الرئيسية / صفحات الثقافة / أغاني الثورة السورية: السلفيون يرقصون!

أغاني الثورة السورية: السلفيون يرقصون!


رامي الأمين

في تعريفه للموسيقى يقول الشاعر والأديب الفرنسي الشهير فيكتور هوغو إنها تعبّر عما لا يمكننا قوله ولا نستطيع السكوت عنه. أما الغناء في تعريفه العام فهو الدمج بين الموسيقى والكلام والصوت. خلطة من مركّبات ثلاثة، تؤمّن وسيلة تعبير كاملة: عما لا يمكن قوله، ولا يمكن السكوت عنه، ولا يمكن كتمه صوتياً. الغناء إذاً نقيض القمع والكبت والصمت. لذا، عندما انتفض الشعب السوري ضد طغيان نظامه الأسدي، ظهر الغناء بوصفه المادة الأساسية للتظاهرات السورية، واقترنت الثورة بمغنّين كثراً، تجرأوا على كسر المحرّمات، وتحميل الموسيقى ما كان ممنوعاً التعبير عنه، وما لم يعد مقبولاً السكوت عنه.

أولى أغاني الثورة التي وصلتنا كانت من ابرهيم قاشوش. الرجل سميّ “مغنّي الثورة”. شاب من مدينة حماه، اشتهر بأناشيده وهتافاته التي تستهدف النظام السوري في “مقدساته”. كان يكتب الهتافات ويلحّنها وينشدها أمام ألوف المتجمعين في ساحة العاصي بصوته الجميل والجهور، ليرددوها خلفه بصوت واحد إيقاعي، أشهرها على الإطلاق تلك التي تحمل لازمة “يلا ارحل يا بشار”، وتتضمن مقاطع غاية في الجرأة، تصيب عقب أخيل النظام، حينما تعلن: “يا بشار ويا كذاب، تضرب انت وهالخطاب، الحرية صارت ع الباب… ويلا ارحل يا بشار”. أو حينما تنال من رجل الأمن الأول في سوريا، ماهر، شقيق بشار الأسد: “خود ماهر وارحل عنا”، ثم تصرّح بما هو أكثر جرأة: “يا ماهر ويا جبان ويا عميل الأمريكان، الشعب السوري ما بينهان”، ليعيد بعده الجمهور بصوت واحد مركّز وحاسم: “يلا ارحل يا بشار”. صوت ابرهيم قاشوش يبدو لمن يسمعه أكبر وأوسع من أن يكون لشخص واحد. حنجرته، في صرخاتها الأولى، التي لم يتعود عليها الشعب السوري، كأنها حنجرة شعب، وليست حنجرة شخص. لذا انتشرت هتافاته وأغانيه بسرعة، وصارت تتناقلها الهواتف الخليوية ومواقع الإنترنت، مخترقة كل الجدران، مسافرة في هواء الحرية، لتصل إلى كل من يجب أن يصل إليه الصوت. هكذا وصل الصوت إلى المتلقي الخائف المكبوت المقموع، لتهزّه وتطالبه بالتحرك والتجرؤ على الكلام والغناء وحتى الصراخ. ووصل إلى مسامع من لم يكن ليتوقع يوماً أن يتجرأ أحد عليه بهذه الطريقة: الطاغية القابع في قصره. عندما سمع الطاغية الغناء، اضطرب وخاف. أرسل رجاله إلى مصدر الصوت لإقتلاعه من جذوره، أمسك الشبّيحة بابرهيم قاشوش، قتلوه، اقتلعوا حنجرته، ورموا جثته في نهر العاصي. كان اقتلاع حنجرة “مغنّي الثورة” دليلاً لا لبس فيه على أثر الغناء في مداميك النظام، التي استطاعت الأغاني أن تدكّها وتزلزلها. استطاع الصوت أن يأتي بما لم تستطعه السياسة أو العسكرة. منذ تلك اللحظة، سقط بشار الأسد. بقي أن يرحل.

يا حيف…

مغنٍّ آخر للثورة وصلنا صوته من خارج سوريا. صوت أليف ومعروف لمن اعتاد سماع أغاني اليسار والثورة (مطلقاً) وفلسطين. كان سميح شقير في باريس حينما اندلعت الأحداث في درعا، وتحولت ثورة عارمة في سوريا كلها. شقير كان يتعالج من مرض عضال في العاصمة الفرنسية، وهناك، لم يستطع أمام نهج العنف والتنكيل والقتل الذي يعتمده النظام السوري إلا أن يحمل عوده ويلحّن أغنية صارت مشهورة جداً بعنوان “يا حيف”، موجهة مباشرة إلى النظام السوري والرئيس بشار الأسد: “زخ رصاص على الناس العزّل يا حيف، واطفال بعمر الورد تعتقلن كيف؟ وانت يا ابن بلادي تقتل في ولادي، وظهرك للعادي وعليي هاجم بالسيف… يا حيف!”. كلمات مباشرة وصريحة تدين القتل وخيانة النظام السوري لأبناء شعبه الذي يطالب بالحرية. الأغنية قريبة فنياً من الجو العام لأغاني شقير، التي كانت تتحدث عن الظلم عموماً، وعن القضية الفلسطينية خصوصاً، لكنها لم تتطرق صراحة إلى الظلم الذي يعاني منه الشعب السوري، إلا ربما بالترميز والإيحاءات، التي كانت جزءاً من الهامش الذي يؤمّنه النظام في مختلف المجالات، شرط أن لا يطاول رأسه العصي على البلوغ.

“يا حيف” واحدة من الأغاني القليلة التي افتتحت بازار إطلاق النقد المباشر بلا مواربة للنظام السوري ولشخص الرئيس السوري، والمطالبة بتنحيته ومحاكمته، واتهامه بالعمالة والإجرام.

أغنية أخرى حملت صوت سميح شقير وتوقيعه لحناً وكلاماً، هي “قربنا يا الحرية”. كلماتها الحماسية تسكن في لحن يجمع بين الحساسية المرهفة والحماسة والأمل بالمستقبل، وتتناول في نقدها للنظام وقائع خبرية، حينما تتحدث عن ابرهيم قاشوش واقتلاع حنجرته، أو حينما تتساءل عن تحطيم يديّ رسام الكاريكاتور علي فرزات، أو قتل الطفل حمزة الخطيب: “هي يا هو… شو عملتو بإيدين الرسّام؟ هي يا هو… بالأطفال وبحنجرة المغني… هي يا هو… وما بينلاموا ان سقّطوا الناس النظام… ولا ان ملا الساحات شعب يغني… وسوريا بدها حرية!”. اللازمة الأخيرة طبعاً هي من الهتافات الشهيرة للمتظاهرين السوريين في مسيراتهم التي ابتكروا لها إلى الهتافات أغاني كثيرة يرقصون عليها رقصات جماعية، تتناقض تماماً مع الصورة التي يحاول كثيرون رسمها عن مجمل الثورة السورية بأنها ذات طابع إسلامي وسلفي. فأفلام فيديو كثيرة منشورة على موقع الـ”يوتيوب”، تظهر الألوف وهم يغنّون بشكل جماعي ويرقصون جماعياً، بما يشبه الدبكة، إذ يشبكون اياديهم، أو يفتحونها كجسر بين الكتف والكتف ويبدأون بالتمايل مع الأغاني المشهورة التي يحوّرون كلماتها لتتناسب ومضمون الرسائل التي يريدون إيصالها إلى النظام أو إلى الإعلام أو إلى المجتمع الدولي. سلفيون يغنّون ويرقصون، حتى أن السلفية التي يتحدث عنها النظام، قامت في مدينة إدلب بتنظيم “سوبر ستار الثورة” على غرار “سوبر ستار العرب”، البرنامج الفني الغنائي، وفي حضور لجنة حكم، تناوب مشتركون من مختلف الأعمار على الغناء للثورة وضد بشار الأسد، في حضور نساء، بعضهن محجبات وبعضهن الآخر لا، لكنهن جميعهن غنيّن وصفّقن للمغنين، بلا أدنى تعقيدات “دينية”.

