صفحات الناس

أولاد “الدولة الإسلامية”/ حسن داوود

 

 

ذاك الإحتفال الذي أقيم في العراء، في ساحة واسعة من إحدى بلدات محافظة الرقّة، قسّمه الفيلم قطعاً حتى بدا تجميعاً للقطات من مناسبات متفرّقة. الأطفال احتشدوا في جانب، والرجال (الأقلّ عدداً) في جانب آخر، وكذلك القوّاد الثلاثة الجالسون وراء الطاولة، بدوا منقطعين عن المكان الذي لم يجمع الفيلم جنباته في لقطة واحدة. وذاك الرجل، أشيب اللحية وأزرق العينين، المتكّلم عبر الميكروفون المحمول، ظلّ في مكانه هناك في الوسط، ولم يظهر إلى جانبه إلّا ذلك المسؤول الذي تقدّم منه لينتزع الميكروفون من يده، موقفا إيّاه عن الكلام. ربما من أجل أن يعطى الكلام لآخرين، وبينهم المنشد والخطيب وإثنان أو ثلاثة من الأولاد المتراوحة أعمارهم بين التاسعة والثالثة عشرة.

كان الرجل أشيب اللحية، المتكلّم بإحدى لهجات شمال إفريقيا، قد قال إنّ نواة “الدولة الإسلامية” ومستقبلها هي هؤلاء الأولاد الذين زُرعت فيهم العقيدة الصحيحة، أما الرجال فأفسدتهم أعمارهم. الدليل على ذلك هو الرجال الذين صوّرهم الفيلم وهم يدلون بشهاداتهم. في قاعة الموقوفين تعاقب على الكلام أربعة رجال منهم أو خمسة، كلّهم ينتظرون العقاب بالجَلد، أو بقطع اليد، أو بالإعدام، كما ذلك الكهل المتّهم بتجارة المخدّرات وتعاطيها. وكلّهم مع ذلك أظهروا عن امتنان ورضى لكونهم موقوفين، فهم أيضاً وجدوا من يهديهم، وإن متأخّرين، إلى سواء السبيل.

وكذلك هي حال الرجال في الأسواق التي جال الفيلم (أعدته “فايس نيوز” وعرضته في موقعها) بين أنحائها. كان رجلا الحسبة، شرطيّا “الدولة الإسلامية”، يوقفان الرجال لمساءلتهم: عن ضرورة تغيير الثوب الذي ترتديه زوجة أحدهم، “فإن كانت هذه زوجته فلماذا يعرضها على الآخرين”؟ وعن نزاهة ذلك البائع في مكياله وأسعاره؛ وعمن يجب أن يكون مسؤولاً عن الرسم الملوّن الملصق على ذلك الحائط. الرجال هم موضوع المراقبة، وهم الذين يتوجّه إليهم التهديد الماثلة عواقبه أمامهم: هنا حيث الرجل المصلوب في وسط الساحة ليكون فرجة للجميع، وكذلك الرؤوس المقطوعة عن أجسادها، والمصفوفة على سياج الطريق. هذا من أجل أن يكون قاطعاً التهديد الذي تنتهي به كلّ توصية أو موعظة ينطق بها رجلا الحسبة.

لا بدّ إذن أن يسرع ذاك الرجل إلى تغيير ثوب زوجته، أو أن يُخفض البائع ما أمكنه من ربحه، وسيُزال ذلك الرسم عن الحائط، هكذا من قبل أن تستدير سيارة الحسبة عائدة بالرجلين إلى الطريق ذاتها؛ وكذلك سيسرع الرجل المسيحي إلى تسديد الجزية، ربما قبل وقت كثير من أوان استحقاقها.

هدف التقويم والمحاسبة هم الرجال فقط، أما النساء فلّهنّ من يتلقّى العقاب نيابة عنهنّ. وعلى أيّ حال هنّ لسن موجودات في المشهد العام للمدينة التي صُوّر فيها الفيلم. كأنّهنّ لا يخرجن إلى الشارع، أو كأنّ الحجاب الشامل الذي يعتمرنه لا يكفي لسترهنّ. بين ذلك الحشد الذي تجمهر للتفرّج على الرجل المصلوب لا ظهور لامرأة واحدة، وفي ذلك الإحتفال المقام في الساحة لم يلحظ المنظمون إحتمال مشاركة امرأة. وفي شوارع المدينة لم تمرّ إلا امرأتان، شبحا امرأتين، إحداهما تلك التي استدعى رجل الحسبة زوجَها لتنبيهه، والثانية عبرت بها الكاميرا خطفا، كأنها انوجدت بالخطأ في مكان التصوير.

الأولاد إذن. لقد جرى تقسيمهم بحسب أعمارهم إلى فئات ثلاث، تنتهي أولاها بعمر الثانية عشرة. في السادسة عشرة يكون قد اكتمل تجهيزهم العقيدي والعسكري. وهم، الأولاد، لقاء هذه الرعاية التي منها تلك المشاهد التي تصورّهم يسبحون ويلهون في مياه النهر بمساعدة أحد مقاتلي “الدولة الإسلامية”، يبدون الأشدّ حماسة لهذه الدولة، والأشدّ قابلية للحرب والقتل.

الأولاد الذين أوقفوا لتصويرهم، ظهروا كما لو أنّ حماستهم تغلبهم، أو تغلب قدرة أجسادهم الصغيرة على احتمالها. كانوا قد جُمعوا معا في ساحة الإحتفال تلك، فئةً لوحدها، منفصلين عن آبائهم الذين جُمعوا في ذلك الطرف الآخر، أو الذين ظلوا ماكثين في بيوتهم، أو محتجَزين في الغرف التي يهتدون فيها إلى الإيمان علّ ذلك يخفّف عنهم قساوة العقاب.

المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى