ابرهيم الزيديصفحات الناس

هنا أفغانستان… الرقة سابقاً/ إبراهيم الزيدي

 

 

كما يتابع المغرمون بكرة القدم أخبار المونديال، نتابع أخبار الرقة! وكلما هزّت كرة اللّهب مرماها، نتسابق إلى مقاهي الإنترنت، نفتح صفحة «تعازي الرقة «، ونبحث عن أنفسنا بين الضحايا، تلك هي قصة الحب حين يصبح ممنوعاً من الصرف.

كطفل يحلم بالمدرسة قبل أن تنمو حقيبته بين كتفيه، كنت أحلم بزيارة الرقة، الرقة ـ المكان، وليس الأهل أو الأصدقاء، الرقة ـ الذاكرة، وليس البيت أو الشارع أو النهر، الرقة- البعيدة، وليست التي تستوطن الروح، رقة ـ الموضوع، وليس بيانه.

أريد أن أرى أبناء النسيان الذين كبروا بعيداً عن عينيّ، أن ألمس أوجاعهم بقلمي قبل أن يكتبهم الغرباء، وينثرونهم على صفحات الجرائد بعشوائية مدن «البيدونفيل»، أريد أن أعود إليها لأعيش ثانية تلك الرعشات التي تتسلق العمود الفقري، وتسري في جسمي خليّة .. خليّة، كنت كطفل وقع في حب حذاء رياضيّ في واجهة أحد المتاجر، أغدو.. وأروح أمام البولمان الذي سيغادر الكراج حين يستكمل نصاب الركّاب، كانت برفقتي ابنتي الصغيرة، اقتادتني لتبتاع ربطات ملونة لشعرها الخرنوبي الطويل، فتركت يدها في محفظة نقودي، وغادرت.. فأنا لا أريد أن أعيش أربعا وخمسين عاماً، إلاّ حلما، وقد كانت الرقة حلمي .

أخذت مقعدي في النصف الأخير من البولمان، إلى جانب رجل في الأربعين من العمر، بدت عليه علامات التعب، رأيته يتحدث إلى رجل آخر قبل أن نصعد إلى البولمان، وقد تناهى إليّ من حديثهما أنه كان يوصيه أن يبيع شيئاً ما، إذ أنه كان يقول له «بغالي.. برخيص.. مو مشكلة، المهم بيعها.. مثل مانك شايف ما بقي معنا شي، وجانا الشتا والمدارس»، عرفت في ما بعد أن الذي كان يتحدث إليه هو ابن عمه، وان ابن عمه هذا غادر الرقة منذ سنتين، وقد مسّه العوز، فالغلاء في سوريا لم يعد يتناسب مع دخل الناس، ولديه شقة سكنية في الرقة، هي كما يقول: «الحيلة والفتيلة» أي أنها كل ما يملك، وقد كلفه ببيعها ليستعين بثمنها على متطلبات الحياة.