هناك اقتناع يبدو راسخاً لدى الثوار السوريين بأهمية الغناء، بل إن الرغبة في الغناء تكاد تضاهي الرغبة في الحرية، فلا تكاد تمر تظاهرة سورية معارضة من دون أن تشهد وصلة غنائية جماعية. حتى التظاهرات التي تتخذ طابعاً دينياً لا تخلو من أناشيد ثورية تتأرجح على حافة الغناء، أو تستند في لحنها إلى أغان قديمة ومشهورة، مثل “على العين مولايتين”، و”سكابا يا دموع العين”، التي تقرن بـ”على شهدا سوريا وشبابا” وغيرها. بعض الأغاني الجماعية التي يبتكرها الثوار في تظاهراتهم تنجح في أن تتحول “علامة مسجلة”، فثوار حماة مثلاً ابتكروا اغنية حماسية وطريفة، تقول كلماتها: “جنّو جنّو البعثية لما طلبنا الحرية، ويلعن روحك يا حافظ يا ابن الحرامية”، وتتابع الأغنية بالأسلوب الساخر نفسه، فتقول: “نحنا مطالبنا حق إن قلت إيه وإن قلت لأ/ وزت وراقك خلص الدق/ ويلا لمّو البرتية”، ثم تعود لتكرار اللازمة نفسها (جنّو جنوّ البعثية…). أما حمص الخالدية فاستعارت من شوشو أغنيته الشهيرة للأطفال “ألف بي بوباية”، يقول فيها المغني أمام الآلاف، “ألف بي بوباية قلم رصاص ومحاية، أنا بسبّو لبشار وإنتو ردّو ورايي”، طبعاً مع إيقاعات الطبلة الراقصة، وقفز الشبان والشابات. أيضاً حمص الخالدية، استعارت “الهوارة”، ودبك ثوارها على إيقاعاتها وكلمات “هوّر يابو الهوارة وطلع الأمن من الحارة”، هذا فضلاً عن أغنية لصباح صارت “ع الندا الندا الندا ويا بشار مانك قدا، وإن ما سقط النظام هالدولة بدّي هدّا”، كما لحّن الثوار “السلفيون” في مدن عدة أغاني أخرى، ورقصوا عليها!!

