الرئيسية / صفحات الثقافة / نزرو/ صهيب أيوب

نزرو/ صهيب أيوب

 

 

وجدوه في حلب. كان مستلقياً في غرفة مستشفى ابن خلدون حين دخل لمعي ليؤكد هويته. قيل يومها ان ضابطاً كان يخدم في اللاذقية رآه. تروي تفيدة مكنو الحكاية على مسامع بنات اختها خيرية بهدوء. تسردها كأن ما حصل كان لامرأة أخرى. ذهبنا يومها إلى مصيف الرمال الذهبية في طرطوس. أمسك لي حقبتي طوال الطريق، وقال إنه يحب فستاني المرقط الذي ارتديه. يذكره بأول يوم التقينا به في حي الشعلان. تناولنا بازلاء خضراء أمام الغرفة رقم 12. يمر طفلان أمامنا وهما يأكلان البوظة. ننظر إليهما بصمت يذكرنا أن لا أولاد لنا ولا أحفاد ولا نحفل إلا بالابتسام للأطفال على غفلة منا.

كان البحر يضيق بأزرقه، والناس يغفون تحت أشعة شمس دافئة. قال لي إنه يريد أن يجلب لي «قازوزة سودا» من محل خارج سور المصيف، وإنه يمكننا في اليوم التالي أن نستقل سيارة أجرة ونتجه إلى جبلة لنأكل كنافة بجبنة. وافقت وأنا أفرد أغراضنا فوق السرير الذي بدا متسخاً، وشرشفه باهت اللون.

تتوقف عن الكلام. تمسح عرقها بمنشفة تحرص على تبليلها بماء الورد، ثم تقول إنه خرج ولم يعد إلا بعد 3 أشهر. لم أعرف النوم طيلة هذا الوقت. أحسست باختناق في قلبي، رغم أن شقيقّي لمعي وبديع حاولا تعميم صورته على مراكز الشرطة في كل المحافظات. «نزرو» الذي ما زلت أراه طفلاً بشعر أشقر مسدول، كما في صورته المعلقة في صدر صالون بيتنا في شارع ركن الدين فكرت أنه مات أو قتل. كنت أعد له «الشيخ محشي» كما يحب. وصرت أطبخه كل يوم في غيابه، أحس أن ما ينقصني أن استعيده في البيت، وأن أوزع صوره المتبقية في زوايا الغرف. كأن أضع صورته يوم عيّن مديراً لمؤسسة الزراعة في الغوطة، أو أعلق أخرى واقفاً أمام «حديقة القشلة»، وهو يبتسم مثل ولد.

لم يتوقف قلقي عليه، وأنا استيقظ كل يوم من كوابيس أراه فيها مشنوقاً و معلقاً فوق سارية وسط حارة العباسيين. أغفو في فراشي بنصف إغماضة مثل جثة تتهيأ لغسلها. أستفيق كالمجنونة أبحث عنه في غرف البيت. أقف لساعات أمام صوره. أرتبها. أعيد توزيعها. ثم أدخن سيجارة. اتصل كل يوم بمركز الشرطة. أذهب معهم للبحث عنه. أرتدي فستاني المرقط الذي يحبه لعله حين يراني يتذكرني. أتخيله دوماً يطبع قبلة على وجنتي المجعدة. أنا التي استنفدت عمري في تعليم فتيات مدرسة المزة المحدثة، قبل أن أتقاعد معه في شقة واسعة، تزين شرفاتها نباتات القرطاسيا والنارنج. نترك الصالون عصراً لرشف القهوة بالمسكة. كان يعيرني دوماً بأصولي الكردية ويقول إنني لا أفرق بين أنواع القهوة. أضحك من كلامه وأنا أرمقه بنظرة قاسية. فيراضيني بقبلة على يدي. كنا وحيدين نعرف كيف نمضي الوقت. كأن نخرج للمشي أو الاكتفاء بمشاهدة المارة من شرفتنا. نقل من الأكل والكلام، لكننا نستمع إلى الموسيقى ونرقص قليلاً. ثم نشرب كأسين من العرق. كان يحرص على شرائه من كسب.

عاد به شقيقي لمعي. لم أحدثه لأيام إلى أن عرفت أنه أصيب بمرض الزهايمر. عرفت أن المرض سيشاركنا فراشنا ويومياتنا، وأنه سيعيده طفلاً لي. يحكي لي كما كان عن أمه بديعة، وشقيقاته جلنار وإشراق، اللتين ماتتا بحريق بيتهم.

٭ اعلامي لبناني

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 3

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...