كان الطريق إلى الرقة طويلا فملأناه أنا وذلك الرجل بالحكايا، إلى أن تجاوزنا مدينة السلمية، ووصلنا حاجز «إثريا» وهو أول حواجز «داعش» وأقواها أمنياً، حيث التدقيق يكون على أشده، فتملكني الخوف، لدرجة أعطيت لشريكي في المقعد عدة أرقام هواتف أرضية ونقالة، منها في الرقة، ومنها في محافظات أخرى، ورجوته أن يتصل بهذه الأرقام إذا تم اعتقالي، فسألني إن كنت مطلوباً لهم، فأجبته بالنفي، وأخبرته إنني أشكو من رهاب الحواجز الأمنية، لم أشأ أن أخبره بعملي الصحافي وذهبت في إقناعه مذاهب شتى، حين تجاوزنا الحاجز أخبرني إنني أصبحت بأمان ،لأن بقية الحواجز تعتمد على ذلك الحاجز إدارياً وأمنيّاً، علماً بأنني لم ألاحظ ذلك التدقيق الذي يدل على الأهمية الأمنية والإدارية لحاجز « إثريا»، وعزوت ذلك إلى خبرتهم في ملاحظة ما يخشونه، وليس إلى إهمالهم، واللافت في الأمر أن ذلك الحاجز لا يبعد عن حاجز ما يسمى اللجان الشعبية، وهي رديف للحواجز العسكرية الرسمية، مسافة كيلومتر واحد! حين غادر البولمان ذلك الحاجز، رحت أتأمل من النافذة مساحات الحنين الشاسعة، وأنا أفكر بالحاجز التالي، حاجز «المنصورة» الذي يبعد عن الرقة /35/ كم، والذي لم يختلف عن سابقه إلا بعدد العناصر، فهناك كان العدد أكثر، ولا وجود لسلاح ثقيل على الحاجز، فقط الأسلحة الفردية التي يحملها العناصر، لم يهدأ وجيب قلبي حين غادرنا الحاجز كما كنت أعتقد، بل ازداد، كنت بين حالتين، حالة الخوف من أن يتعرف عليّ أحد عناصر الحاجز الأخير، واللهفة ليس للقاء الرقة، بل لمعرفة ما يجري فيها.

كنت أفرك يديّ ببعضهما كعادتي حين أرتبك، فمسافة الـ/ 35 / كم التي تفصل المنصورة عن الرقة، كانت بعيدة.. وبعيدة جداً، على ما يبدو أن القلق والتوتر والخوف هو الذي جعل الزمن ثقيلاً لتلك الدرجة التي لم يسبق لي أن خبرتها.

لم يكن حاجز القرية الذي يقع في مدخل المدينة يختلف عن سابقه، فارتديت ذاكرتي وتظاهرت بالنوم ونحن نقترب منه، حيث كانت القرية هذه أحد منتجعات الرقة، فهي كافيتريا ومطعم وملعب أطفال، كان يزدحم صيفاً بالميسورين، الذين يغدون إليه برفقة عائلاتهم، فمساء الرقة وليلها ينتقم من حرارة نهارها بأنسامه العليلة، وها هو يتحول إلى محطة تفصل الناس عن أحلامهم بالمغادرة أو العودة! توقف البولمان وصعد إليه أحد عناصر «داعش»، نكزني شريكي بالمقعد، طالباً مني إبراز بطاقتي الشخصية، فلم أرد عليه، وتركت الشماخ الذي كنت قد لففت به رأسي، يتهدل على جانبي وجهي، وفغرت فمي، متظاهرا بالنوم، وتركت لأذني متابعة ما يقال من كلام، كانت لهجة العنصر الذي صعد إلى البولمان «رقاوية» فاجتاحتني موجة خوف شديد، إلا أن جدله حول أهمية اللحية في الإسلام، مع راكب حليق الذقن في المقعد المجاور، جعله ينسى أن يطلب بطاقاتنا، وقد عرفت في ما بعد أن التدقيق الأساسي يكون في حالة الخروج من الرقة، وليس أثناء الدخول إليها.

كان كراج البولمان مزدحماً بالناس، والغالبية منهم رجال، كانت نسبة النساء لا تتجاوز 10% إذ أن المرأة المسافرة تحتاج إضافة لمحرم يرافقها، إلى موافقة جهاز الحسبة «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهذه الموافقة للحصول عليها تحتاج المرأة إلى مبرر شرعي وموضوعي، عادة يكون مراجعة مشفى، وهذا يقتضي حصولها على كتاب رسمي من المشفى العام، الذي هو المشفى الوطني في الرقة، ذلك المشفى الذي أعيد تأهيله بإشراف بروفيسور أسترالي، وصار اسمه «المشفى العام» ا، وأصبح الدخول إليه بأجر رمزي، وكذلك الخدمة الطبية فيه، وعائداته المالية تعود إلى خزينة ديوان الصحة.

أما الذكور فإن التركيز يكون على مواليد 1990- 2000 فمواليد الأعوام التي تقع بين هذين التاريخين يطالبونهم بدفاتر خدمة العلم، ويصادرونها إن وُجدت، ويكثرون عليهم الأسئلة، فإذا تبين أنهم من طلبة الجامعة فإنهم لا يسمحون لهم بالمغادرة، خاصة إذا اكتشفوا أن المسافر من طلبة كلية الحقوق أو الصحافة، آنذاك يصبح لهم شأن آخر معه، فطلبة كلية الحقوق يعتبرون كفرة، لأن كلمة قانون تنافي الشريعة، أما طلاب الصحافة فإنهم يخشون من أن يكتبوا عنهم، وهنا لا بد من ذكر الـ/ 15/ ألف طالب، وهو مجموع طلبة الرقة، الذين أصبح مستقبلهم في مهب النزاعات والفتاوى! خاصة في السنتين الأخيرتين، إذ أن «داعش» أغلقت الجامعات والمعاهد والمدارس كلها، ومنعت التعليم حتى في البيوت، وهذا ما جعل الناس الذين يستطيعون تأمين متطلبات حياتهم بعيداً عن الرقة، يغادرونها إلى المدن الأخرى، ليلتحق أبناؤهم بالمدارس، خاصة طلاب نهاية المرحلة الإعدادية والثانوية، وقد سبق وحاولت جبهة النصر إغلاق كليات الرقة، إلا أن الطلبة تصدوا لها بمظاهرات عارمة، مما حدا بجبهة النصرة التراجع عن تلك المحاولة، حدث ذلك في نهاية العام الدراسي 2013، بيد أن الحال اختلف كثيراً بعد سيطرة «داعش» على المدينة، فالتنظيم يعتقد أنه بتلك الخطوة سيدفع بالشباب إلى العسكرة، وهي أحد مقومات استمرار الحرب.

وثمة تدقيق على لحى الرجال ولباسهم، وفي هذه الحالة لا توجد قاعدة للتعامل، فقد يكتفي العنصر الداعشي بأن يلقي عليك محاضرة توبيخية، إن لم تكن لك لحية، وقد يقص لك شاربك إن كان لك شارب، وقد يكتفي بأن ينصحك بأن تكون لك لحية. وقد رأيت أن غالبية الرجال تركت ذقونهم تنمو، ولم أر أحداً بالجينز الضيق أو سواه من الألبسة التي لا توافق عليها القوانين السارية في الرقة في ظل «داعش»، أما النساء فقد تحولن كلهن إلى كتل من السواد، فالمرأة لا يبدو منها سوى عينيها، وهذا ما لم يكن متداولا في الرقة قبل سيطرت «داعش» عليها، فالرقة من المدن المحافظة، وبالنسبة للعقيدة فهي مدينة محافظة بطريقة وسطية، لا تعصب فيها، لذلك وجد فيها الأرمن والمسيحيون وغيرهم مراحهم، وكان اللباس التقليدي فيها هو السائد، وهو لباس محتشم جداً، إلا أن شريعة القوة على ما يبدو أجبرت الناس على ارتداء تلك الأزياء الدخيلة عليها.

فأرخيت لثامي، ويممت شطر المدينة التي لم أرها منذ سنتين ونيف، متحاشياً المرور من أمام الأماكن التي ممكن أن يتعرف على أحد فيها.

في تلك الزيارة للرقة رتبت لي المصادفات أكثر من موعد مع من كنت أعتقد أنهم أصدقاء، إلا أن مرآتهم لم تعد تعكس صورتي، هذا متن النص، في الهامش عناوين فرعية قادتني إلى أكثر من حقيقة، بعضها يتعلق بكينونتنا الاجتماعية التي كانت قبل عام 2011، وبعضها الآخر يلامس بواقعية الحال التي وصل إليها الناس، حيث لم تعد لهم مشكلة مع الموت، مشكلتهم مع الزمن الذي يفصلهم عنه، وكأنهم يعيشون حياة مؤقتة، إذ أن كل شيء مؤجل إلى أجل غير مسمى، فما يحدث في الرقة ليس فقط إهانة لإنسانية الإنسان، بل هو صفعة لكل الشرائع والقوانين والمواثيق التي تواضع عليها الناس، والذي زرع الذئب في قلب القطيع يعرف هذا تماماً.

في طريقي إلى البيت مررت بالقرب من بناء تكوّم على بعضه، فتوقفت ملياً قبل أن تسعفني الذاكرة وأعرف أنه مبنى «الأمن العسكري» سابقاً، وهذا ما حدث لي أمام أكثر من مشهد في أحياء الرقة، فالدمار الذي تعرضت له بعض الأحياء، أعاد تشكيل المكان بصورة مغايرة لصورته في الذاكرة، أما الموت فإنه قد خرج من حيّز الاستثناء، واحتفظ لزياراته بصفة المباغتة، لدرجة أصبحت سيرته، هي السيرة الوحيدة الملازمة لأحاديث الناس في ما بينهم، تتضخم حين يغيب، فيصبح أسطورة، وحين يباغتهم بحضوره، يعود إلى حجمه الطبيعي! كان موسم الحصاد وما دار حوله من أحاديث ما زال مثار اهتمام الناس، إذ أن تنظيم «داعش» بعد أن ألزم المزارعين بدفع الزكاة، ترك للناس خيارين في بيع نتاجهم من القمح، إما أن يتم البيع للتنظيم نفسه، بسعر / 55/ ل.س للكيلوغرام الواحد، أو أنهم يبيعون لتجار الحبوب بالرقة، بالسعر نفسه، أو بسعر قريب منه، ولا يسمح لهم ببيع انتاجهم خارج الرقة، علماً بأن سعر الكيلوغرام الواحد خارج الرقة بـ/ 75 / ل. س، وهذا يعني أن تجار الحبوب بالرقة على علاقة وثيقة بالتنظيم، أمّا حصة التنظيم من الزكاة، فقد التزم بها الناس لأن التنظيم، حين بدأ موسم الحصاد اجتمع بكل أصحاب الحصادات، وطلب منهم أن يقدموا له بيانات بالكميات التي يحصدونها، ويقال إنه اجتمع بالحمالين أيضاً، وبكل الأحوال الخوف من البطش كان الدافع الرئيس وراء التزام الناس بدفع ما يترتب عليهم إلى ديوان الزكاة. والزكاة ليست مقتصرة على الإنتاج الزراعي، إنها مفروضة على كل إنتاج إذا استكمل النصاب. فقد وضع التنظيم يده على كل مقدرات البلاد والعباد، وكلما ضعف أحد مصادر تمويله يفتح مصدراً جديدا، معتمداً على الشريعة الإسلامية التي يمكن لفقهائه أن يفتحوا في جدارها ما يشاؤون من الأبواب والنوافذ، فأي عنصر منهم يبدأ راتبه بمبلغ /50/ ألف ليرة سورية، وتتدرج بالارتفاع حسب موقع الشخص، والمسؤوليات المناطة به، تضاف إليها سلة غذائية شهرية، واسطوانتا غاز، وما يستطيع الحصول عليه من الغنائم. وفي هذه الأخيرة مربط الفرس، كما يقولون، إذ أن الغنائم باب احتمال مفتوح، وهو من الأبواب الواقعية طالما الحرب قائمة، وما كانت «داعش» باقية وتتمدد لولا الغنائم، والرقة إحدى الغنائم، ولم يكتف التنظيم بأن تكون الرقة غنيمته ليستقر فيها، أو ليأخذ منها الجزية والزكاة، بل إنه في كل يوم يبتكر طريقة جديدة للحصول على ما يريد، ليس آخرها الاستيلاء على بيوت الناس، وجعلها مساكن للمهاجرين منهم.

التشكيل الإداري والأمني للتنظيم: لا أحد يعرف تماماً التقسيمات الإدارية التي يقوم عليها تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق «داعش»، إلا أن وجوده بالرقة جعل الناس ترى بعضاً من هذه التشكيلات الإدارية والأمنية، والتي هي:

الشرطة الإسلامية: ومهامه مرتبطة بعامة الناس.

الشرطة العسكرية: ومهامه مرتبطة بعناصر «داعش» أولاً.

المحكمة الشرعية: وهي بمثابة محكمة، للكتاب والسنة والمتوارث من الاجتهاد القول الفصل في حل القضايا التي تعرض عليها.

الحسبة: وهو بمثابة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ديوان الزكاة: وهو الجهاز أو الإدارة المسؤولة عن تحصيل الضرائب.

ديوان التعليم: وهو بمثابة وزارة التربية، وقد أغلقت مدارس الرقة ومعاهدها وجامعتها، وكليات جامعة الفرات بقرار منه، ريثما يقوم التنظيم بطبع مناهج جديدة.

ديوان المخابز: وهو الجهة الإدارية المسؤولة عن مراقبة المخابز، وتزويدها بحاجتها من الطحين، وقد تم رفع سعر الخبز عدة مرات، إلى أن وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى /110/ ل.س.

ديوان الصحة: وهو الجهاز الإداري المسؤول عن المشفى الوطني الذي أعيد تأهيله، وعن مراقبة الأطباء في المحافظة، وهو المسؤول عن الاستيلاء على بيوت الأطباء الذين يغادرون المحافظة، وعلى عياداتهم أيضاً، وكل طبيب يتغيب أكثر من /15/ يوما يطلب منه التنظيم، إثبات حضور دائم، وإلا فإنهم يستولون على بيته وعيادته.

ديوان الزراعة: وهو الإدارة المسؤولة عن الشؤون الزراعية في المحافظة.

النقطة / 11/، وهي من أشهر المقرات الأمنية، ومقرها في الملعب البلدي، وهي بمثابة فرع مخابرات من الدرجة الأولى. الذاهب إليها مفقود، والعائد منها مولود.

تلك هي فروعهم الإدارية والأمنية المعروفة في محافظة الرقة، والرقة التي كان اسمها أقرب إلى الماء، لم تعد تهتم لفارق التوقيت بين المفهوم ومدلوله، ولا بين الاسم والمسمى، فكلاهما عليها، تلك هي حال المدن المثقلة بواقعيتها، تتخاطفها الأحلام .

في مدخل العمارة التقيت بجاري وصديقي م. س فتعانقنا طويلاً، وعاد برفقتي إلى البيت، جلسنا في تلك الغرفة التي كانت تلم شملنا في الشتاءات السابقة على عام 2011، شعرت وكأنه يريدني أن أسأله أي سؤال، ليرمي أوجاعه بين يدي، كان وهو يتحدث كمن يلملم بقايا وطن، كنت أراقب ارتجاف أصابعه وهو يتحدث، كانت كخيوط اللهب في مواقد الشتاء، تذهب بعيدا في سردها للذكريات، حاولت أن آخذ الحزن من وجهه فلم أستطع، كان قد تمكن منه، فغادرني بعد أن فضفض لي بكل ما يرغب بأن أعرفه منه وعنه، وتركني على هامش نص أحزانه أراجع ذاكرتي .. وقد استوقفني تحليله للأسباب التي جعلت تنظيم الدولة «داعش» يجبر الأكراد على مغادرة الرقة، حيث يرى أن تلك الخطوة اتخذت لمنح الأكراد في الشمال السوري ذريعة أخرى ليقوموا بما قاموا به من قتل وتهجيرممنهج في تل أبيض وريفها، وعموم الشمال السوري، على أيدي قوات «حزب الاتحاد الديمقراطي» وقوات «أسايش»، وهي قوة الشرطة التابعة «للإدارة الذاتية»، وقد حدث ذلك في منطقة سلوك والتركمان وكثير من القرى التي تقع بين الرقة وتل أبيض، وإن ذلك حدث بمعرفة قوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، من حيث أن «حزب الاتحاد الديمقراطي» وقوات «أسايش» هي حليف رسمي لقوات التحالف في مقاتلة «داعش».

في الصباح رأيت في وجوه الناس توجساً، فعرفت بتلك الحادثة التي وقعت بين أحد الأنصار من عناصر «داعش»، وأحد المهاجرين، حيث قام العنصر المهاجر وهو آذري، بالزواج من ابنة عم أحد الانصار وهو «رقاوي»، ويقال إنها قبل أن يتزوجها الآذري كانت متزوجة من «الرقاوي» وحين سمع بزواجها من الآذري، قام بإطلاق النار على الآذري، فقتله وأربعة آخرين في أحد المكاتب الأمنية التابعة لتنظيم الدولة «داعش». علماً بأن عدد الزيجات التي تمت بين عناصر «داعش» وخاصة المهاجرين منهم، لا تتجاوز /100/ حالة زواج، وأغلبها قائمة على طمع الأهل بالمغريات المادية التي يقدمها المهاجرون، وقد سمعت الكثير من الأحاديث حول تلك الزيجات، وعن المغريات التي لا يستطيع أبناء المنطقة تقديمها لزوجاتهم، والتي تفوق ما تواضع عليه الناس في محافظة الرقة، إلا أنني لم أستطع توثيق حالة بعينها.

تركت لعرافة الشوق ذكرياتي في حثالة فنجان قهوة باردة، وغادرت أحلامي قبل أن تنتهي صلاحيتها، فقد تأخر الأمل، ولم يبق للانتظار قيمة، وسقطت كل الأيادي التي يمكن أن تلوّح لنا في لحظات الوداع، تلك هي قصة وجع النهايات الحتمية التي استهلكتنا، ولم يبق منّا سوى أصوات تمشي متعثرة في تفاصيل حكاية اسمها الرقة، مدينتي التي ضاعت بين مجازات المتون المثقلة بعلامات الترقيم تعجباً واستفهاماً، مدينتي التي لم يعد لي فيها من يرتب دموعه في حقيبتي.

كنت وحيداً في أسواقها المزدحمة بالغرباء، سرقت من حقيبة العينين بعض النظرات القادرة على الرحيل، وتركتها تمشي في شوارعها حافية القلب، هكذا اعتدت أن أشغل نفسي بجمع الأمنيات التي لن تتحقق، فهي لم تعد في ظلي كما يقتضي الحب. فالرقة التي كان فيها الغريب موشوماً، أصبح الانتماء إليها وشماً! إذ أنه لم يبق من النصف مليون من سكانها سوى 200 ألف نسمة، تقطعت بهم السبل، ولا حول لهم ولا قوة، ولجأ إليها من الريف، والمحافظات السورية الأخرى ما يقارب الـ250 ألف نسمة، ويقدر عدد أفراد تنظيم الدولة «داعش» بثلث السكان، بين مهاجرين وأنصار، والغلبة للمهاجرين من حيث العدد والمكانة، يمسكون مقاليد الأمور فيها بيد من حديد، ولا أحد يتجرأ على انتحال صفتهم، ما لم يكن منهم، فما يسمى بالحواجز الطيارة، التي تقوم بها شرطتهم العسكرية، وأحياناً الشرطة الإسلامية، لا تتهاون أبداً مع أي مخالفة. والمخالفات تتدرج وتتدرج معها العقوبات، أقلها أن تكون لثيابك رائحة التبغ، وأعلاها أن تنال منهم صفة كافر، وكذلك العقوبات، أقلها أن تؤخذ بطاقتك، ويطلبون منك مراجعة أحد مقراتهم، ويلحقونك بدورة شرعية تمتد من 11 إلى 14 يوما، في أحد المساجد المخصصة لذلك، وأعلاها الإعدام، وما بينهما ثمة الجلد والسجن والغرامة المالية، وككل الأنظمة الشمولية لديهم حالات لا بيان لها، يختطف أو يؤخذ الشخص بدون تهمة واضحة، ويحتجز عندهم، والاحتجاز هذا هو التوقيف في سجون النقطة 11، وما أدراك ما النقطة 11؟! النقطة 11 لا يسمح لأحد بمراجعتها، ومن يراجعها بشأن مفقود فإنه لا يحصل منها على أي إجابة، والناس بين خوفين، الخوف منهم في الأرض، والخوف الآخر من تقاطع مصالح الدول الكبرى في السماء، فقد أصبحوا على يقين من أنها لا تتقاطع إلاّ عليهم. أما بالنسبة لعناصر التنظيم فإنهم تجاوزوا الخوف من ثورة الناس عليهم، ولم يعودوا يخشون سوى ما تحمله إليهم الطائرات، وما يقال عن شجاعتهم، ورغبتهم في الموت طلباً للجنة هو محض افتراء، وقد لاحظ الناس عليهم ذلك، إذ أنه مجرد أن تلوح طائرة في السماء يعتريهم خوف شديد، ويلوذون بالفرار إلى الاماكن المكشوفة كالحدائق، أما السكان فإنهم أصبحوا بحكم التجربة يميزون بين غارات التحالف والغارات الأخرى، فغارات التحالف تصيب أهدافها بدقة، وغالباً ما تكون أهدافها مقرات التنظيم أو عناصره، لذلك لم يعد هناك من سلاح ثقيل على الحواجز، كما في السابق، لقد أصبحت الحواجز مقتصرة على السلاح الفردي الذي يحمله عناصر الحاجز، فقد سبق واستهدفت سيارات الدوشكا التي كانت موجودة على الحواجز، لا بل اختفت من الظهور العلني كل الأسلحة الثقيلة، ولا أحد يعرف مصيرها، البعض يعتقد أنها مخبأة في أبنية أو أنفاق تحت الأرض، أو أنها موجودة في جبهات أخرى خارج المحافظة.

