صفحات العالم

“اجاك الدور يا دكتور”

 


ميسون عزام

الكثيرون توقعوا أن استلام بشار الأسد للسلطة، حتى ولو بصفته وريثاً لعرش جمهوري، قد يكون إيجابياً لعدة أسباب، من بينها أنه شخصية تشبعت بثقافة الانفتاح وبدت مندفعة نحو الإصلاح رغم الجمود الذي اعترى العملية برمتها. وعندما بدأت المظاهرات في درعا، كثيرون نأوا بالأسد عن عمليات القتل ورموا باللائمة ووجهوا أصابع الاتهام لمن حوله، إلا أن هذه الصورة لن تستطع أن تحمي الاسد بعد حمامات الدماء التي سالت، إضافة الى التسفيه السياسي والإعلامي عن واقع ما حدث ويحدث وما نادى به المتظاهرون من “حرية وكرامة”.

أعتقد أن الخطيئة التي وقعت فيها السلطات السورية وأخفقت في تقييمها، كانت تجاهلها التام لقضية الكرامة والحاجة الماسة في رد كرامة أهالي درعا وأطفالها التي لطخت بالأرض.

وبحسب سوري مقرّب من السلطة، فإن تأزم الوضع في سوريا بدأ عندما ألقى العميد عاطف نجيب – رئيس فرع الأمن السياسي وابن خالة بشار – القبض على مجموعة أطفال، يبدو أنهم تأثروا بالربيع العربي فكتبوا على سور مدرستهم “اجاك الدور يا دكتور”.

هبّ الأهالي الى نجيب مطالبي إياه بإطلاق سراح أطفالهم فقال لهم والكلام للراوي: “انسوا أطفالكم هؤلاء وأنجبوا غيرهم، وإن لم تستطيعوا أحضروا نساءكم لي وأنا اقوم بالواجب”.

لم يكتفِ نجيب بذلك وإنما عندما أنزل الاهالي “عقالاتهم” عن رأسهم ووضعوها على مكتبه، رماها في سلة المهملات.

وهكذا خرج الناس الى الشارع، أطلق سراح الاطفال وعليهم علامات التعذيب فقد قلعت أظافرهم، وأقيل نجيب ومحافظ درعا، ونقطة على السطر.

قوبل الناس بوابل من الرصاص واتهموا بأنهم مندسون، سلفيون، عملاء لدول عربية وخليجية، ونجيب لم يحاكم. تحولت الروايات الحكومية الى اتهام عملاء لإسرائيل وراء ما يحدث بينما المعلومات متضاربة حول مصير نجيب.

واتسعت رقعة الاحتجاجات تضامناً مع درعا، واشتدت القبضة الأمنية والروايات الحكومية ليصبح المتظاهرون جميعاً، وهم بالآلاف، يضمرون الأسوأ لسوريا وليس كما ينادون في العلن ساعين نحو الإصلاح. صديق لي قال إن دراسة علمية في الديكتاتوريات، اشارت الى أن هناك جينات معينة في جسم الإنسان تتأثر إذا ما تسلم شخص ما مقاليد السلطة بشكل مطلق. الدراسة تقول إن الانصياع التام لأي شخصية تجعلها اكثر تسلطاً وتعطيها شعوراً بالقوة المفرطة ما يدفعها للتجبر دون خوف.

 

أتمنى ان لا يكون قد فات الأوان، وأن تكون جينات الاسد الشاب اليافع تحت السيطرة، فالخيارات في عالمنا العربي تغيرت وليس أمامه الكثير.

بن علي فهم شعبه متأخراً ففرّ هارباً، حسني مبارك لم “ينتوي التعامل مع العيال” وها هم يحاكمونه، القذافي لم يعترف اصلاً بشعب ليبي ووصفهم بالجرذان وها هو محاصر، والرئيس اليمني انفجر فيه القطار فسلموا لأنه فاتهم.

السؤال الذي يجب أن تطرحه على نفسك الآن يا فخامة الرئيس هو: أين تريد أن ترى نفسك بعد أيام معدودات أيها الرئيس العربي المتعلم والمثقف وهم قليل؟!

اتسمت جمهورياتنا بفساد العائلة الحاكمة والعزيزين عليها، والحال لا يختلف في سوريا، فاتعظ ولا تدع مصلحة المنتفعين فوق مصلحة الوطن.

قبل شهر من الثورة التونسية كنت في زيارة رسمية الى هناك، وخلال حديثي مع أحد رجالات الأمن الرئاسي تطرقت الى الحريات، فقال ما الحاجة الى الحريات “ليش نخبر الناس عن مشاكلنا، اللي عنده شي يخبرنا”، كان مقتنعاً بأن الاساس هو الامن حتى ولو كان بقبضة من حديد.

أيام معدودات وإذا بالقبضة الامنية والظلم المكتوم يتحول الى ثورة قلبت كل الموازين. وكأن بوعزيزي استمع لحديثي ورجل الأمن، وأراد أن يقول إنه لا حياة بلا كرامة.

رسالة قرأها الكثيرون، فلا تجعلها تمر أمامك مرور الكرام يا فخامة الرئيس.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى