صفحات الناس

إصلاح التعليم أول خطوة على طريق تحقيق الديمقراطية/ نسرين حلس

 

لم تحقق ثورات الربيع العربي من أهدافها سوى الإطاحة بالأنظمة الحاكمة، وبقي الإستبداد بصور أخرى، لأن الشعوب العربية لم تتربَّ على الديمقراطية يومًا.

 واشنطن: عشر سنوات مرت على التغيير، لم تحصد فيها الشعوب سوى الفوضى والمزيد من سفك الدماء، حتى وصل الأمر في بعض الدول العربية إلى طريق مسدود، حيث انقسمت الشعوب بين مؤيد ومعارض، وأصبحت اللغة السائدة لغة التخوين والتكفير، ليس لشيء سوى لإختلاف الميول السياسية وحرية التعبير والرأي الآخر.

 مفهوم السيطرة

سهل جدًا ترديد كلمة “ديمقراطية” في العالم العربي اليوم، لكن من الصعب تطبيق هذه الديمقراطية بمفهومها الفعلي، لأن العرب لم تعرفها يومًا ولم يتأسس العقل العربي عليها. فصار من الضروري إعادة بناء الشخصية العربية، من خلال وسائل التعليم، كي يتم تحقيق الهدف في الأجيال القادمة خلال العشرين عامًا القادمة. أجيال تعي معنى الديمقراطية الحقيقة، وكيفية التفكير بشكل نقدي واحترام وجهات النظر على اختلافها.

 من هذا المنطلق، يرى مراقبون أن الحالة التي آل إليها الوطن العربي تعود للأساس في التعليم، الذي لم يرسخ يومًا مفهوم الديمقراطية الحقيقية والمواطنة والمسؤولية المدنية في أذهان الطلاب العرب. فكانت نظم التعليم العربية ترسخ مفهوم السيطرة وتخريج رعايا مطيعين، فحرصت المدارس على تعليم الطاعة، وتلقين المعلومات مع عدم السماح بالنقاش، بدلًا من تعليم الطلاب التفكير النقدي والتحليل وحل المشاكل وحرية التعبير. فحرم الطلاب من التعريف بحقوقهم السياسية، ولم يعدوا للمنافسة في المجتمعات الديمقراطية. فالديمقراطية تتطلب مجتمعات مفتوحة ذات ثقافات متنوعة، تقبل الآراء المختلفة والمتضاربة، وتعترف بحقوق معارضيها.

 التعليم أولًا

يشبه عنتر عبد اللطيف، الصحافي في صحيفة صوت الأمة من مصر، ما حدث في الوطن العربي بالجسد المتكامل الذي يعاني جميع الأمراض، قائلًا: “إذا كان الجسد يشتكي من الأمراض، فكيف نكتفي بعلاج الرأس؟ هذا هو حال ثورات الربيع العربي التي اكتفت بتغيير بعض أنظمتها السياسية من دون التطرق لما في أنظمتها الإقتصادية والإجتماعية من أخطاء وسلوكيات فجة، طفت على السطح أخيرًا”.

 ويؤكد عبداللطيف على أن المطالب التعليمية لها الأولوية على المطالب الديمقراطية في مصر. ويعتبر أن اللحظة الثورية الآنية حساسة تتطلب عقلانية ومرونة للخروج من الفوضى، التي أعقبت ثورة ٢٥ يناير، وكذلك الدفع في اتجاه التوعية بالحقوق والواجبات، يتزامن مع تطوير تعليمي ومجتمعي.

ويضيف: “أؤكد بأننا نحتاج لثورة تعليمية قبل التطرق لثورة ديمقراطية، فالإصلاح التعليمي يواكبه أو يعقبه الإيمان، بمبادئ الديمقراطية، لكن الثورة الديمقراطية لاحقة وليست سابقة على الثورة التعليمية”.

   دور التنظيمات الدينية

يرى الإعلامي محمد كريزم، مدير تحرير موقع أخبار المرأة من فلسطين، أن عشوائية الثورات التي قامت واقتحام التنظيمات السياسية ذات الصبغة الدينية المتشددة، هذه الثورات ساهمت كثيرًا في ارباك المشهد وتحويله إلى فوضى عارمة، “ما جعل تلك الدول تعاني ارتباكًا واضحًا في تحقيق أهدافها وبرامجها، الأمر الذي سبب فواجع مذهلة ومآسي خطيرة وكوارث كبيرة، لم تترك ناحية واحدة من نواحي شعوب هذه الدول إلا وأصابتها بالضرر البالغ، فمن قام بالثورة لم يحصد شيئًا مما حلم به من تغيير وإصلاح حتى الآن، وتحولت حرية التعبير إلى صراخ وشتائم وتخوين”.

