الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رياض معسعس / في المسألة الكردية السورية/ رياض معسعس

في المسألة الكردية السورية/ رياض معسعس

 

 

من تصفح تاريخ سورية ونقب في تعاريجه ودهاليزه ألفى أن أرضها كانت ولاتزال مفتوحة لكل غاز، من فرس ورومان وعرب، وصليبيين ومغول وتتار، وأتراك وأوربيين.

كما شهدت هجرات بشرية مختلفة على مر العصور، منها ما هو ديني، ومنها ما هو عرقي، كاليهود الذين احتلوا فلسطين باسم الدين، كما فعل الصليبيون من قبلهم، أو كالأرمن والشركس الذين هجروا إلى سورية مع بداية القرن العشرين، إثر الحرب العالمية الأولى، أو التركمان الذين استوطنوا سورية بعد سقوط السلطنة العثمانية.

أما الكرد فوجودهم قديم حديث، تعزز مع حملات صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين، ثم الدولة الأيوبية التي امتدت من عام 1193 ولغاية عام 1252. استوطن جزء منهم في دمشق في حي الأكراد، وتفرق جزء آخر في المدن السورية المختلفة، بينما تركز وجود معظمهم في الشمال السوري في منطقة الحسكة في مدن القامشلي، وعين عرب (كوباني) وجرابلس وعفرين. ويعتبر الكرد أكبر مكون عرقي في سورية بعد العرب (حوالي 10%) من السكان البالغ عددهم حوالي 23 مليون نسمة. في الفترة العثمانية هاجرت بعض قبائل الكرد من منطقة الأناضول إلى شمال سورية كقبيلة الرشوان واستوطنوا فيها، وبعد حكم مصطفى كمال تركيا هاجر عشرات الآلاف من الأكراد إلى سورية، وقام الانتداب الفرنسي بتجنيسهم. وانخرط جزء منهم في قوات الشرق التي شكلها الانتداب الفرنسي من الأقليات في سورية، ورغم مطالب الكرد من فرنسا بإنشاء دولة خاصة بهم أسوة بدولة العلويين، ودولة الدروز التي كانت تنوي إقامتها، إلا أنها رفضت هذا المطلب. وقد ساهم الأكراد بشكل كبير في الحياة السياسية السورية، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى، إذ وصل عدد كبير منهم إلى أعلى مناصب الدولة، وكرمتهم سورية أفضل تكريم، كوزير دفاع الملك فيصل، يوسف العظمة الذي استشهد في معركة ميسلون ضد الجيش الفرنسي الغازي، وتمثاله ماثل إلى الآن على رصيف رئاسة الأركان السورية، في أجمل وأكبر ساحة في دمشق ساحة الأمويين. ونصب محمد علي العابد الكردي الأصل كأول رئيس للجمهورية عام 1936 ثم تبعه عطا بك الأيوبي.

وبعد الاستقلال قام حسني الزعيم بأول انقلاب عسكري في سورية عام 1949 على الرئيس المنتخب شكري القوتلي، وتبعه فوزي سلو بانقلاب آخر، ثم أديب الشيشكلي (أي أن خمسة رؤساء من أصل تسعة عشر رئيسا حكموا سورية من أصل كردي). وكذلك الأمر بالنسبة لرئاسة الوزراء فكان منهم: عطا بك الأيوبي، حسني البرازي، محسن البرازي، محمود الأيوبي. وقام الكرد السوريون بتشكيل أول حزب سياسي عام 1957 باسم الحزب الديمقراطي الكردي السوري، لكن تم حظره من قبل السلطات السورية آنذاك، ثم قامت بسحب الجنسية من 120 ألف كردي بصفتهم أجانب. وأحصت المنظمة الدولية عام 1965 أن حوالي نصف مليون كردي في سورية لا يحملون الجنسية السورية. وقد قامت الحكومات البعثية المتتالية منذ تولي السلطة عام 1963 بنهج سياسة التغيير السكاني في منطقة الجزيرة، خاصة بعد اكتشاف النفط فيها، عبر توطين قبائل عربية وتهجير الكرد. وتم تضييق الخناق على كل نشاط ثقافي، فمنع الكرد من تعلم اللغة الكردية، أو إنشاء أي حزب سياسي.

ومع استيلاء عائلة الأسد على السلطة في سورية عام 1970 ازداد الوضع سوءا وشهدت المناطق الكردية عدة أحداث دموية وانتفاضات، وقام حافظ الأسد الذي كان يعادي تركيا باللعب بالورقة الكردية، عبر السماح لحزب العمال الكردستاني المعارض في تركيا بفتح معسكرات في سورية ولزعيمه عبد الله اوجلان الإقامة فيها، ولكن في عام 1998 اضطر الاسد بعد تهديد تركيا الجدي بإغلاق هذه المعسكرات وطرد أوجلان، الذي استطاعت تركيا القبض عليه وإيداعه السجن.

أما في عهد بشار الأسد فلم تكن حال الكرد أفضل مما كانت عليه في عهد أبيه، فالظلم الذي عاشه الشعب السوري، وحالة الاستبداد والفساد، لم يشهدها شعب سورية في تاريخه الطويل، إذ لم يفرق نظام الإجرام بين كرد وعرب أو سواهما من مكونات الشعب السوري، فعاني الكرد ما عانى أخوانهم السوريون، ولكن يضاف إلى ذلك حرمان بعضهم من الجنسية السورية، وحرية تعلم لغتهم وممارسة ثقافتهم. لكن هذا المشهد سيتغير فجأة مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، فمع انتفاضة الشعب السوري ضد نظام الاستبداد والفساد والطائفية، وجد الكرد فرصة لفرض وجودهم السياسي والثقافي، والاجتماعي. فتم تأسيس المجلس الوطني الكردستاني في العراق، وهو قريب من رئيس كردستان العراق مسعود بارزاني في أكتوبر 2011 الذي يضم ستة عشر حزبا كرديا، ورفع شعار «تغيير النظام» بدل شعار «إسقاط النظام» الذي رفعته الثورة السورية. وانضم للمجلس الوطني السوري، رئيسه الحالي ابراهيم برو.

في المقابل برز حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي تأسس عام 2003 يقوده حاليا صالح مسلم، والتابع لحزب العمال الكردستاني التركي، كلاعب أساسي في تقاسم الأدوار مع نظام بشار الأسد، في عملية إخماد الثورة السورية، وخلط الأوراق، والوقوف في وجه تركيا الداعمة للثورة السورية، التي تحتضن المعارضة وعددا كبيرا من اللاجئين السوريين. وقد قام مسعود بارزاني بجمع حزب الاتحاد والمجلس الوطني في ما يعرف بتفاهم أربيل، وتشكيل المجلس الأعلى الكردي، إلا أن خلافات عميقة تفصل بين هذين التيارين، ففي حين أن الاتحاد الديمقراطي يهدف لقيام كيان كردي مستقل ذاتيا في الشمال السوري، يطالب المجلس الوطني الكردي بنظام فيدرالي في سورية ورفع كلمة عربية من الجمهورية العربية السورية. وقد تم تشكيل وحدات حماية الشعب الكردي المسلحة (يشار إليها بمختصر قسد باللغة الكردية) المدعومة من أمريكا، لمقاتلة «داعش» في منطقة الجزيرة التي باتت تحت سيطرتها منذ عدة سنوات. لكن حزب الاتحاد حاول الامتداد غربا ليسيطر على كل الشريط الحدودي المحاذي لتركيا، ما أثار غضب أنقرة التي ترى في هذا الحزب صنوا لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا، وأنه يشكل على أمنها خطرا كبيرا، وهذا ما جعل العلاقات التركية الامريكية تتدهور بشكل كبير خلال فترة رئاسة اوباما، ما دفع بتركيا الاتجاه نحو روسيا ومصالحتها، بعد ان وصلت علاقتهما للحضيض، بعد اسقاط الجيش التركي لطائرة روسية مقاتلة فوق الاراضي السورية. والاتفاق معها على تبادل المصالح بشكل تسمح تركيا لروسيا وقوات الاسد وميليشياته السيطرة على كامل حلب، مقابل ألا تتدخل روسيا في عملية درع الفرات التي تهدف إلى إيجاد منطقة «آمنة» تبدأ من مدينة أعزاز فمدينة الباب (التي تم تحريرها) ثم المنبج، ويبدو أن النوايا التركية لن تتوقف عند هذا الحد مع بداية تباشير شهر عسل مع الادارة الامريكية الجديدة، التي تؤيد الخطة التركية في إيجاد منطقة آمنة تحتضن اللاجئين السوريين من ناحية، وتقطع الطريق على مشروع حزب الاتحاد الكردستاني إنشاء دولة في الشمال السوري. وقد رفضت تركيا ان يشارك هذا الحزب بأي مفاوضات بين النظام والمعارضة، رغم سعي موسكو لإشراكه في المفاوضات في أستانة أو جنيف، على غرار المجلس الوطني الذي يشكل جزءا من الائتلاف السوري المعارض.

وتبقى الأمور حاليا مرهونة بمدى التوافق الروسي الامريكي في الملف السوري، ومدى التقارب بين واشنطن وأنقرة، وعودة أجواء الثقة بينهما، التي فقدت في عهد أوباما. إن الشعب الكردي الذي لا شك عاني من ظلم النظام البعثي الأسدي كما عاني الشعب السوري، لكن السوريين بجميع أطيافهم لا ينظرون للإكراد إلا كأخوة لهم في السراء والضراء، وهم سوريون مثلهم مثل اي سوري آخر لهم الحقوق نفسها وعليهم الواجبات نفسها.

كاتب سوري

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...