الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدرالدين عرودكي / خيانة الأمانة/ بدر الدين عرودكي

خيانة الأمانة/ بدر الدين عرودكي

 

 

في اللحظة التي كان العالم يسمع خلالها صخب قصف القنابل فوق مدينة حلب العراقة والثقافة والفكر والتاريخ ويشاهد ما تخلفه المقتلة الأسدية ـ الروسية وراء غارات طيرانهما المتوالية لا تفرق بين الأطفال والنساء، أو بين عسكريين ومدنيين، أو بين جنود وممرضين، ارتأى أربعة من الكتاب الفلسطينيين أن يقوموا بزيارة النظام الأسدي دعماً له في «مكافحة الإرهاب». لم تكن زيارتهم بصفتهم الخاصة فحسب بل بصفتهم أيضاً ممثلي اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين الرسميين.

لا تتجلى الفجيعة في موقف كتاب أدلوا منذ اللحظة الأولى للثورة السورية بآرائهم المناهضة لها مردِّدين الهراءات الإعلامية التي كان إعلام النظام الأسدي يرطن بها حول المقاومة والممانعة وما إلى ذلك، ولا في موقف مؤسسة رسمية تجمع الكتاب وتنطق باسمهم وتشبه في مواقفها من الكتابة ومن الحرية معظم مثيلاتها في الأقطار العربية الأخرى، بل في الوقوف إلى جانب نظام اتخذ من قضية فلسطين تجارة رابحة إعلامياً وسياسياً وكان أكثر من نكل بالفلسطينيين وسامهم سوء العذاب فوق عذاباتهم، سواء في معاركهم ضد إسرائيل بعد هزيمة حزيران 1967 أو في قواعدهم العسكرية أو في مخيماتهم حيث وجدت. ولا تزال المذبحة التي قامت بها قوات النظام الأسدي في مخيم تل الزعتر يوم 12 آب/اغسطس عام 1976 حية في الذاكرة العربية وكذلك التنكيل بسكان مخيم اليرموك طوال سنوات الثورة السورية الست الأخيرة.

فجيعة هي في الوقت نفسه مفارقة. إذ لا يقتصر الأمر على أنَّ أشخاصاً حِرفتهم ـ أو هوايتهم ـ الكتابة قاموا من أجل التعبير عن موقفهم السياسي بهجر أقلامهم واللجوء إلى ضرب من القعقعة وضرب الطبول من خلال انتقالهم إلى مقر النظام الأسدي بدمشق. كما لا يقتصر على كونهم ينتمون إلى فلسطين هوية وثقافة ونضالاً. بل يتجاوزه إلى أمر أشد غرابة يتمثل في الامتثال الطوعي إلى نظام لم يكن فعلياً على وجه الدقة في يوم من الأيام إلا واحداً من جلادي شعبهم في كل المجالات.

من الممكن، بعيداً عن المزايدات الأيديولوجية وبقدر كاف من الخبرة في التحليل التاريخي والسياسي، فهم مواقف من هذا القبيل تتخذها قوى أو أحزاب سياسية مصابة بداء العمى السياسي أو تشكو من الافتقار إلى القدرة على التحليل والفهم أو لمجرد انتهازية رخيصة تتساوى لديها المصالح والدماء التي تسفك في سبيلها. إذ لم تتوان كثرة من أمثالها لا في العالم العربي فحسب بل في بلدان كثيرة في عالمنا اليوم عن اتخاذ مثل هذه المواقف. لا بل إن مؤسسات إعلامية كبرى اشتهرت بمهنيتها وعراقتها في أوروبا لم تتوان هي الأخرى أمام إغراءات المال عن أن تسير في طريق الخداع والمراوغة والكذب. أما أن يتبنى كتابٌ فلسطينيون يحملون جروح النكبة ويفترض أن همّهم الأول حريتهم وشعبهم وقضيته الأساس موقفاً على النقيض من كل ما يجسّد شرف الكاتب وأمانته وسبب وجوده، فهو ما يصعب تصوره أو فهمه أو تبريره بأي معيار من المعايير الأخلاقية أو النفعية.

أين الخلل إذن؟ أهو في المؤسسة التي كانت رابطة لمع اسمها حين كان على رأسها ذات يوم محمود درويش ثم صارت اتحاداً تكلس واستحال على غرار سواه من اتحادات الكتاب العربية التي تخشى الكلمة الصريحة والموقف النبيل والشريف، أم في الكتاب الذين تكلسوا هم أيضاً على آثارها؟ وإذا كانت الحجة التي اعتمدوها تبريراً لذهابهم وجود الإرهاب في سوريا وعدم إيمانهم أو قناعتهم بوجود ثورة شعب يناضل من أجل حريته ودفع ولا يزال يدفع ثمناً لم يسبق لشعب من قبل أن دفع مثله بما في ذلك الشعب الفلسطيني الذي كانت مأساته مضرب الأمثال، فهل يعني ذلك أن يقفوا إلى جانب النظام القاتل، أم أنهم لا يزالون بحاجة إلى البرهنة على أن هذا النظام هو من يتحمل المسؤولية عن الكارثة السورية؟ هل سمعوا بمذبحة مخيم تل الزعتر عام 1976؟ وهل سمعوا بحصار تجويع مخيم اليرموك في العام الماضي؟ وكيف يمكن أن يفسروا لأنفسهم نزوح نصف الشعب السوري من مدنه وقراه ومنازله؟ بل لمن يعزون مقتل نصف مليون سوري؟ من الذي يملك الطائرات والبراميل؟ ومن ذهب يستعين بالقوى الخارجية كلها من الجماعات المرتزقة إلى الميليشيات الطائفية، ومن إيران إلى روسيا؟