الدبّ السوري لم ينقرض

“الدب السوري”، فرقة موسيقية سورية، خرجت في خضم الثورة، لتعبّر عن هوية خاصة في صوتها وأدائها وكلماتها. ليس هناك معلومات وافية على الإنترنت عن الفرقة التي لها ثلاث أغان على موقع الـ”يوتيوب”، تشهد إقبالاً كثيفاً على الـ”فايسبوك” و”تويتر”. الأغاني الثلاث هي “يمل”، “أنا إسمي نظامي”، “إرحل يا نظام”. كلها تتناول مباشرة النظام السوري ورئيسه بشار بأسلوب ساخر لاذع وذكي، محمول على متن موسيقي جميل وسلس، لا يعتمد إلا آلات قليلة، هي في “يمل” الغيتار فقط، وفي الأغنيتين الأخريين العود والطبلة. “يمل” هي نموذج للأغنية السياسية التي تغوص في التفاصيل وتنتقد بشكل مباشر، بأسلوب طريف، لكنه شديد العمق من حيث طرحه اجابات قد تبدو فلسفية في العلاقة بين الشعب والنظام. يقول “الدب السوري” في “يمل”: “الشعب ملّ من الأبد، والد وما ولد، رح نسترجع البلد من أنيابك يا أسد”. الطرح الذي يبدو سهلاً ممتنعاً، يسقط المستمع إليه في هوّة التحليل البسيكولوجي للثورة السورية. من بين الأسباب التي يجدها الدب السوري أساسية للإنتفاض على نظام الأسد هو الملل، كعامل حساس وفاضح، بسبب الأبد، الذي يطرحه النظام سقفاً لبقائه. فحافظ الأسد خالد إلى الأبد، ومثله بشار. وبعد أربعين عاماً، كان لا بدّ للناس أن يملّوا من الأبد، وأنا يخرجوا ليقولوا: مللنا. لا يبدو الملل عنصراً عرضياً للثورة، فالأغنية هذه ومعها كل أغاني الثورة، تبدو كأنها تقترح وسائل تسلية على الناس الضجرين من نظام ممل، يشترط للتسلية أن تكون بقواعده وقيوده، وأن تصب دائماً في العراضة المطروحة له وأمامه من أنصاره على الدوام. هنا لا بدّ أن نتذكر عشرات الفنانين اللبنانيين والسوريين الذين مجّدوا الطاغية، وكنا قد كتبنا عنهم في المقام هذا مقالاً تحت عنوان “الأغنية البعثية اللبنانية”، وقد عقّب على المادة الكاتب السوري صبحي حديدي في مقالة له في “القدس العربي”، وأنهى مقالته بخلاصة موفقة تماماً ترى أن هؤلاء لا يهينون الشعب السوري فحسب، بل يهينون الحقيقة. المقالتان كتبتا قبل سنوات من الثورة السورية. كانت المساحة “الفنية” إذا جاز التعبير، محصورة بـ”شحارير الرياء” كما سمّاهم حديدي، وهؤلاء يتباينون “في موهبة النفاق أو الشطارة والكذب أو براعة الإمتهان أو خفة إراقة ماء الوجه”. أما ما تقترحه الثورة من مغنين وفنانين اليوم فيعكس الآية تماماً، ويكشف عن مادة فنية جدية وواضحة، لا تمالق ولا تكذب ولا تتودد أو تمجد. حتى الحرية نفسها غير ممجدة في أغاني الثورة السورية، التي تركز تماماً على فكرة النقد والسخرية والإستهزاء بالتابوهات وتحطيم أصنام السلطة. أغنية “يمل” لـ”الدب السوري” تقول بوضوح إن زمناً ولّى لصالح زمن آخر لن يكون للخوف فيه مطرح: “يا بشار طلع الضو، وما عاد نخاف من العو، اليومة رح منشيلك أو، بكرا الأيام بتحلو…”.

في البحث عن مصدر تسمية “الدب السوري” يكتشف المرء أن هذا النوع من الدببة بني اللون كان موجوداً بكثرة في بلاد الشام، وانقرض في ستينات القرن الماضي بسبب وحشية التمدن، لكن يبدو أن الوحشية لا تستطيع أن تلغي تماماً كل شيء. حتى المعارضة السورية التي ظن الناس أنها انقرضت، عادت بأشكالها الشعبية والفنية والثقافية والسياسية لتقول إن زمن الديناصورات هو الذي انتهى، وإن الحرية آتية لا محالة.

السخرية في “يمل” تذهب إلى حد اقتراح وسائل تسلية للرئيس السوري كي يكف عن اللعب بدم الشعب السوري ومقدراته. من مثل: “افتح عيادة دكتور، استثمر عرباية بوشار، افلح أرضك بتراكتور، القصد تفلّت هالمنشار، طالع آكل نازل آكل…”. وهي لا تتوانى عن الذهاب إلى تحطيم قدسية العائلة الأسدية وتماثيلها ونظامها الوراثي، فتعلن مللها من “امك من أبوك يملّ، من إختك من أخوك ومن صهرك يمل، من أمنك من كل مين بأمنك يمل، من الفوضى الّي بنظامك يمل”. إذاً الملل هو الداء الأول للنظام الأسدي، الذي لا يسمح بتغيير حتى أبسط الأمور. التغيير المنشود على الأقل، وفي حده الأدنى، يجب أن يكون من أجل كسر الملل من الوجوه ذاتها والخطب ذاتها والمصفقين ذاتهم والسياسيين ذاتهم.

ببساطة، وبلا كثير تفسير وتحليل “الشعب ملّ من الأبد”!

ملحق النهار الثقافي

عن The Editor

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


× 9 = nine

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>