبوح باطني، يتصاعد ليغدو نوعاً من الإشراق الداخلي المحمول على غيمة وجدانية.

تحضر في ديوان « سرقات شاعر مغمور « صورة الأم والحبيب، الذي قد يتحول الى صورة أخرى مجسدة في الوطن، وكذلك الأم التي تذكر في البلاد البعيدة، وبالحنان الهارب في تلك الأصقاع الدمشقية في سوريا الجريحة.

فالشاعرة المستغرقة في أحلامها الوطنية، ترى الى كل شيء وهو يتشبه بالذكرى، ببيت عتيق، بشجرة، بنافورة، بجلسة حول فنجان قهوة، بباب دمشقي، بسوق مزدحم بالشراة،

ببحر اللاذقية وكل مدينة ستراها ستذكرها بدمشق « في كلّ مدينة أظنني سألقى دمشق «. أو أنها الذكرى التي تتقدم اليها حين ترى الأماكن وهي تتزيا بالمدن السورية،» مستعدة لخيانة لندن لأجل حائط قديم قذر، دكان عتيق تكدّست فيه البضائع بإهمال وناس الشوارع الضيقة يشبهون أهلي « من قصيدة «إسطنبول يا دمشقي».

وحين تدهمها الحالة السورية، وتغزو الأحداث مخيلتها فإننا نراها تقول : « صور مئات السوريّين المبحرين في بطون توابيتهم الجماعية، وقد ابتلعهم البحر، ثم عاد ولفظ أجسادهم المهشمة ، محتفظاً لنفسه بأرواحهم على صخور الشواطئ الموحشة « من قصيدة» شهوة التابوت».

بينما في الحنان الهارب، عبر الذكريات التي غَبَرَتْ وطواها الزمن ، ولكنها ظلت مستيقظة في الروح، كهواجس تطل برأسها حين تأتي، تتسلل صورة الأم الينا ونحن بعيدون، موغلون في البعد والنأي والقصيّ من الأمكنة، تتجلى صورة الأم دائماً للشعراء وفي كل مكان وزمان ، تتجلى في صورة ملاك، أو في قالب من الحنان الحار والكاوي والذي لا يذبل أو يطوى وينسى أبداً : « تقيمين بيننا وتتركين لنا الغرف المفتوحة على الشمس، غرفتك ترفل بالضوء، وفي غرفنا تقيم أرواح قلقة، أنتِ أم أخوتي وأمي وأم قطتي وأمّ نباتات الشرفة، وأم العصافير التي سجنتها دون رضاك في قفص، أنتِ أصغر مني ، أنتِ من يفتح للصباح الباب، رائحة غادية ليل نهار، تصنعين تحت هذا السقف وبين هذه الجدران ذاكرتنا « قصيدة «من يفتحون الباب للصباح».

أما في السياق الدلائلي للحب ورموزه ومصنفاته العشقية المتعددة ، فنعثر على صيغ الترجي والتماهي العاطفي مع الآخر، هذا الآخر الذي يكون هوية أخرى للجسد، والغائب فيه، كأنه منه، منحوت من تلك الأضلاع ذاتها، ضلع الأنثى، فهي خالقة الذكر وهي أيضاً مستقبله، كما تقول قصيدة سومرية غابرة : « المرأة مستقبل الرجل».

من هنا نجد الحب لدى ندى منزلجي، هو الحب الخالد، الحب الذي لم تلوثه أفكار الحياة الجديدة، حب أولي، غير ممسوس بالمباذل الدنيا : « كان صوتي خافتاً، أتلعثم بالحروف طفلة، وبالكاد نطقت أسمكَ، لم يكن نداءً، ولا طاقة لي، ظننتها كأس ماء، ماءٍ فحسب، كانت اكسير الحب».

وفي موقع آخر تقول: «نسيتُ أيضاً، أن أمسح القبلات عن ذاكرة الغرف، الغرف التي يحدث أنْ تثرثر بما تراه، حين تضينها الوحدة».لذا نجد ومن خلال غالبية القصائد في مجموعتها الشعرية هذه، تعابير تذهب الى استكناه الصور السيريالية وتعابيرها المسحورة بالتحولات، تحولات المشهد والفكرة وزاوية الرؤيا الى الحياة : « البنت الصغيرة بجديلتين، ابتلعت يوماً حبة كرز ببذرتها، فنبتت من بطنها شجرة، كان أخوتها يدارون ضحكاتهم وهم يقطفون حبات الكرز من شجرتها».

في موضع ثان تميل الى تدوير المشهد السيريالي وتذويبه ببراعة في صورة مستنبطة من حالة البرد والصقيع لتقول : « حامض هذا الدفء، أرتجف، خارجك يدخل، وداخلك يخرج، تشبهه ويشبهك، بيت مغلق على الصقيع، تتلوى من وخزة البرد، كما من عضة الألم، هو ذا الحلم البنفسجي، ابن الزنى، أبوه الأحمر الحار، أمه أزرق الثلج».

تشكل المجموعة الشعرية الجديدة» سرقات شاعر مغمور» للشاعرة ندى منزلجي، اضافة جديدة في سياق مسارها الشعري، مسار يغيب عنا فترة من السنوات، ثم يعود ليطل علينا بجديده الشعري، ليحفزنا من جديد الى الالتفات إليه.

٭ شاعر عراقي

القدس العربي

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

3 + 7 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...