 وأعاد كريزم ذلك إلى أن العقلية العربية لم تمارس الديمقراطية يومًا، ولم تتعوّد ثقافة تقبل الآخر على اختلافه. قال: “نحن بحاجة لتعميق الإدراك الواسع بالمسؤولية الوطنية، وتعميق الشعور بالمواطنة، كما إحياء الشعور بالمسؤولية الإعلامية في دعم واسناد قضايا الجماهير، ولا بد من مضاعفة الجهد لإرساء ثقافة تحرر الأفكار مما علق بها من شوائب ونفض الغبار عن العقول المتيبسة والتأكيد على إشاعة أجواء التفاهم الفكري والحوار البناء، وذلك لا يكون إلا بإحداث تغيير في المنظومة التعليمية والثقافية التي يجب أن ترسخ من الصغر في نفوس الطلاب روح المواطنة للوطن وليس للحاكم أو الحزب”.

أضاف: “نحتاج إلى ترسيخ الديمقراطية في نفوس الطلاب، وترسيخ احترام آراء الآخر على الرغم من اختلافه معنا، كما يجب خلق روح المشاركة في العمل وعدم التفرد في القرارات”.

 ثورة شمولية

يعتقد الصحافي عمران الحسن من العراق بأن المجتمع العربي يحتاج إلى ثورة شمولية لإرساء قواعد الديمقراطية فيه، “ثورة تعليمية لقلب مناهج التعليم، تعلم الفرد معنى المواطنة الحقيقية كسلوك وحق وتجعله فردًا منتجًا ومفكرًا في المجتمع، ومساهمًا في حل مشاكله، وثورة حرية كي تحرر التعليم من الأنظمة السلطوية الحاكمة حتى يتقدم للأمام ويحدث التغيير لبناء مجتمع وطني واعٍ قادر على الإختيار”.

وقال: “الديمقراطية لن تتكرس من خلال مناهج تعليمية مسيطر عليها من قبل الأنظمة الحاكمة، تحاول منع التفكير الخلاق، وتعلم الشعوب السمع والطاعة، فالشعوب في العالم الثالث تعاني من الحكومات الشمولية الديكتاتورية التي جاءت مرة بالإحتلال وأخرى بالإنقلابات العسكرية وآخرها بانتخابات مزورة سلفًا، تجري باسم الديمقراطية المسلفنة التي اعدت من قبل الدوائر الإمبريالية لشعوب العالم الثالث”.

أضاف: “هذه الشعوب لا تعرف من الديمقراطية غير مفهوم ضيق وبسيط، هو الوقوف بالطوابير أمام صندوق الذي وضعته الحكومة لإنتخاب أشخاص لا يعرفون عنهم شيئًا”.

الإنفتاح هو الحل

ويرى المفكر التونسي الدكتور جلال الردواي أن ما يحدث اليوم من فوضى هو نتيجة طبيعية لمجتمعات لم تعرف من الديمقراطية لعقود طويلة غير مسماها في الكتب، ولم تمارسها في ظل أنظمة حاكمة حكمت لعقود طويلة بطريقة حكم الفرد وعلى الجميع الطاعة. قال: “نحن نحتاج لثورة تعليمية في المناهج لإحياء روح الوطنية والتفكير والإستفسار والإبتكار، ولتغيير المياه الراكدة في دوائر التاريخ والحياة منذ عقود، فنظم التعليم العربية تتركز حول السيطرة في المدارس وطاعة النظام بدلًا من التأسيس لحرية التعبير وللتفكير النقدي”.

أضاف: “بعد الثورة، جل اهتمامنا كان منصبًا حول وجود الإنتخابات وكتابة دستور جديد يتناسب والمرحلة الجديدة، بيد أن كل هذه الأشياء لن تصلح التغيير إذا بقي مفهوم الحكم والديمقراطية كما هو”.

 لذا، من كل ذلك نستطيع أن نقول إن العالم العربي لن يتقدم ويحقق الديمقراطية التي قام من أجلها إلا بثورة تعليمية قبل المطالبة بالديمقراطية التي لا تزدهر إلا بوجود مناخ يسمح بالتعددية والتنوع في الثقافات والآراء، والنظر للحقائق على أنها ليست مطلقة بل نسبية تحتمل الخطأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى