صفحات الثقافةعزيز تبسي

إخفاق القلب/ عزيز تبسي

 

 

-1-

الشرفة واسعة، لتحتمل الانتظار الطويل، والانسراح خلف الغيوم الممطرة للذكريات، التي عمل على إطلاقها من داخله، كأسراب من يمامات، تثاقلت أجنحتها بأثر من عيشها الطويل في الأقفاص، حررها علها تخفف وزن الماضي، الذي بات يثقل قلبه، مخرجاً تاريخه برمته، ليرتبه أمامه كما بضاعة بائع متجول، ولم ينتبه في شروده العميق، أنه ينتزع معه لحمه ودمه.

جلس خلف الطاولة البيضاء، بمنامته الكحلية ذات الكمّين الطويلين، حليق الذقن يفوح من وجنتيه البيضاوين عطر “مسيو كلود” برائحته الطفولية، التي تقارب رائحة أقماع القضامة السكرية والملبس.

يبتسم أحياناً، لكن غالباً ما كان يدير وجهه ليجفف دموعه، التي يحاول حجبها عن عيون، يتخيل أنها تنظر إلى وحدته، التي تنزف على الشرفة.

لم تك دموعا على رسم درَس، بل على أولاد خالهم سواراً من نفس

لم تك دموعا، تخرج من مخابئها العميقات، بل دما أضناه سقوط الفرس

لكنها تظهر كقطرات سائلة على راحته الجافة، كما تظهر بعدها عيناه مخنوقتين بإحمرارات قانية، ليتركهما تحدقان في أفق لا يمتد أكثر من الستارة المنسدلة على شرفة البيت المقابل. يجفف وجهه بسرعة، بمناديل مطرزة الزوايا، كما كان يجفف بها، وجوه أولاده المتعرقة أثناء النزهات في الحدائق.

حينما كان ينتظرهم في أسفل الأراجيح، التي كانت تدور كناعورة مياه، متصنعاً القوة واللا مبالاة، لكن قلبه كان يعتصر كليمونة، وهو يراقب الخوف في عيونهم، بعد أن تصعد بهم إلى الأعالي، ويناديهم بصوته المخنوق ليشجعهم: تمسكوا بالحديد. ويلبون على الفور نداءه، ويتمسكون بقضبان الحديد التي تسور مقاعدهم، بينما ترتفع يده إلى حيث يرقد قلبه، الخافق بنبضات ثقيلة كطبول الغجر.

وكان ينفخ، على خدوشهم وجراحهم التي تصنعها سحجات سقوطهم الواجف على الأسفلت والحصى المدببة، كما لو أنها طبق حساء ساخن. وكانوا يتشافون من فورهم، لا للقوة السحرية لزفيره، بل ليكرموا الهواء الحنون المنبعث من صدره المخنوق بلهاث التعب.

ويتذكر، حين يدخل البيت، محملاً بأكياس ورقية، يتبعه فتى يساعده في حمل ما عجز عن حمله، تفاح ملفوف بأوراق بنفسجية رقيقة، يحمله الباعة من مزارع جنوب لبنان، كستناء من ديار بكر، برتقال أبو صرة من بيارات الساحل، تكابد قشرته لمنع اندفاع سائله. وثمة كيس أصغر حجماً، يحمله إلى الصالة، ليوزع محتوياته على الطاولة، وهي زجاجة أقراص زيت كبد الحوت، شراب من الفيتامينات وصفائح حبوب مقوية ومنشطة. يبحث بعدها على “الميزورة”، ويطلب منهم الوقوف أمامه ليقيس أطوالهم. وكان يقيسهم وهم واقفون باستقامة أمامه، كأنه يقيس بلاده المجدولة بالأولاد.

وكان يأخذهم إلى المدينة القديمة، يسيرون ممسكين بأيادي بعضهم، كما لو أنهم طلاب في رحلة مدرسية، كان يخاف أن يفقدوا بعضهم في الزحام، ترى أبقي شيء يتمسكون به في هذه الأيام، وهم يعبرون من بلد إلى أخيه ومن نهر عميق إلى نهر أشد عمقاً؟. وكانوا يرون هناك الناس، الذين يدخلون بلا توقف الرواقات المسقوفة، الباعة المتجولين بألبستهم الرثة، الحمالين الذين يحملون أكثر من حميرهم، أصحاب الحوانيت الذين يعرضون بضائعهم ذاكرين محاسنها.

يسقيهم شراب التمر هندي البارد الذي ينكّهه البائع بقطرات من ماء الورد، ويطعمهم حبات اللوز المغطى بطبقة سميكة من سكر بلون السماء، وأخيراً يتوقف ويتحلقون حوله، ليضع يده على الأبواب والأحجار، ويمسح بيده وبمنديله الأبيض الغبار ليريهم النقوش والعبارات المكتوبة. يبقي يده عليها وكأنه يجس نبضها.

– لكن هل للأحجار نبض؟

– لا ليس للأحجار نبض، للتاريخ نبض يعلو كقرع طبول، ويتهادى كقطرات تتهاوى على الطريق المزدحم، من ميزاب سطح عال.

وحين سؤاله عن رحيلهم إلى خارج البلاد، أرادوا النجاة من فكّي هذا الجحيم، حيث يسعى لاستيلاد الديمقراطية، بكونها بديلا للاستبداد، ويفرك جبهته بعد ذلك، كأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، لكنه يباغت من حوله بضحكة خفيفة، لا لحاجة يستدعيها الضحك بل لتبديد وحشة الكلام وتوحش الوقائع.

كل ما حولنا تغير بسرعة، لم نستطع رصده وتعقب نتائجه، كأننا في قطار سريع فقد مكابحه، لا شيء باقيًا في مكانه، حتى أحمر الشفاه الأنيق، نخاله آثار صفعات دامية، انطبعت كوشم على وجوه النساء.

ولطالما قال لأصدقائه وهم خارجون من العزاءات التي لا تنتهي، كان من الأفضل لهم الموت قبل الحرب لا أثناءها.

-2-

الغيوم ثقيلة تقترب من أعالي العمارات، كأنها انسدال جفن على عيون أرّقها الكرى.

وقع على الأرض، لم يره أحدٌ. لكن هناك من سمع صوت ارتطام الأكواب والإبريق والطبق المعدني. لم يمل على الأرض كأغصان شجرة غزاها النمل بتؤدة، ليفتك بجذعها وجذورها.هوى باختناق، أخرج كل الهواء من صدره ولم يسترده، ربما نادى عليهم لينهضوه، أو ليقرفصوا قربه على البلاط الذي يحتفظ برطوبة ممسحة التنظيف التي تركتها أمهم، وكأنه يستدرجهم للعبة، لا غاية لها سوى التفافهم حوله.

تمنى موتاً رائقاً، يجتمع الأولاد والأحفاد حول جسده الذابل، يزينون سريره بالزهور والنباتات الخضراء، يوزعون الطعام على المعزين والمحتاجين، بعد أن يسيروا خلف نعشه بمهابة يستحقها الوداع.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى