الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدرالدين عرودكي / الفرد العربي من الازدهار إلى الغياب/ بدر الدين عرودكي

الفرد العربي من الازدهار إلى الغياب/ بدر الدين عرودكي

 

 

 

يتساءل المواطن العربي مفجوعاً بعد مقتل الباحث الإيطالي الشاب جوليو ريجيني وسماعه والدته تردِّد أمام البرلمان الإيطالي: «أصدقاؤنا المصريون قالوا إنه تمَّ تعذيبه وقتله كما لو كان مصرياً»، وكذلك ردّها على وصف الحكومة المصرية لمقتل ابنها بـ»الحادثة الفردية» بقولها: «في اعتقادي أن ما تعرض له جوليو قد تعرض له الكثيرون من قبله. وعليه، نعم، قد يكون جوليو «حادثة فردية» بالنسبة لتاريحنا كإيطاليين ولكن بالنسبة للمصريين ولغيرهم، ليس جوليو «حادثة فردية». ما الذي يجعل إذن من فعل القتل حدثاً في إيطاليا وحادثة في بلد عربي، مادام الأمر لا يقتصر والحق يقال على مصر وحدها؟

ولا بدّ أن هذا المواطن العربي نفسه، بعد أن قرأ في الصحف أو شاهد على شاشات الفضائيات العربية نتائج صفقات تبادل الأسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية أو سواها وبين إسرائيل متمثلة في ضخامة عدد الأسرى الفلسطينيين أو اللبنانيين أو العرب المُحرّرين من جهة وعدد الأسرى الإسرائيليين الذين كان يتراوح بين الواحد والستة من جهة أخرى، تساءل وقد غمرته غبطة حذرة: هل من الطبيعي وجود هذا التفاوت في العدد بيننا وبينهم؟ ما الذي أدّى على امتداد نيف وثلاثين عاماً إلى أن يكون عدد الأسرى الفلسطينيين 4700 عام 1983 مقابل ستة جنود إسرائيليين، أو 1150 أسيرا فلسطينيا عام 1985 مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين، أو 436 أسيراً فلسطينياً وعربياً فضلاً عن 59 رفات لبنانيين عام 2004 مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين أو 1050 أسير فلسطيني عام 2011 مقابل جندي إسرائيلي واحد؟ ولماذا تُذكَرُ لنا أسماء الجنود الإسرائيليين، عند تبادل الأسرى، فرداً فرداً؛ ولا يُذكرُ المُحرَّرون الفلسطينيون أو سواهم من العرب إلا أرقاماً. لماذا ترقيم العرب وتفريد الإسرائيليين، ولماذا تنشر الصحف الإسرائيلية صور جنودها فرداً فرداً، أيضاً، في حين تنشر الصحف العربية صور أسرى العرب جماعات وقد حشروا جميعاً في حافلات ضخمة تكاد تخفي وجوههم؟

تتفاقم خطورة ذلك الضرب من الأسئلة في الوقت الذي استحال فيه البشر القتلى في سوريا بعد العراق خصوصاً أرقاماً اعتاد عليها الجميع، لا في الغرب فحسب بل في بلد المقتلة ذاتها، إذ حين يهبط عدد القتلى من مائة أو أكثر إلى عشرة أو أقل صارت وجوه الأحياء تطفح بالارتياح مادام القتلى قد استحالوا أرقاماً لا وجوه لهم!

هل كان للإنسان بوصفه فرداً وجودٌ في المجتمع والثقافة العربيين؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فكيف ومتى انزلق ثم غاب الفرد فيهما؟ وكيف ومتى تآلف العرب مع هذا الغياب حتى صار كما لو أنه بعض طبيعتهم؟

على أن الثقافة العربية ـ الإسلامية قد تفاعلت مع العديد من الثقافات الأخرى في عصورها الكلاسيكية ولاسيما اليونانية والفارسية، وأن التاريخ العربي شهد هيمنة عديد من عتاة الطغاة في عصر الإمبراطوريات الإسلامية، فإننا لا نعثر في تراثنا الثقافي، الأدبي أو الاجتماعي أو الديني أو السياسي، عما يمكن أن يشير إلى امّحاء الفرد اجتماعياً أو ثقافيا أو أمام أية سلطة مهما بلغ عتوّها أو إلى إلغائه لصالح جماعة أو طائفة. والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا التاريخ العريق، على وجود كيان الإنسان الفرد الحر لا في تمثلاته الدينية، الراسخة في اللاوعي الجمعي فحسب (يكفي أن نستعيد هذه الآية القرآنية: «إنا عرضنا الأمانة على السماء والأرض والجبال فأبيْن أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان»..)، بل كذلك في التمثلات الشعرية والأدبية والفلسفية والدينية والسياسية. لكننا سنعثر في عصرنا الحديث الذي يفخر الغرب بتحقيقه بعض التقدم خلاله حين فَصَلَ الذات عن الموضوع كما يسجِّلُ سارتر على كل ما شاب الثقافة العربية واعتورها في المشرق العربي خصوصاً من مكتسبات طارئة طغى عليها فهم هجين للماركسية عبر أقل نصوصها دلالة وجوهرية وانطلاقاً من ترجمتها إلى العربية ترجمة شديدة السوء أو ربما عبر أسوأ تطبيقاتها الستالينية، سرعان ما استحال أيديولوجية محلية تفلسف أولوية الجماعة على الفرد وتنادي بها فئات اجتماعية متناثرة آلت إلى الانضواء ضمن أحزاب سياسية في النصف الأول من القرن الماضي واستطاعت خلال عشرات من السنين أن تمهد الأرض لقبول إن لم يكن لاعتناق هذه الأيديولوجية. ثمَّ ما لبثت هذه الأحزاب وقد استولت على السلطة أن عمّمتها وفرضتها ديناً جديداً لا مكان فيه للفرد إلا بقدر دوره ضمن جماعة يذوب فيها ويتماهى.

