أحمد عمرصفحات الناس

أصحاب الفيل وأصحاب الهرّة/ أحمد عمر

 

 

 

قدم أبرهة الحبشي على ظهر فيل كي يهدم الكعبة، وكان يحسدها لمكانتها لدى العرب، وتصير كنيسته القليس التي بناها، قبلةً جديدة للناس. ولم يطلب سيد مكة، عبد المطلب وقتها، سوى إبله، وقال قولته الشهيرة لأبي يكسوم: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه. ثم أرسل الله طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل. وبعد ألف وأربعمائة سنة، تطوّر مكر أصحاب القليس، حسب قانون صراع البقاء، والبقاء للأنكح، فأرسلوا هذه المرة هرّة بدلاً من الفيل، فسحرت أعين أهل البيت الحرام بوبرها الناعم، فكان أن رحّبَ بها أحفاد حمالة الحطب، الذين يرمون الحطب والشوك في طريق الشعوب العربية التائقة للحرية.

زهدَ أحفاد حمالة الحطب في بيت الله الحرام، وولوا وجوههم شطر البيت الأبيض الحلال، بل وقدّموا لأصحاب القطة آلاف الإبل والنوق العصافير، تقرباً وزلفى، فما لم يهدمه الفيل، هدمته هرة ذات مواء، وذلك أثر الهرة.

منذ أن وطئت قدم هذه السنيورة، السنّورة، تراب ديار أم القرى، لم تعد كما كانت، الهواء صار حامضاً، وحال الأسرة، ليس الأسرة المالكة، بل أسرتي، تغير مع السنورة، التي وطئت داري.

الحق أنها لم تطأ التراب، فما وطئتْ غير الوثير من البسط والزرابي..

قرر مجلس شورى أسرتي المؤلف من أب وأم، وثلاث بنات، التخلص من الهررة الثلاث، بصوتين موافقين، مقابل أصوات البنات المعارضة، الآباء ضد الأبناء، وكنت قد أطلقت على الهرة الأم اسم ميلاني، وعلى الهريرين الوليدين، إيفانكا للأنثى، وجاريد للذكر.

الديمقراطية لا تجدي مع العواطف النيئة، والغرائز، وتجعل للجهلة رأياً، كما قال برناردشو، فجعلنا من صوتينا، صوت الأب وصوت الأم، صوتين مرجحين ومعطلين، كما في الديمقراطية اللبنانية، فالخطب جلل، وكلفة تربية ثلاث هررة عالية، تنوء بحملها جيوب أسرة نازحة ونازفة. الغرم كبير، في هذه البلاد المعطاء؛ طعام معلب، وله أنواع كثيرة، وألعاب، وكرات، وشامبو خاص بالهررة، قد مسّنا الضّر.

ولم تكن الهرة تكلف أسرتي في الوطن شروى نقير أو فتيلاً، فكانت تأكل مما نأكل، وتطوف على الجيران، ثم تعود لتنام تحت الدالية في الصيف، أو بجانب المدفأة في الشتاء، ولم نكن نوليها تلك العناية، كما تفعل أسرتي الآن، وقدّرت أن العلّة هي في الحنين إلى الوطن، وشفاء الحنين بالوصال ولمِّ شمل في الديار.

ومغارم النظافة أكبر، فبناتي لا يفعلن شيئاً سوى ملاعبة الهررة عند العودة من المدارس الألمانية، والتقاط الصور معها. كنت استسلمت للمصير الصارم، بقبول ميلاني هدية، إلى أن بلغ السيل الزبى.

كنت أحرق من وقتي نصف ساعة يومياً في تغيير حفاضات القطط الثلاث، والحفاضات تورية للتراب، الذي تدفن فيه الهررة كمختها، والتراب يشرى بالعملة الصعبة في هذه البلاد، مثل الماء، فالهررة حيوانات تعادي الماء، وتتيمم أثر كل حاجة تقضيها، صعيدا ًطيباً. الهرة الأم عندما تريد قضاء حاجتها تجلس أمام الباب، فنأخذ علماً، وأحياناً نغفل عنها بمشاغل الحياة، وقد غفلنا عنها، فعملت عملة سوداء، بلاك بلوك، على الكنبة الكبيرة الوثيرة ذات الوبر، والهريران الصغيران، قليلا الخبرة، وقد غرمنا بغسل الكنبة مرتين، فتعاونّا أنا وجاريَّ شاسا وساسي على إخراجها من الباب بعلوم الحيل، وغسلتها في يوم مشمس، والشمس في شتاء ألمانيا خجولة. وتكرر الأمر.. فلم يعد يُحتمل.

هذا ما كنا نبغي.. سأبني بيني وبين هذه الهررة ردما، آتوني زبر الحديد.

والحق أن زوجتي سخطت على الهررة، أكثر مني، بعد أن رأت الهرة الأم تصيد الفئران، فهي تغيب ليلاً ساعات، وتعود في فمها فأرة، ومرة صادت خمسة فئران في ليلة واحدة، ونادتْ وليديها، لنقل خبرة الصيد من جيل الآباء إلى جيل الأبناء، فعدّت زوجتي الهرة هرة شوارع، وخافتْ من الأمراض، وهي هرة غير ملقحة، فالتلقيح مكلف، وكانت ترجو ألا تخرج هرتها من البيت أبداً، وأن تحتفظ بها في قفص مثل البلابل، أو في حوض مثل أسماك الزينة.

وكانت قد أنجبت لنا ثلاث هريرات، ماتت واحدة، وبقيت هريرتان، الأنثى الوليدة جميلة، تسلب الألباب، والذكر أدهم مثل كحل الليل. تخاصمنا على التسمية، فابنتي الصغرى أطلقت على الهررة أسماء ألمانية مثل فلهلم وفولفغانغ، فعارضتهن، فهي أسماء توجع الأنف، وتجرح مجاري الحلق. واقترحت تسمية الهررة أسماء لاتينية معروفة، سعياً وراء الاندماج مع العلوج. وقد شكّت زوجتي بإعجابي بسيدتي البيت الأبيض، فأنكرت بشدة، وعزوت الأمر إلى النكاية بالعدو، فالأمر ليس إعجاباً يا حبيبتي، وإيفانكا امرأة، مثلها مثل فالنتينا تيرشكوفا، فتحت بلاد الذكور من غير خيل ولا ركاب، وهي تشبه هيلين طروادة، التي أشعلت حرباً بين اسبارطة وأثينا، وقلت: إن ما يجري في السعودية من قتل واعتقال وتنكيل بأمراء أهل السنة والجماعة، ليس إلا عاصفة، لن يكون ما بعدها مثل ما قبلها. فويل للعرب من شرٍّ قد اقترب. المسلمون يطوفون بكعبة البيت العتيق، وملوكهم يطوفون  بالبيت الأبيض.

قرّرنا أنا وزوجتي التخلص من الهررة بطرق ناعمة. وكانت خسائرنا قد تتالت وكثرت؛ أكبال مقطوعة مقضومة بأسنان الهرتين الوليدتين، وآثار مخالبها وتواقيعها على الجدران، قمصان وكنزات منتوفه، زجاج مكسور.. لقد لقينا من أمرنا نصبا.

أذعنا الخبر بين الأصدقاء الألمان، وهناك طرق أخرى متقدمة، لكنها تحتاج إلى خبرة للإعلان عنها في مواقع الشبكة، فجاءتنا سيدة اسمها كارين، ودخلت لخطبة الهررة، ولاطفتها ساعة من الزمن، وبكت، وهي تتذكر هرتها الراحلة، التي كانت بسبعة أرواح نزفتها جميعاً. وأخبرتنا أنها رعت هرتها المرحومة أربع عشرة سنة، وأخبرتنا بأنها ستتعهد عائلة ميلاني كلها، الهرة الأم والهرين الصغيرين، فاستحسنتُ رأيها، وأعجبت بأمومة ميلاني المثالية، وأنكرت طول مدة رضاع القطيطين، وقالت إنها تحتاج إلى مدة لترى رأيها.

وكنت أفكر في طريقة أفطم بها القطيطين، بدهن أثداء ميلاني بالحنظل، لولا أن ميلاني لم تقبل أن ألمس أثداءها، فهي هرة شريفة، تموت الحرة ولا تأكل بثدييها. وأعترف أن الهرر جذابة، ومؤنسة، وكنت أحنّ إلى حضن الوطن بين الحين والآخر، فأمسح  ظهرها، وأحكّ وبرها، فسترتخي، وتتحول إلى خرقة، وتتدلى مفردة شعبها الأربع.