أما الغارات الأخرى فإنها عشوائية، ولذلك ترى الناس يخافونها، وليس إلى تفاديها من سبيل، ومما يثير دهشة الناس هو ذلك الازدحام الشديد للطائرات في سماء المدينة، حتى أن بعضهم يتساءل عن الكيفية التي تتفادى بها الطائرات التصادم مع بعضها بعضا.

لقد استفدت من لحيتي في تلك الرحلة كثيراً، خاصة بعد أن تخليت عن لباسي المدني، وارتديت الزي الريفي «جلابية وشماخ وعقال»، فالتدقيق على شخصيتي أصبح أقل مما هو عليه بالنسبة للشباب المتأنقين، خاصة في كراج البولمان، فهناك يكون التدقيق على أشده بالنسبة للمغادرين، خاصة بالنسبة للشباب من الذكور، والنساء على اختلاف أعمارهن، وثمة مشكلة أخرى تصادف المسافر، وهي الوجهة التي يغادر إليها، فالذين يغادرون إلى دمشق أو حماه، معاملتهم تختلف عن أولئك الذي يغادرون إلى طرطوس أو اللاذقية، ودائما في بداية كل شهر تصبح التسهيلات أكثر، فهم يعرفون أن غالبية المسافرين في بداية الشهر، خاصة إلى حماه، هم من الموظفين الذين يذهبون ليقبضوا رواتبهم، فرواتب موظفي الرقة أصبحت في حماة، إذ أن كل إدارة أصبح أحد موظفيها معتمداً لرواتب مثيلتها في الرقة، فموظفو الزراعة في الرقة يقبضون رواتبهم من مديرية الزراعة في حماه، وكذلك المالية، والخدمات الفنية إلى ما هنالك.. وهم يعتبرون تلك الرواتب غنائم لمواطني ولاية الرقة من النظام الكافر، وكراج البولمان يشرف عليه جهاز الحسبة، ويخاطب أعضاء هذا الجهاز بلقب» شيخ» أيّاً كان عمر العنصر.

يبدأ التدقيق في كراج البولمان على الشباب، وكل من يعثرون عنده على دفتر خدمة العلم، أو بطاقة جامعية فإن مغادرته تصبح مستحيلة، وفي المرحلة الثانية بعد التفتيش الدقيق، ينتقلون إلى التدقيق على اللباس والذقن، وقد عرف الناس ذلك فتهيأوا له، إذ أن غالبية الشباب تركت ذقونها تنمو، وصار لباسهم موافقا لأهواء عناصر الحسبة، ومن ثم يأتي دور النساء، إذ أن المرأة أول ما تسأل، يسألونها عن المحرم «المرافق من الفروع أو الأصول»، ومن ثم يسألونها عن السبب الشرعي لسفرها، وثبوتيات ذلك، ثم يبدأ التدقيق بثيابها، ومدى مطابقتها للثياب الشرعية، من وجهة نظرهم، ويستنكرون عطر المرأة أيما استنكار، مما ذكرني بتحليل قرأته ذات يوم، يقول : إن الذين كبتوا رغبات أجسادهم فهم الأكثر شهوة، ولأنّهم خافوا ألّا تفهم عقولهم ما هم فيه، خبّأوه تحت مسوح الخجل والتحريم والحرمان «ثم يبدأ تفتيش الأمتعة بدقة بالغة، والتبغ هو أحد المحرمات القطعية! وحين يستكمل الركاب شروط السفر، غالبا ما يصعد عنصر من «داعش» يلقي نظرة أخيرة على الركاب، وقد يطلب من امرأة ثبوتيات سفرها، ويسألها عن المحرم الذي يرافقها، ويعيد التدقيق ببطاقتها الشخصية، ويقارنها ببطاقة المحرم الذي يرافقها، وقد يلقي على شاب حليق الذقن محاضرة توبيخية، وقد تأخذه الحمية الدينية المزيفة، ويعيدنا إلى المربع الأول من التفتيش والتدقيق، وهذا ما جعل طلاب الجامعات الإناث والذكور يغادرون الرقة بطرق أخرى «تهريب»، وللتهريب قصة طويلة، وكذلك تفعل، وفعلت الأسر التي غادرت الرقة، خاصة مع بداية العام الدراسي هذا 2015 – 2016 فقد غادر الرقة أكثر من 150 عائلة، إلى حماة ودمشق وطرطوس واللاذقية، بعد أن أصبحوا على يقين من أنه لن تقوم للمدارس قائمة في الرقة، طالما هي تحت سيطرة التنظيم.

قبل أن أصعد إلى البولمان بقليل، أحسست بأشواقي وكأنها وقفت في عرض الشارع تتسول النظرة الأخيرة، إذ ما الذي عليّ أن أفعله والبلاد تجسد مقولة «على قد سلاحك مد رجليك» وأنا لا سلاح لي سوى الكلمات. مشيت إلى البولمان بخطوات قصيرة كعابر لا يريد الوصول، وغادرتها ولا أدري إن كنت قد زرتها أم لا، كانت كحبيبة خاصمتني منذ سنتين ونيّف، وصالحتها في حلمي.

بعد خروجنا من مدينة «الطبقة» رأيت الكثير من ناقلات النفط متوقفة على جانبي الطريق، إضافة لبرادات الخضار، تلك التي تسافر بطريقة الإرفاق، أي أنها تسافر باتفاق مع كل الأطراف، كأرتال، وليس فرادى.

في استراحة «الشيخ هلال» قبل مدينة السلمية (40 كم)، توقف البولمان، إلى جانب بولمانات أخرى قادمة إلى الرقة، وخارجة منها، وصار الركاب يتخففون من شروط الخروج من الرقة التي فرضها علينا التنظيم، فالنساء اللواتي ليس من عادتهن لبس الحجاب والنقاب، خلعن حجاباتهن، وعباءاتهن، وعدن إلى لباسهن الطبيعي، وأخذ المدخنون من الرجال حصتهم من الوقت في التدخين، بعد الحرمان الطويل منه، وعادت إلى الأحاديث طبيعيتها بين المسافرين. تلك هي قصة وجعي الذي أصبح أكثر نضجاً بعد عودتي من الرقة.

شاعر سوري

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى