الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / رحلة حنّا دياب الماروني الحلبي إلى بلاط لويس الرابع عشر/ أحمد بيضون

رحلة حنّا دياب الماروني الحلبي إلى بلاط لويس الرابع عشر/ أحمد بيضون

 

 

ليس انسياقاً مع عصبيةٍ ما بل لزوماً لطبيعة الأمور أن نعتبر نشر ترجمة فرنسية رائعة الصنع لمخطوط عربي نفيس محفوظٍ في الفاتيكان قبل نشر المخطوط بلغته الأصلية أمراً مؤسفاً… وليس صرفاً للنظر عمّا يكشفه هذا الأمر من خلل في حركتي البحث والنشر العربيتين أن نشيد بروعة الترجمة الفرنسية وبجهد التحقيق الجليل الذي ترك بصماتٍ ظاهرة جدّاً في النصّ وفي الحواشي فضلاً عن التقديم.

الكتاب الذي لا يزال أصله العربي ينتظر من ينشره كتاب رحلة. هو يروي الرحلة التي قام بها شابّ يدعى حنّا دياب من موارنة حلب إلى باريس ابتداء من أوائل عام 1707 وكان معظمها بحرياً، ولكن تخلّلتها مراحل برّية. وهو يروي، بعد أخبار إقامته الطويلة نسبياً في باريس، تفاصيل رحلة العودة إلى حلب أيضاً، وهي لا تقلّ ازدحاماً بالمشقّات وبالأخطار عن رحلة الذهاب. وقد طالت الرحلتان وما بينهما ثلاث سنوات وأشهراً فلم يحطّ هذا الشاب رحاله مجدّداً في مسقط رأسه الحلبي، حيث سيتزوّج ويمتهن تجارة الأقمشة، إلا في تموز/يوليو من سنة 1710…

وهو قد باشر هذه الرحلة بعد عزوفه، وهو المؤمن التقي، عن اختبار قصير للحياة الرهبانية في دير من أديرة الشمال اللبناني. رحل مخالفاً إرادة أخيه الأكبر بصحبة «مسافر ملكي» معروف من فرنسا هو بول لوكا، وكان الأخير قد أنهى رحلته الثانية إلى سوريا. هذا «المسافر» المنتدب بموجب مرسوم ملكي («فَرَمان» من «سلطان بلاد فرنسا» بلغة حنّا دياب) كان مكلّفاً أن يجوب البلاد ويشتري مخطوطاتٍ قديمة وعملات ومجوهرات وحجارةً كريمة لخزانة الكتب الملكية ولخزانة الملك الأخرى. وهو معروفٌ جدّاً لتدوينه وقائع رحلاته الثلاث وصدور كتب ثلاثة أوصلتها إلينا. وهو بهذه المثابة حالةٌ تمهيدية لحركة الاستشراق الفرنسية. ويغطّي ثاني الكتب المشار إليها – في ما يغطّيه – وقائع رحلة الذهاب التي يقصّها علينا مخطوط حنّا دياب. ولكنّ ناشري الترجمة ينوّهون بكثرة الفوارق بين الروايتين.

يوحي ختام المخطوط الذي نحن بصدده أنه وُضع بعد نيّفٍ وخمسين سنة من عودة صاحبه إلى حلب، وكان الرجل قد بلغ الخامسة والسبعين عند وضعه. ويميل محقّق الكتاب برنار هيبيرجيه إلى التعويل على قوّة الذاكرة الشرقية ودُرْبتها، في ذلك الزمان وبعده، لتفسير الدقّة المذهلة التي يتّسم بها وصف حنّا دياب لمشاهداته وروايته لوقائع عامّة وخاصّة َخِبَرها أو وصل إليه خبرُها في أثناء رحلته. ويخيّل إلينا أن من المحال أن يكون هذا الكتاب الذي تصف مقدّمة الترجمة لغته بالعربية المتوسّطة بين العاميّة والفصحى ثمرة الذاكرة وحدها أنتجته بعد هذه المدّة المديدة من انصرام الوقائع. ولا يبدو لنا ممكناً استبعاد الاعتماد في وضعه على مادّة دوّنت أوّلاً بأوّل بانتظامٍ أو بغير انتظام في خلال الرحلة، وهو ما كان يفعله بول لوكا، «معلّم» حنّا دياب، إذ كان يدوّن كلّ ليلة – بشهادة حنّا – وقائع يومه ومشاهداته… ولكنّه لم يكن، في نهاية المطاف، «مؤلّف» الكتب المطبوعة التي أوصلت إلينا أخبار رحلاته. وليس يستبعد أن يكون حنّا دياب قد أشار إلى مادّته الأولى تلك – إن كانت قد وُجدت – في الأوراق القليلة المفقودة من مخطوطته، وهي الأوراق الأولى. وفي كلّ حالٍ، تنوّه مقدّمة الترجمة ببعد هذا الراوية الذي «لا يشقّ له غبار» عن الحذلقة البلاغية التي أضرّت كثيراً بكتبِ رحلاتٍ أخرى إذ ضربت حجاباً بين النصّ وما يروي أو يصف.

انطوت رحلة حنّا دياب الشاقّة في الذهاب والإياب على مراحل ومحطّات وفيرة العدد جدّاً. محطّات قبرصية ومصرية، ليبية وتونسية، إيطالية وفرنسية… في طريق الذهاب. ومحطّات فرنسية وأناضولية وسورية فضلاً عن التعريج غير المتوقّع على إسطنبول عند الإياب إلى حلب. وفضلاً عن الإقامة الطويلة في باريس وكانت هذه مقصد رحلة الذهاب وقد مثل خلالها حنّا في حضرة «الملك الشمس» ونجا من صقيع عام 1709 القاتل ومن الوباء وشاهد في أثنائها ما شاهد وسمع ما سمع… وفضلاً عن الإقامة في إسطنبول وقد حظي فيها الشابّ، مثلاً، بمشاهدة السلطان يدشّن سفن بحريّته الجديدة… وفضلاً عمّا تخلّل هاتين الإقامتين من حوادث متنوّعة أخرى يرويها حنّا بتفصيل مغرق أحياناً، لم تكن أيّ من المحطّات الأخرى ولا من المراحل البحرية أو البرّية تعبر بلا مشاهدات أو حوادث يعدّها حنّا مستأهلةً التسجيل. فقد كانت ضرورات السفر البرّي وكذلك انتظار الإبحار يستكثران من المحطّات ويطيلان الإقامة في كلّ منها، إن لم يكن لشيء فلانتظار الريح المواتية أو احتمال خلوّ الطريق البريّة من قطّاعها أو البحرية من القراصنة، إلخ.

ولا تتّسع هذه العجالة لتلخيص ما يعرضه حنّا دياب في 400 صفحة مطبوعة. وكيف تتّسع وهو يوشك أن يفصّل ما تناوله من وجبات مميّزة واحدةً واحدة ويصف أزياء أصنافٍ كثيرة من الناس بتفاصيلها ويتوقّف مليّاً عند معالم المدن وتصميم البيوت والقصور ورياشها ويقصّ وقائع الإقامة في هذا النزل أو ذاك ويذكر أوصافه ويستعيد حوارات لا تحصى جرت بينه وبين أناس كثيرين، إلخ. وهو يذكر نشاط معلّمه بول لوكا خبيراً في الكتب والمجوهرات والعملات وطبيباً أيضاً ويذكر ما آلت إليه علاقته به بعدما تعلّم منه ما تعلّم ومن ذلك أوّليات طبّية انتفع بها (بإلهامٍ متكرّر لا ينسى ذكره من الله والسيّدة العذراء ومن ملاكه الحارس…) عندما عمد إلى انتحال صفة «الطبيب الإفرنجي» أثناء رحلة الإياب. ويطلعنا حنّا على حياة البحر وأوصاف السفن وظروف السفر عليها في أيّامه وعلى كيفيات مواجهة القراصنة والحظوظ في التملّص منهم. ويطلعنا على تنظيم السفر البريّ ولوازمه وأخطاره، إلخ. ولا ننس وصوله إلى قصر لويس الرابع عشر وروايته ما اتّصل إلى علمه من أخبار الملك وحواشيه وإقدامه على أخذ الشمعدان من يد الملك، بدعوى حَمْلِه عنه، وهو ما لم يكن يجرؤ وزير على الإقدام عليه بلا أمرٍ من صاحب الجلالة الذي قبل بادرة حنّا ولم يأمر له بعقوبة. ولا ننس دخول حنّا قصر الملك في فرساي مرّة أخرى متمنطقاً بخنجر، وهو ما أطار لبّ «المعلّم» لوكا العارف بما يمكن أن تجرّه هذه الحماقة إلخ.

يبقى أن نذكر أنطوان غالان و»ألف ليلة وليلة». التقى حنّا دياب في باريس هذا الرجل الذي يصفه بـ»العجوز» وكان يعمل في ترجمة قيّض لها أن تدخل التاريخ لكتاب «ألف ليلة وليلة». يقول حنّا بإيجاز شديد ما مفاده أن الرجل كانت تعوزه بعض «الليالي» وكان حنّا يعرفها فحكاها له. على أن التحقيق في الأمر يظهر أن هذه «الليالي» كانت لا تقلّ عن 16 من الحكايات أثبت غالان 12 من بينها في ترجمته. ومن بين ما أخذه المترجم عن الشابّ الحلبي بعض من أشهر حكايات الكتاب ومنها حكاية علاء الدين وحكاية علي بابا. وما يجعل الأمر أشدّ إثارةً أننا لا نقع على أثر لهذه الحكايات في مخطوطات «الليالي» التي ترقى إلى عهد سابق لنشر ترجمة غالان. عليه، ذهب غير واحد من دارسي «الليالي» إلى الفرضية القائلة بأن غالان هو من أضاف هذه الحكايات كلّها على الكتاب وأنها إنما نقلت إلى العربية عن ترجمته.

غالان أي حنّا دياب! ذاك ما يتبيّن من الكتاب الذي بين أيدينا. ويذهب برنار هيبيرجيه إلى أن في حكايّة علاء الدين، مثلاً، عناصر قد تكون مستقاةً من سيرة حنّا نفسه، ذاك ما لم يعترف به غالان الذي لا يذكر حنّا إلا في كتاب مذكّرات لم يكن معدّاً للنشر. وهو قد حاول أن يتدبّر للشاب وظيفة «مسافر ملكي» مماثلة لوظيفة معلّمه لوكا، وذلك ليبعده عن القسم العربي من خزانة الكتب الملكية وهو الذي كان لوكا قد وعده بوظيفة فيه. ولكنّ هذا الأخير الذي رأى وظيفته مهدّدة من جهة خادمه أحبط مسعى غالان للحصول على فرمان لحنّا وهذا بعد أن كان الشابّ قد أصبح في مرسيليا جاهزاً للإبحار… هكذا وقع حنّا ضحيّة مؤامرتين متقاطعتين ألزمتاه بالعودة إلى بلاده.

أصبح غير مستحسن، من بعدُ، ولا جائز أن ينشر الأصل العربي لرحلة حنّا دياب من غير إفادة شاملة من جهد التحقيق الضخم الذي صحب الترجمة الفرنسية. فقد أضاف ثلاثي الترجمة والتحقيق باولا فهمي تييري وبرنار هيبيرجيه وجيروم لنتان إلى علمهم وكفاءتهم الضافيين معرفة آخرين كثيرين استفتوهم في نقاط كثيرة بعينها وشكروا لهم إمدادهم بما أصبح مادّة لهذه الحاشية أو تلك. وقد صحّحت الحواشي والمقدّمة هفواتٍ كثيرة وقع فيها حنّا نفسه وفسّرت ما غمض من عباراته ودقّقت في هويّات أشخاصٍ ذكَرَهم عرَضاً وفي وقائع أشار إليها. لا بدّ إذن من نشر الأصل العربي لرحلة حنّا دياب ولا بدّ أيضاً من الاتّفاق مع أصحاب الترجمة الفرنسية ومع ناشرهم (سندباد-آكت سود) على صيغة تأذن للأصل أن يفيد من مزايا الترجمة. وهو ما يبدو أنه حصل في ما مضى لكتاب «ألف ليلة وليلة» نفسه بفضل حنّا دياب وأنطوان غالان.

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

80 − = 73

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...