أبسط محاولات هذا التغييب التدريجي للفرد بدأت، على المستوى النظري، من خلال إلغاء دوره في التاريخ. ولم يقتصر هذا الإلغاء على صعيد دور القادة أو الزعماء في التحولات الاجتماعية الذين عملوا في بلادهم من أجل تحقيقها، بل امتد ليشمل مجال الإبداع الأدبي أو الفني. لم يعد الأديب أو الفنان إلا مجرد ناطق باسم الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها ولم يكن دوره في ما كتبه أو رسمه أو صممه إلا مجرد ناقل لعالمها. ما كان بالطبع لهذه الرؤى الساذجة التي سادت فيضاً واسعاً من أدبيات منتصف القرن الماضي أن تجد صدى في الواقع العملي لولا أن تلقف العسكر هذه الأيديولوجية من الحزب الذي تبناها حين قرروا الاستحواذ على السلطة اعتماداً عليه في البداية ثم استئثاراً بها من دونه.

معهم، لم تعد ثمة حاجة للنظريات أو للأيديولوجيات إلا بقدر ما تبرر أو تعلل سلوكهم في الحكم ورؤيتهم لما يريدون للنظام أن يكون عليه تحت قيادتهم. تلاشت كل نظريات الجماعة والطبقة حتى لدى ورثة من نادوا بها ونظروا إليها بلغة ركيكة، لتحل محلها صور جديدة تعيد للفرد، لا بوصفه اسم نوع بل بوصفه شخصاً فرداً، فريداً واستثنائياً، كي تصل من بعدُ إلى تأبيده كما حصل في سوريا. صار هناك قائدٌ تنتشر صوره وتماثيله في كل مكان، وجماهير، أقرب إلى القطيع، تساق بالقوة إلى مسيرات من أجل تمجيده. أما على مستوى الدستور والقوانين، وباستثناء بعض المواد التي تسمح لهذا القائد بتأبيد نفسه، فقد كان الفرد حاضراً في نصوصهما بقوة لا تعادلها إلا قوة تجاهل المواد التي تتحدث عنه أو تؤكد دوره في الواقع العملي.

كيف يمكن في هذه الحالة أن يكون الفرد العربي حاضراً بكل قوة ما دام غائباً في كل مكان، نظرياً وعملياً، بعد أن حولته الأنظمة الاستبدادية إلى كائن هلامي يذوب في مسيرات التمجيد للقائد الأبدي؟

ربما كان ذلك ما يفسر هذا الفرق العددي بين أسراهم وأسرانا. هذا الفرق بين الحدث في إيطاليا والحادثة في مصر. هذا الفرق بين حاكم يدافع عن كل فرد من مواطنيه لأنهم قضاته وأرباب عمله وبين حاكم لا يرى فيهم إلا رعايا إن لم يكونوا ملك يمينه بعد بأن صيّرهم عبيداً في خدمته!

في الديمقراطيات الغربية، لا يستطيع أي مسؤول حاكم، أياً كان مستوى مسؤوليته، أن ينسى أو يتناسى من انتخبه. فهو بحاجة إلى صوت كل فرد كي يحتل الموقع الذي هو فيه. وعليه أن يستجيب لأدنى شكوى يعبر عنها من انتخبه، سواء انتخبه أم لا. فهو، في النهاية، رب عمله الفعلي. ومن ثم فهو يدافع عنه دفاعَه عن أقرب المقربين إليه.

أما في نظم الاستبداد الآمنة، فلا حاجة للحاكم إلى صوت يعرف مسبقاً أنه يملكه طوعاً أو كرهاً، مثلما يعرف أن صاحبه سيكون على الدوام رهن إشارته كرهاً.

هل يجيب ذلك عن ذاك؟

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...