الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / الصراعات السياسية وتشويه الروح الديني: “حقول الدم: الدين وتاريخ العنف» للبريطانية كارين أرمسترونغ

الصراعات السياسية وتشويه الروح الديني: “حقول الدم: الدين وتاريخ العنف» للبريطانية كارين أرمسترونغ

 

 

محمد عبد الرحيم: «من السذاجة أن نعتقد أننا يمكننا خلق عالم بدون حروب، وأنا قمت بكتابة هذا الكتاب لأنني أشعر بالخوف من مصيرنا المقبل، لقد صنعنا القنابل التي يمكنها محو العالم، والقانون الدولي يسمح باستخدام هذه الأسلحة النووية في حال تهديد أمن الأمة، حتى لو كان إطلاقها سيؤدي إلى تدمير الأمة بأكملها، هذا ما يسمى بالرغبة الانتحارية، وهي مماثلة للعقلية الإرهابية التي يعمل بها الجهاديون على تفجير أنفسهم وهم يعلمون بأن مصيرهم الموت، والفرق بينهما أن هذه الأخيرة هي شكل بدائي من رغبة الانتحار، ولن يمر وقت طويل قبل أن يمتلك تنظيم «القاعدة» أو أحد هذه الجماعات نوعاً من الأسلحة النووية. الوضع خطير، ونحن مضطرون لفتح أعيننا ومشاهدة ما يحدث. الموضوع ليست له علاقة بالأديان أو بالإسلام أو غيره». (من حوار لكارين أرمسترونغ).

تحاول الباحثة في علم الأديان المقارن البريطانية كارين أرمسترونغ في مؤلفها الصادر بعنوان «حقول الدم.. الدين وتاريخ العنف»، أن تناقش مسألة مدى مسؤولية الأديان في انتشار العنف، خاصة في هذه اللحظة الراهنة، التي أصبح الإسلام فيها يشكل الخطر الأكبر، بظهور العديد من التنظيمات والحركات الجهادية، أبرزها تنظيم «داعش». اتصفت مؤلفات أرمسترونغ بقدر كبير من العقلانية، من دون التورط في مفاهيم مُسبقة عن النظرة الغربية للشرق والإسلام، إلا أن كتابها الأخير هذا أثار الكثير من الجدل في الغرب، وربما في نظرة متفحصة سيثير بعض الجدل بعد نله إلى العربية، حول عدة نقاط خاصة في الشأن الإسلامي.

أكذوبة العنف الديني

تبدأ أرمسترونغ بنفي فكرة العنف عن الدين، وترى أنها فكرة مغلوطة أنتجتها الأنظمة الحاكمة عبر التاريخ لتبرير أفعال القمع والاستبداد. فالاستبداد إذن هو أساس التطرف والعنف، والعديد من الأمثلة تشهد بذلك كحروب نابليون، والحرب الأهلية الأمريكية، والحربين العالميتين، إضافة إلى ذلك يبدو أن الشعوب دوماً تفضل الاستناد إلى الدين لإضفاء القيمة والمعنى لحياتها، وبذلك تحالف السياسي مع الديني، بل قام بتصديره لخدمة أهدافه، وهو ما يفسر أعمال العنف التي اقترنت بالحملات الصليبية على الشرق، والغزو الإسباني لأمريكا اللاتينية، وما تقوم به حالياً الجماعات الجهادية المُتأسلمة.

ومن المنطلق نفسه نجد أن الولايات المتحدة استخدمت الوسيلة ذاتها لتبرير هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، كي يقتنع عامة الناس بأن السبب الوحيد لظهور تنظيم «القاعدة» وطالبان، وغيرهما، هو التطرف الناتج عن اعتناق الدين الإسلامي، بينما الحقيقة تتضمن جوانب عديدة، تعمدت الحكومة الأمريكية إخفاءها، فبدايات ظهور تنظيم «القاعدة» وأسامة بن لادن في أفغانستان كانت بتدريب ورعاية من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف القضاء على احتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في بداية ثمانينيات القرن الفائت.

القوميات والمناخ السياسي

تشير المؤلفة إلى دور إنكلترا، على سبيل المثال، في المسؤولية التاريخية عن أحداث الشرق الأوسط والهند وباكستان، التي تتمثل في رسم الحدود بين هذه البلدان في فترات ما بعد الاستعمار، لقد تم وضع هذه الحدود بشكل انتهازي ومضحك، وأدت هذه الحدود إلى العديد من أحداث العنف. هذا هو المناخ الذي نشأت وتطورت فيه مثل هذه الحركات، من المقاومة في البداية إلى إثبات الوجود، إضافة إلى ذلك تصعد فكرة القومية، التي تعد إحدى المشكلات الأساسية، لأنها تعمل على خفض قدرة الدولة على استيعاب وتفهم الأقليات، هذه النظرة سببت بعضاً من أسوأ جرائم القرن الـ20، مثل الهولوكوست على سبيل المثال، فالتركيز على اللغة والثقافة ضمن مفهوم الدولة، يجعل القومية تصبح هي القيمة العليا في المجتمع، فالقومية لا تتواءم مع عولمة العصر الحديث.

الحداثة المزعومة

ترى كارين أرمسترونغ أن مسألة فصل الدين عن الدولة في الغرب تختلف تماماً عن الأشكال الكاريكاتيرية من تبعات هذا الفصل في الشرق، وتستشهد بأنه حتى عام 1700 لم يفكر أي شخص بفصل الدين عن الدولة، فالدين يحكم جميع تفاصيل الحياة، ولكن الأمور تطورت وتم الوصول إلى مفهوم الفصل، أما بالنسبة للأشخاص الذين لم يصلوا للحداثة المطلوبة فإن التمييز بين الدين والدولة يعتبر تمييزاً تعسفياً، وبالنسبة لهم تشكل العدالة ومساعدة الفقراء ووقف معاناتهم مشاكل دينية رغم أنها مسائل سياسية. وبالتالي أصبح هذا الفصل في الغرب من الأهمية بمكان، لأنه قام بتحريره من عنف الحكومات التي تستخدمه لتحقيق غاياتها. أما الأمر في الشرق ففي غاية التباين، فالمسلمون تم إدخالهم إلى عصر الحداثة بشكل أكثر عنفاً، فبالنسبة للعالم الغربي أدت الحداثة إلى الديمقراطية، ولكن بالنسبة لبلاد الشرق، تم فرض مفهوم الحداثة عن طريق القهر الاستعماري، حيث لم يتوصل مواطنو هذه الدول للحداثة عن طريق حق تقرير المصير، فمثلاً في مصر تم إجراء الانتخابات العامة 17 مرّة ما بين عامي 1922 و1952، وفي كل مرة من هذه المرّات فاز حزب الوفد بالانتخابات، لأن البريطانيين سمحوا لهذا الحزب بالفوز، بمعنى آخر، كانت الديمقراطية بالنسبة لشعوب البلدان الشرقية عبارة عن مزحة سيئة.

وبالمثل، تم تقديم العلمانية إلى شعوب الشرق من قبل ضباط الجيش بشكل عنيف، حيث تم قطع رواتب رجال الدين، ومن ثُمّ تم إيقافهم عن العمل، وأحياناً تعرضوا للتعذيب حتى الموت، والشاه قتل مئات المتظاهرين العزل في الضريح المقدس في إيران، لأنهم تظاهروا ضد ارتداء الملابس الغربية. كل هذه العوامل ساعدت في دفع الإسلام نحو العنف.

النص والسُلطة

رغم الحجج العقلانية التي تسوقها المؤلفة طوال صفحات الكتاب، إلا أن الأمر في ما يخص الشأن الإسلامي يبدو أن به شيئا من السطحية، وليس العمق كما في باقي موضوعات الكتاب. المعضلة هنا تتمثل بداية من النص الإسلامي المقدس والممارسات المُستندة إليه، التي تجد حتى الآن صداها الواسع. ولا بد من مناقشة الأمر في شيء من العقلانية أيضاً، من دون أن نكتفي بالتهليل من أن كاتب أو كاتبة أجنبية من منصفي الإسلام. لقد تم تفعيل النص المقدس في حياة نبي الإسلام، بل وكتابة النص من وحي الوقائع، سواء بالتعليق عليها أو حل مشكلة كانت تقابل رسوله. فهل نعطل مثل هذه الآيات اليوم؟ المعضلة ذاتها تعانيها المؤسسات الدينية، كالأزهر مثلاً، يحاول أن يبدو حداثياً، لكنه يصطدم بالنصوص، وما محاولات تناسيها والتحايل عليها إلا من خلال موقف الضعف، ولكن إن توافرت له القوة والسلطة سيعيد تطبيق هذه النصوص بكاملها، كالسَبي وما مَلكت الأيمان، والغزو وما شابه «رزقي تحت ظِل رمحي» كما قال نبي الإسلام. فالأمر لا يتوقف على تاريخ الفقه وتأصيل سلطة الحُكام، الذي ظهر الفقه واستتب في ظِلهم، بل منذ البداية لم ينفصل الدين في الإسلام عن السُلطة الزمنية. المسألة هنا تصبح مسألة سلطة بالأساس، وتحقيقها على الأرض، وما «داعش» وأشباهه ــ بغض النظر عن كيفية تأسيسه والظروف الاجتماعية ورد الفعل السياسي ــ إلا حركة تطبق النصوص، وتسعى لفرض وجودها بالقوة، كما حدث من قبل في ما يقارب القرن ونصف القرن. وربما تكون القطيعة مع هذا التراث هي الحل الأمثل، ولكن في ظِل هذه الظروف المرتبكة يبدو أنه حل لن يتحقق إلا بالمزيد من الدماء.

 

الكتاب: «حقول الدم: الدين وتاريخ العنف»

تأليف: كارين أرمسترونغ

ترجمة: أسامة غاوجي

دار النشر وتاريخه: الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2016.

عدد الصفحات: 654 صفحة من القطع الكبير.

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...