ليست المسألة كما هو واضح مجرد مسألة نظام استبدادي يقمع المثقفين والكتاب ويحول بينهم وبين التعبير بحرية عن آرائهم ومواقفهم. إذ لم يكن هناك من يحمل الكتاب الفلسطينيين الثلاثة القادمين من بلد محتل على المجيء إلى دمشق المحتلة هي الأخرى. ولم تكن هناك سلطة ترغمهم على الذهاب سوى سلطة ضمير شهدنا ما أملاه عليهم. كان ذلك خيارهم الفردي وقد تماهى مع خيار المؤسسة التي ينتمون إليها. مثلهم في ذلك مثل رابعهم الذي رافقهم من دمشق بعد أن كان شاهد عيان لما حلّ بأهله في مخيم اليرموك على أيدي ميليشيا النظام الأسدي وحلفائه.

هذا يعني أن المسألة هنا لا تتجلى في علاقة المثقف مع نظام مستبد بقدر ما تتعلق بموقف أخلاقي مبدئي قوامه انتهازية موصوفة على أكثر من صعيد تتعامى عن المشكلة الأساس لصالح تفاصيل يختلف توصيفها في وجود أو غياب الأولى. وهو موقف لا يمت بصلة إلى تقويم هؤلاء الكتاب على صعيد الإبداع أياً كان مستوى إبداعهم.

لا يختلف هذا السلوك الذي سلكه بعض الكتاب الفلسطينيين واتحادهم، من ناحية أخرى، ـ ومن حيث المبدأ ـ عن ذلك الذي اتخذه اتحاد الكتاب العرب بدمشق ومعه عدد من الكتاب والمثقفين السوريين داخل سوريا وخارجها بعد خروج مواطنيهم إلى الشوارع يطالبون بالحرية وبالكرامة وبإسقاط النظام الذي حرمهم منهما طوال نيف وأربعين عاماً، حين تبنوا جملة وتفصيلاً ما اعتمده النظام الأسدي في حملاته الإعلامية الأولى من أنه ضحية مؤامرة كونية ينفذها سلفيون، وسارع أحدهم، وهو أحد أرباب الحداثة والمدافع الأول عن الثورة الخمينية والنهضة الوهابية في آن واحد، باتهام الثوار بالسلفية والرجعية لخروجهم من المساجد متجاهلاً انتماءاتهم الدينية والاجتماعية المعلنة وشعاراتهم ونداءاتهم التي جاهروا بها شفاهاً وكتابة. لم يتساءل هؤلاء أيضاً عن أساس المشكلة بل انتقلوا بهذه الأخيرة مباشرة وبلا مقدمات إلى ما كانوا يودون الاقتناع وإقناع الآخرين به بناء على ما يسمونه نتائج الثورة على الأرض، أي رهاب السلفية والسلفيين!

تلك هي خيانة الأمانة. خيانة تتجلى في هذا الانتقال المُتذاكي بالمشكلة من أساسها، أي من نقد النظام الاستبدادي ونتائج ممارساته الكارثية على البلاد والعباد، إلى تفاصيل تتعلق بثورة شعب كامل من دون وضعها في سياقها شكلاً وموضوعاً. خيانة طبعت مواقف بعض المثقفين والكتاب، من سوريين وفلسطينيين أو سواهم في مشرق البلدان العربية الأخرى ومغربها. لم يُمْلِ الاستبدادُ هذا الموقف بقدر ما حاول تربية أكثر من جيل على اتخاذ مثيله في مناسبات شتى، منذ أن استملك السلطة وساس البلاد بالعنف والقهر. ولئن نجح في سعيه لدى البعض مُخصباً لديهم بذور الانتهازية أو الانتماء الطائفي أو المنفعة الآنية فإنه فشل في الحيلولة دون انتفاض هذا الجيل الذي نرى اليوم بأعيننا ولادة كتّابه ومفكريه وفنانيه وهم يتألقون حرية وتحرراً، ويسيرون على درب مُعبَّدٍ بآلام أكثر من أربعين عاماً هي إرثهم الثقيل الذي يعملون على الخلاص من آثاره وسمومه القاتلة.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...