صفحات العالم

الإرهاب ومحاربة العارض بدلاً من الداء/ سمير الزبن

 

 

كلما فكرت في الصيت والسمعة التي حصلت عليهما «داعش»، تذكرت كلمات ماوتسي تونغ أن «الامبريالية نمر من ورق». فصورة التهديد الهائل الذي يشكّله «داعش» على العالم، كما يصورها الإعلام الغربي، ليست مقنعة. هل يشكل «داعش» خطراً حقيقياً؟ نعم، يشكل خطراً حقيقياً، لكنه خطر محدود، ويصبح غير محدود، عندما يتعلق التهديد بمصالح بلدان غربية أو أرواح غربية. أما عندما يتعلق الأمر بتهديد موقعي، محلي، شرق أوسطي، عالم ثالثي، فهو بالتالي خطر محدود، يدعو إلى الأسف على ضحاياه، ولكنه ليس خطرا كبيرا يهدد الغرب، فسواء ذبحت «داعش» المئات أو الآلاف من المواطنين المحليين، فهذا يدعو للأسف والإدانة، ولكنه لا يشكل خطرا على الغرب، وبالتالي ليس خطرا داهما وكبيرا على هذه الدول. كذلك الأمر بالنسبة لسلطات الاستبداد، فهي طالما تقتل شعبها فهي لا تشكل خطراً على الغرب، حتى لو وصل القتل إلى مئات الآلاف من الضحايا، النموذج السوري القائم، مثلاً. النظام السوري الذي ذبح شعبه، بما أنه لا يشكل خطراً على الغرب بسبب محلية الجريمة التي يرتكبها، فإنها جريمة من الممكن تحملها مع بعض الإدانة والاستنكار، ولكن ذلك لا يستدعي شن حرب على النظام السوري للتخلص من إرهابه. يأتي الإرهاب من مكان آخر، بحسب الوصفة الغربية اليوم، هو يأتي من «الدولة الإسلامية»، والحرب على الإرهاب تستهدف «داعش» وعلى السوريين أن يحاربوا «داعش» التي تشكل خطراً على الغرب، وعليهم الانتظار على النظام الذي يذبحهم كل يوم ويشكل خطراً داهماً وملحاً عليهم. هكذا يرى الأميركيون الأولويات في الفوضى القائمة في سوريا اليوم.

عندما حصلت أحداث باريس المؤسفة، وكان المنفذون من جنسيات فرنسية وبلجيكية، لم تقصف الأحياء التي أتوا منها، سواء بروكسل أو باريس، قررت السلطات الفرنسية المشاركة في الحرب على الإرهاب، بقصف مواقع «داعش» في سوريا والعراق. طبعاً، ليس المطلوب الرد على الإرهاب بقصف بروكسل وباريس، فهذا ليس ذا جدوى، وقصف الرقة والموصل ليس ذا جدوى أيضاً، فعدد محدود من الطائرات الفرنسية في سماء سورية والعراق، إضافة إلى طائرات التحالف والطائرات الروسية والطائرات السورية، لن تصنع فرقاً في الواقع القائم.

السؤال المحيّر، هل تحتاج محاربة «داعش» إلى تحالف من 60 دولة، وكيف يحارب التحالف هذا التنظيم؟

عندما جرت معركة «كوباني / عين عرب» التي هاجمتها قوات «داعش» وشارك التحالف في دعم القوات الكردية الموجودة في المدينة من خلال القصف الجوي، كان من المدهش، أن يحتاج «داعش» إلى عدة أشهر من أجل رده عن المدينة الكردية الصغيرة الواقعة في شمال سوريا. لكن المعركة نفسها، أعطت لـ»داعش» صورة قوة هائلة، طالما أنها تحتاج إلى قوة تحالف من 60 دولة لرده عن مدينة صغيرة مثل كوباني / عين عرب. وإذا كانت معركة على بلدة صغيرة احتاجت كل هذا الوقت وهذا التحالف، فما الوقت الذي تحتاجه معركة القضاء على «داعش» نهائياً؟! يخبرنا الأميركيون أنها حرب ستستمر لسنوات طويلة، وأنها تبدأ بإضعاف «داعش» ومن ثم القضاء عليه.

الصورة المحلية التي أعطتها معركة كوباني / عين عرب، ترافقت مع صورة أخرى مكملة، استهدفت منها «داعش» إرعاب الغرب من خلال صور القتل الوحشية التي تفتق عنها خيال الإجرام المريض، بقتل الرهائن الغربيين، عبر ذبحهم بطريقة وحشية أمام الكاميرات، أو الإخراج السينمائي لإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، أو إغراق رهائن آخرين. كان القتل الوحشي السينمائي هو الوسيلة الفعالة لاستعراض قوة «داعش» وإعطائها صورة مهابة ومخيفة، بوصفها عدو يملك قدرات هائلة. والصورة الأخرى اكتسبها «داعش» من قدرته على المس بمواطنين غربيين خارج أماكن سيطرته أيضاً، فكانت ثلاث عمليات في نهاية العام المنصرم، الأولى، في بيروت وذهب ضحيتها 40 قتيلاً وعشرات الجرحى. الثانية، في مصر بتفجير الطائرة الروسية فوق سيناء وأسفرت عن مقتل 224 شخصاً ـ لقد حسمت موسكو أن الطائرة تم إسقاطها بفعل عمل إرهابي، رغم أن ذلك لم يتأكد تماماً إلى الآن ـ الثالثة الهجمات الإرهابية في باريس التي ذهب ضحيتها أكثر من 130 قتيلاً ومئات الجرحى. وهو ما أعطى صورة مضخمة لليد الطويلة لـ»داعش» خارج الأراضي التي تسيطر عليها. وجاءت حادثة كاليفورنيا في الولايات المتحدة لتضفي مزيداً من الهالة على تأثيرات «داعش» غير المباشرة، حيث هاجم زوجان متأثران بفكر «داعش» حفلاً ليخلفا 14 قتيلاً وعشرات الجرحى.

هل كل هذا يجعل من صورة «داعش» التي يصورها العالم الغربي، بوصفه عدواً وخطراً حقيقياً وشرساً، يحتاج إلى تحالف الشرق والغرب من أجل القضاء عليه، وكأن «داعش» أساس المشكلة في المنطقة وأساس الخراب في العالم؟!

لم يعرف عن «داعش» خوضها لمعركة حقيقة في سوريا أو في العراق. في سوريا كل المعارك التي خاضها «داعش» كانت ضد الجيش الحر، فهو حرّر الأراضي من الجيش الحر، الذي حررها أصلاً من النظام السوري. وفي العراق عملياً تم تسليم الموصل الى «داعش» بهروب الجيش العراقي الذي ترك أسلحته دون تدمير. ما أظهر بوضوح أن هناك تواطؤاً في كلا البلدين لرسم صورة الصراع كما يرغب بها كل من نوري المالكي في العراق وبشار الأسد في سوريا. بوصفه صراعاً ضد الإرهاب، لا احتجاجات شعبية.

يبدو أن الصورة المضخمة لـ»داعش» تخدم كل الأطراف في البحت عن عدو يناسبها، كل لأهدافه الخاصة. لأن التدقيق فعلاً بما يجري في المنطقة، يؤكد أن «داعش» ليس مؤسساً لم جرى ويجري في المنطقة، بقدر ما هو عارض من عوارض ما يجري، ناسب وجوده كل المتصارعين، فرسم كل طرف صورة تناسبه لعدوه، وهذه الصورة تحاول حجب الواقع الحقيقي، والذي يحتاج إلى معالجة، فمعالجة الأساس هو ما يُمكّن من معالجة العارض «داعش»، أما القضاء على «داعش» من دون معالجة الأسباب الحقيقية لظهوره، هو العمل على خلق نسخة جديدة من «داعش» بعد أن كانت هذه نسخة جديدة من «القاعدة».

نعم «داعش نمر من ورق» تم تصنيعه من خلال إعلاء العارض على حساب الأسباب الحقيقية لظاهرة الإرهاب، وهذا النمر سيبقى على هذه الصورة حتى تنتهي وظيفته، التي يبدو أنها لن تنتهي قريبا.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى