الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدرالدين عرودكي / ذراع إيران المسلحة/ بدر الدين عرودكي

ذراع إيران المسلحة/ بدر الدين عرودكي

 

 

للمرة الأولى منذ سنوات عديدة يغيب في تقرير التقييم الأمني السنوي الأمريكي، الذي قدمه مدير جهاز الاستخبارات الوطنية، جيمس كلابر، إلى مجلس الشيوخ، كلاً من إيران و»حزب الله» اللبناني من قائمة التهديدات الإرهابية للمصالح الأمريكية، وذلك في الوقت نفسه الذي أعلنت فيه السعودية، ومن ورائها دول مجلس التعاون الخليجي، حزب الله في لبنان حزباً إرهابياً بامتياز. لكنها ليست المرة الأولى على وجه التحقيق الذي تختلف فيه كل من الولايات المتحدة والسعودية في تقييم عدد من الأوضاع في المنطقة العربية خلال هذه السنوات الأخيرة.

لم يثر خبر غياب الإشارة إلى إيران وحزب الله في التقرير الأمني الأمريكي المشار إليه كثيراً من النقاش، مع دخول العلاقات الأمريكية الإيرانية – بعد توقيع الاتفاق النووي – مرحلة جديدة تقوم على التفاهم والتنسيق المتبادلين، في حين تتوالى ردود الأفعال التي أثارها قرار السعودية.

وبمعزل عن الأسباب الموضوعية أو الخاصة التي حملت هذه الأخيرة على اتخاذ مثل هذا القرار، ثمة سبب رئيس: نعلم أن الفكرة التي استقرت في الوعي الشعبي العربي منذ عقدين من الزمان تقوم على أن من طرد إسرائيل من لبنان ومن استطاع الوقوف في وجه جيشها هو «حزب المقاومة»، أي ما كان حزب الله في لبنان ولا يزال يطلقه على نفسه. وهي فكرة حاول هذا الحزب وأنصاره أن يزيدوها رسوخاً، ولا سيما خلال السنوات التي تلت حرب الـ33 يوماً عام 2006. ولا بد من الإقرار بأن النجاح الواسع لهذه الجهود غطى الساحة العربية في مشرقها ومغربها، لا على المستوى الشعبي فحسب، بل كذلك على مستوى عدد من الحكومات العربية، وعلى مستوى شريحة واسعة من الكتاب والمثقفين الذين لم تكن بصيرتهم النقدية شديدة اليقظة خلال تلك السنوات. وحين انفجرت ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، سارع حزب الله إلى الترحيب بهذه الثورات ترحيباً بدا منسجماً مع مواقفه كحزب «ثوري، ومقاوم، وممانع». لكن انفجار هذه الثورة في سوريا سرعان ما كشف الغطاء عملياً وبالتدريج، لا عن مجرد حقيقة مواقف حزب الله وأصولها الإيرانية فحسب، بل عن طبيعة الدور الذي أنيط بهذا الحزب أن يؤديه منذ تأسيسه في غمرة الحرب الأهلية اللبنانية في لبنان أولاً، وفي سوريا ثانياً، ثم في كل بلد عربي آخر يمكن لإيران أن تقرر الوجود فيه بطريقة أو بأخرى خلال السنوات التالية.

وهو دور فريد في طبيعته وفي وظيفته.. فرادة مصدرها دوافع وظروف تأسيسه في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما الأيديولوجية التي انطلق منها مؤسسه الأصيل أساساً ومطامحه، إيران.

كان لابد لإيران، وقد ترددت أصداء ثورتها في أرجاء العالم العربي كلها وجعلت منها ــ كما رأى بعض الرؤساء العرب آنئذ ومنهم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ــ العمق الاستراتيجي بامتياز للقضايا العربية التحررية وفي القلب منها فلسطين، أن تستثمر هذا الصدى على أوسع نطاق ممكن على الساحة العربية. وجاءت بعض القرارت الرمزية التي اتخذها الخميني، مثل قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وتسليم مقرِّ سفارتها إلى منظمة التحرير الفلسطينية آنئذ كي تذكي أوار الحماس الشعبي في العالم العربي بحيث بدت إيران آيات الله أشد حرصاً على قضية فلسطين وأكثر شراسة في عدائها لـ»الإمبريالية الأمريكية» من الحكومات العربية ذاتها. على هذا النحو، كان أي قرارٍ تالٍ يمكن لهذه «القيادة الثورية أن تتخذه في ما يخص القضايا العربية عموماً سيبدو «تقدمياً» أو «ثورياً» ما دام يقف في صف «العداء للصهيونية». على أنَّ السلاح الأهم، الذي تمثل إلى جانب ذلك في استخدام تراث إسلامي مُنتقى غطاء أيديولوجياً ينتمي في عمومياته إلى تراث المنطقة العربية بحيث يغطي من دون حرج كل الاعتبارات التاريخية والقومية التي ألفت المرجعية الأساس في الثقافة الإيرانية قبل الثورة واستمرت بعدها دون أي تغيير في العمق.

لم يكن غريباً والحالة هذه أن تستأنف في الثلث الأخير من عام 1980، أي بعد سنة من قيام الثورة في إيران، حربٌ إيرانية ــ عراقية كانت قد نشبت منذ عام 1969 حين ألغى الشاه معاهدة 1937 الخاصة بالحدود الجنوبية بين إيران والعراق، تلاها قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما إثر احتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث.

في غمرة هذه الحرب بين العراق وإيران إذن، وحرب أخرى، أهلية، كانت قائمة في لبنان، وكذلك في ظل احتلال إسرائيل لجنوب لبنان التي دخل جيشها بيروت في حزيران / يونيو 1982، إنما تم إنشاء حزب الله، الذي بدأ في هذه السنة نفسها مرحلة سرية من النشاط دامت ثلاث سنوات، أعلن بعدها وجوده بوصفه حزباً سياسياً يمثل مكوناً أساسياً من مكونات الشعب اللبناني، ذا طابع إسلامي، يحمل شعار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي قولاً وفعلاً. لكنه بخلاف حركة «أمل» ذات العلاقات الوثيقة مع إيران، أعلن حزب الله، الذي ولد من رحمها، بصريح العبارة في بيان أصدره بتاريخ 16 شباط/فبراير 1985 أن الحزب «ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة».

لم يكن النظام الأسدي، الذي كان قد وقف إلى جانب إيران في الحرب مع العراق والذي كان يدير شؤون الحرب الأهلية في لبنان، ضمن هذه الظروف المؤاتية لتطلعات إيران، بعيداً عن ولادة هذه القوة التي سرعان ما تجاوزت صفتها السياسية لتكتسب صفة القوة العسكرية الضاربة، لا على صعيد لبنان فحسب بل على صعيد المواجهة الحربية مع القوة الأمريكية والفرنسية في بيروت، من ناحية، والقوة الإسرائيلية، من ناحية أخرى في آن واحد، والتي تجلت في عملية الهجوم على مبنيي القوات الأمريكية والفرنسية ببيروت والتي أودت بحياة 299 جندي أمريكي وفرنسي، لكن حزب الله لم يعترف بها إلا بعد عام 985!

هكذا أمكن لظروف إقليمية وحربية أحسنت إيران انتهازها، ولتواطؤ نظام أسدي كان يعمل على توطيد جدارته في استملاك سوريا بلداً وشعباً، ويحاول في ثمانينيات القرن الماضي استثمار كل ما تتيحه له القوى الإقليمية والدولية من فرص لتحقيق مطامحه، ولأيديولوجية استفادت من بيئة حاضنة أن تسمح لإيران تحقيقَ ما لم تستطع قوة عظمى كالاتحاد السوفياتي من قبلها أن تحققه، أي إنشاء قوة محلية، أيديولوجية وسياسية، تتمتع بقوة عسكرية محلية ثم إقليمية ساحقة، لن يكون متاحاً اعتبارها إلا «مكوناً من مكونات البيئة التي نشأت ضمنها وجزءاً لا يتجزأ منها»، بدلاً من اعتبارها قوة أجنبية أو حتى قوة عاملة لحساب قوة أجنبية. ولسوف يناط بهذه القوة، حسب الظروف، القيام بمهام ما كان بوسع أية قوة إيرانية مباشرة القيام بها من دون تغطية رسمية، كما هو الأمر اليوم بالنسبة إلى المستشارين العسكريين الإيرانيين العاملين إلى جانب القوات العسكرية التي وضعها حزب الله في خدمة سياسة الولي الفقيه في سوريا.

بهذا المعنى، ليس المهم توصيف حزب الله حزباً إرهابياً. ولعل الأقرب إلى واقع الحال توصيفه ذراعاً عسكرية لقوة أجنبية ذات مطامع في الهيمنة، لا في لبنان أو في سوريا أو اليمن والبحرين فحسب، بل حيث ترى القيادة الإيرانية ضرورة توطيد هيمنتها على الساحة العربية، أي في أي بلد عربي آخر..

من السخرية القول، بهذا المعنى أيضاً، إن حزب الله هو أحد المكونات السياسية اللبنانية والقفز في الوقت نفسه على حقيقة أنه الحزب الوحيد في العالم الذي يسيطر بسلاحه على مقدرات دولة بأكملها.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...