لقد تعلمنا في هذه الشهور الثلاثة، لغة الهررة، وميزنا بين نداء الجوع، ونداء الغضب، ومواء الرحمة، ومواء الاستغاثة، وصيحة الاستعطاف وغيرها من أصوات التواصل بين الهررة.

وجاءت سارة ابنة صديقنا ريشارد مع صديقها كارلو، ولعبا مع الهررة ساعة، والتقطا بعض الصور التذكارية، وأخبرانا أيضاً أنهما سيفكران في أخذ أحد الهريرين. الألمان لا يتخذون قرارات ارتجالية مثل العرب، الذين تأخذهم حمية الجاهلية الأولى، فيعالجون كارثة مثل عاصفة الحزم، بعاصفة مثل عاصفة احتجاز الحريري، وعبد ربه لا يزال محتجزاً، ولا أحد يبالي به، فلا كنائس مارونية في اليمن، ولا أحد يعرف أين ستذهب بنا رقصة العرضة، وهزة الفنجان، فالمنطقة على كف عفريت، والعفريت مصاب بالزهايمر والإسهال، وقد وقع على وليمة من الفياغرا.

حاولتُ مرة التخلص، من الهررة الثلاث بعد أن وجدت زوجتي ذنب فأر على الشرفة، فازداد سخط زوجتي عليها، وهذا يعني أن هرتنا هرة شوارع، وليست هرة ذوات، فأمرتني زوجتي بأن أتخلص من الهررة كلها أمام باب الكنيسة، فقلت لها: إن الكنيسة ليست مثل المسجد، فالمصلون لا يصلون سوى يوم واحد في الأسبوع، لكنها أصدرت أمراً عسكرياً، وكان عليّ واجب التنفيذ؛ في العسكرية القاعدة هي: نفّذ وإياك أن تعترض.

تحايلت على الهررة، وسقتهم إلى القفص، وأردفتهم ورائي على الدراجة، وقصدت أقرب كنيسة، ورميت القفص والهررة الثلاث تموء باكيةً، وتلحق بي، فخفت، وحزنت، ورقّ قلبي، وتذكرت عشرات المشاهد المشابهة في الأفلام الهندية، خاصة فيلم العازب الهندي “برهام شري” وهو من تمثيل شامي كابور وراج شيري، فعدت بهم زقفونا كما قال المعري. وكانت المحاولة الثانية عندما رفعنا عريضة استرحام شفاهية إلى صديقتنا ماجدولينا في كنيسة البلدة المجاورة، فأرسلت سيارة الكنيسة، لكن المحاولة لم تنجح أيضاً، فقد قفز الهرير جاريد من القفص، وماءت الهررة الثلاث، وأغمي على ابنتي الكبرى رأفة بهم، فاعتذر السائق وعاد.

خلال هذين الشهرين، كبر الهريران، وهما ينامان مع أمهما أغلب الأوقات، حالمين بفئران ديزني لاند. رأف بنا جاري بالدور، فصنع بيتاً خشبياً للهررة الثلاث، وفرشت لها البيت بالصوف الوثير، وكنا نتجنب الحركة في الليل، فمتى ما أحست بحركة استيقظت، وبدأت تلحّ في الدخول، وتحاول تسلق الزجاج ببراثنها، فهي تحبُّ الأنس والحياة العائلية.

قررت سارة وصديقها كارلو اقتناء إيفانكا، وأرسلت لنا رسالة موافقة، فأخبرناها أننا ننتظر قرار السيدة كارين، فقرارها أقرب رحماً وأنسب لنا، لأنها ستأخذ العائلة كلها، فنحن لا نحب تمزيق أسرة ميلاني الجميلة، كما تمزقت العائلة السورية.

أعود باكراً، في الساعة الثانية عشرة ظهراً من العمل، فتكون أسرتي مشتتة في المدارس والعمل، وأكون متعباً ومجهداً، فأتسلل حتى لا أوقظ الهررة في الشرفة، وأنحني عند العبور، حتى لا تلمحني، فتموء، وأستلقي، وسرعان ما أغفو من دوّار الغربة.

يوم أمس استيقظت على هدير يشبه شلالات بعيدة، فتحت عيني لأجد ميلاني وإيفانكا في حضني، نائمتين، بينما كان جاريد غائباً في العمرة، كانتا تشدوان بأصوات نواعير، تجري بمياه أرواحهما السبعة.

المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى