الرئيسية / صفحات الثقافة / عَقْـلٌ عاقِـلٌ.. عقْـلٌ أسِيـرٌ/ صلاح بوسريف

عَقْـلٌ عاقِـلٌ.. عقْـلٌ أسِيـرٌ/ صلاح بوسريف

 

 

كان المُثَقفُ، دائِماً، في مَرْمَى السلْطَةِ. إما طَيعاً، تابِعاً، قابِلاً للخِدْمَةِ، وهذا، عادَةً، ما تَعْمَل السلْطَة على ابْتِذَالِه، لأنها تُدْرِكُ أنه بلا رأيٍ ولا مَوْقِفَ لَه، أو هُو شَخْصٌ قابِلٌ للانْقِلابِ حتى على نَفْسِه، إذا ما بَدا لَهُ أن نَفْسَهُ لاَ تَسِيرُ على هَواهُ، وإما حُراً مُسْتَعْصِياً، له رُؤْيَةٌ، ومَوْقِفٌ نَقْدِي، وبالتالِي، فهو صَاحِب مَشْرُوعٍ، السلْطَةُ فيه هي طَرَفٌ نَقِيضٌ ما دَامَتِ السلْطَة نِظاما يَعْمَل على حِراسَةِ القِيَم وعلى تَثْبِيتِها، خُصُوصاً قِيَم الاسْتِعادَة والرسُوخِ، أو ما يكونُ، بالأحْرَى المُقابِلَ الضديَ للِتغْييرِ ولابْتِداعِ الأفْكار، والثوْرَة على الأثْوابِ الرثَةِ، البالِيَةِ والقديمَة.

الأول، بين هؤلاءِ، هو الفَقِيه، أو «رَجُل الدين»، عُموماً. نادِراً، ما كان الفَقِيهُ، بِصُورَةٍ خاصةٍ، مُحْتجاً، رافِضاً، لا يُسايِرُ السلْطَةَ، ولا يَعْمَلُ في سياقِ نِظامِها، بل إن هذا الفَقِيه الرافِض، المُحْتَج، المُناوِئ، عَرضَ نَفْسَه لِلْمُضايَقاتِ والهَلاكِ، حِمايَةً لِرأيِه من التشْويشِ والتزْوِيرِ، ودِفاعاً عن أفْكارِه، التي يَرَى أنها لا تَقْبَل الابْتِذال. ولعل في «مِحْنَة ابن حَنْبَل» في ما سُميَ بـ «خلْق القرآن»، في عهد المأمُون، ما يكْفِي لِلتمْثِيل لِهذا المُثَقف، الذي نُكلَ به لأنهُ دافَع عن فِكْرَتِه، ولَمْ يَشَأْ أن يُغَيرَها، بالقَهْرِ، عِلْماً بأن الفِكْرَ، هو أخْذٌ ورَد، بالحُجةِ، وبالحوارِ والجِدال، مَهْما كان رأْيُ الطرَفِ المُخالِف. العَقْلُ، هُنا، وفي هذه النازِلَة، بالذاتِ، خَان حُجتَه، وانْهَزَم، في ما أتَصَور، رَغْمَ أن الأَمْرَ يتعلقُ بالمُعْتَزِلَة، الذين انْتَصَرُوا للعَقْل. السؤال، هو، هَلْ يَسْتَقِيمُ عَقْلٌ، أصْبَح أداةً في يَدِ السلْطَةِ، ويَبْقَى عَقْلاً عَاقِلاً، يَنْظُرُ إلى الأشْياء بِحُريَةٍ وتَجَردٍ، أم أنه يُصْبِحُ عَقْلاً أسِيراً، في قَفَصِ «النظامِ»، لا حُريَة لَهُ على نَفْسِه، ولا على ما يَدْعُو لَهُ من أفْكارٍ؟

الثانِي، هو «الداعِيَة». وأنا أُمَيزُ، هُنا، بين الفَقِيه والداعِيَة، كَوْن الداعِيَة، خُصوصاً، في زَمَنِنا هذا، هو شَخْصٌ، رَكِبَ الدين، واسْتَعْمَلَه، ليس دِفاعاً عن الدينِ، بل خِدْمَةً لِتأوِيلاتِهِ هو للِدين، وهي، عادَةً، ما تَكُون تأوِيلاتٍ فيها تَطَرفٌ وشَطَطٌ، وفيها قراءةٌ تَجُر الدينَ إلى مَناطِق مُعْتِمَةٍ، لا هامِشَ فيها للحِوار، ولا لِقَبُول الرأْيِ المُخالِف، وهُنا يَحْدُثُ اللقاء والتجاوُر، بين العَقْل الأسِيرِ، الذي وَهَبَ نَفْسَه للِسلْطَة والنظام، وبين هذا العَقْلِ الحَسِيرِ، الذي يُرِيدُ أنْ يَكُون بَدِيلاً عن السلْطَة والنظامِ، في الاسْتِبْداد، والقَهْرِ، وحَجْبِ الحقيقة، وإلْغاء الإنْسانِ في مُقابِلِ الغَيْبِ. وهذا النوْع الثاني، هو تابِعٌ، لَكِن، إلى حِينٍ، لأن السلْطَة نفْسَها، تَعْتَبِرُه انْقِلابِياً، وخَطَراً عَلَيْها، لِذَلِك فهي تُؤَجل انْصِياعَه، وَتُرَوضُه بِجُرُعاتٍ. وهذا ما يُمْكِن أن أُمَثلُ لَهُ بالداعِيَة السلَفِي، محمد الفزازي، وبِعبد الإله بنكيران، و مَنْ مَعَه، مِمن هُم اليوم في السلْطَة، أو في بَيْتِ الطاعَةِ بالأحرى. فهؤلاء، أصْبَحُوا أكْثَر مَلَكِيَةً من المَلِك نَفْسِه، وحتى السلْطةَ لَمْ تتوقع انْصِياعَهُم بهذه السرْعَة، وبهذه الصورَة التي يبدُو فيها العَقْل عاجِزاً عن فَهْم ما يجري.

الثالِثُ، هو المُثقف الحُر، المُسْتَقِل بِفِكْرِه ورأيِه، أي مَنْ يَنْظُرُ إلى المستقبل، ولا تَعْنِيه الإخْفاقاتُ الراهِنَةُ، ولا ما يَعِيشُه من إحْباطاتٍ، أو إحْساسٍ باليأس، نتيجةَ ما يتعرض لَه من إبْعادٍ، وأن لا أحَدَ يَسْتَمِع إليه، فهو غير مَعْنِي بهذا كُله، ما يَعْنِيه، هو أنْ يَسْتَكْمِل مَشْرُوعَه، أو يَضَعَه على السكةِ، لأنه بِحَدْسِه وحِسه العالِم، العارِف، يُدْرِكُ أن الأفْكار العظيمَةَ، تَحْتاجُ لِزَمَنٍ عَظيمٍ، وعَقْلٍ عظيمٍ، وهذا ما يُمْكِن أنْ نَجِدُ لَه أكْثَر من مِثالٍ، في الثقافَة والفِكْر الإنْسانِيَيْن، بما فيهما الثقافَة العربية. يمكن الإشارة إلى طه حسين، وإلى علي الوردي، عالم الاجتماع العراقي، وإلى القُصَيْمِي، وإلى أدونيس، وحسين مروة، وطيب تيزيني، ومحمد أركون، وعبدالله العروي، ومحمد عابد الجابري، وغيرهم كثير. ثمة من هؤلاء من اسْتَدْرَجَتْهُ السلْطَة، لكنه، في لَحْظَة ما، أدْرَك أن مَشْرُوعَه أكْبَر من مشروع السلْطَة، وأن مكانَه، في ما يَكْتُبُه ويقولُه، لا فِي غيره من المَواقِع العابِرَة، فتراجَعَ، ليس لأنه كان انْتِهازِياً، طامِعاً في السلْطَةِ، بل لأنه سَعَى للِتغْيير من الداخِل، رُبما، وحالَما اكْتَشَفَ أن هذا الداخِلَ لا خارِجَ لَهُ، عادَ إلى مَوْقِعِه، وإلى نَفْسِه، التي كانتْ أمَرَتْه بالسوءِ، في لَحْظَةٍ، وَسْوَسَ لَهُ فيها شَيْطانُ السلْطَة، ولَعِبَ بِرأْسِه.

لا أحَدَ مِنْ هؤلاء، ومن غيرهم، يوجَد في قَلْبِ «إصلاح التعليم»، في المغرب. ولا في كثيرٍ من اللجَن التي تدعِي أنها سَتَخْرُج بالبلادِ من القَهْر الذي تعيش فيه، اقْتِصادياً، واجتماعياً، وثقافياً، بما في ذلك إصلاح مُقررات «التربية الإسلامية». وهذا أمْرٌ طبيعي، قياساً بطبيعة المثقف الحُر، النقْدِي، فهو لا يَرْهَنُ نَفْسَه بالراهِن، ولا بإمْلاءاتِ السلْطَة، التي لا ترغبُ في التغْيير الجِذْري، بل بالتغْيير السطحي، الذي يُسْتَبْدَل فيه قِشَرٌ بِقَشَرٍ، ليس أقل.

حين اسْتَدْعَى المجلس الأعْلى للتعليم، الفيلسوف والمُفَكر الفرنسي، إدغار موران، بدا أن ما يقولُه هذا المفكر الحُر والنقدي، أكثر جُرْأَةً، وأكثر جِذْرِيَة من كلام أعضاء هذا المجلس، وأن أُفُق الإصلاح، كما رآهُ، كان هو نَفْسُه، ما كَتَبْنا عنه مِراراً وتِكْراراً، وما كتب عنه غيرنا، ممن خاضُوا في هذا الموضوع، ولا أحَدَ سَمِع لِما كَتَبْناه، وقُلْناهُ، ولا أحَدَ سَيَسْمَع لِما قالَهُ موران، لأن الفِكْر الجَرِيء المُتَقَدم، يَحْتاج لمسؤولين جَرِيئين مُتَقَدمِين، لا يَخْشَوْن لَوْمَة لائِم، ولا يَخافُون على كراسِيهم من السقوط، أو أن تُسْحَبُ البُسُط والسجاجِيد الحمراء من تَحْتِ أحْذِيَتِهِم.

إن المثقف، هو فِكْرٌ ونَظَرٌ، وهو رؤية بَعيدة المَدَى، وهو عادةً ما يَضْبِط ساعَتَه على تَوْقِيتٍ آتٍ، لا عَلَى ما مَضَى وانْتَهَى أمْرُه، أو أصْبَح في عِداد المُتلاشِي، وغير القَابِل للعَمَل، أو كما قال سُقْراط، فإن المثقف التنْوِيرِي، التثْوِيرِي، الحُر، هو بَعِيدُ النظَر، ولا يَخْدُمُ الراهِنَ، أو يَعْمَل عَمل الإطْفائِي، يَكْتَفِي بَإنْهاء الحرائقِ، بل إنه يَعْمَل على تَفاديها، قبل أن تَحْدُثَ، وينظُر في أسباب وُقُوعِها، لِمَعْرِفَة مَكامِن الخَلل.

هذا المثقف، هو عكس الفقيه، وعكس الداعِيَة، هو سُلْطَةٌ خارِجَ السلْطَة، أعْنِي السلْطَةَ الرمزيةَ، لا السُلْطَة الماديَة القَسْرِيَةِ والمُتَسَلطَة. وهو عَقْل، لا يَفْتَأُ يَنْتَصِر للعَقْل، ولا يَسْمَح باسْتِدْراجِه لِيَخْرُجَ عن صَوابِه، وَيَفْقِد رَجاحَتَه، كما حدث مع ابن حنبل في زمن المعتزلة، وفي زمن المأمُون الذي أسسَ «بيتَ الحكمة»!

٭ شاعر مغربي

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 2

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...