صفحات مميزة

الاستثنائية الأميركية في سوريا: الإيمان والهرطقة/ رامي رحيّم

 

 

ترجمة: شكري رحيّم

هذه الدراسة صدرت بالانكليزية عن مركز وودرو ولسون الدولي للباحثين في واشنطن، بتاريخ 22 شباط/فبراير 2017، وهي منشورة على موقع المركز.

كتبها بالانكليزية رامي رحيّم، وهو يعمل مراسلاً للشؤون السورية في هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، خلال فترة بحث في مركز ولسون، ونقلها إلى العربية شكري رحيّم.

*****

وهل من عجبٍ في أن يتستر رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما بنظرة إلى البعد التاريخي، تحضيراً لتسليم مفاتيح السلطة إلى الرئيس المنتخب آنذاك دونالد ترمب.

«غالباً ما نشعر بأننا، مقابل كل خطوتين نخطوهما إلى الأمام، لا نلبث أن ننكفئ خطوة إلى الوراء»، بهذا اعترف الرئيس المنتهية ولايته خلال إلقائه خطابه الوداعي في شيكاغو في العاشر من كانون الثاني/يناير 2017. ثم يضيف: «لكن مسيرة أميركا الطويلة طالما اتصفت بالتحرك قدماً تحركاً يثري، لا يكف، مبادءنا التأسيسية القائمة على احتضان الكل وليس البعض فقط»1.

كان كمن يستشعر خطوة إلى الوراء تنذر بسوء كبير، وهي قاب قوسين أو أدنى، لكن وحدها «مسيرة أميركا الطويلة» كفيلةٌ بإنقاذ تراثه من براثن الإدارة الجديدة.

تحدثَّ عن روحية أميركا، «المنبثقة من حقبة التنوير»، والتي أهلتها لـ «مقاومة الوقوع في حبائل الفاشية والطغيان». وفي تنويه بفكرة وودرو ولسون حول القانون العالمي2، تحدثَ عن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية «القائم ليس فقط على القوة العسكرية أو الانتماءات الوطنية، وإنما المبني على المبادئ»3.

بعد هذا الخطاب بعشرة أيام، سلّمَ الرئيس أوباما النظام العالمي إلى الرئيس دونالد ترمب الذي بادرَ إلى القول: «من اليوم فصاعداً سوف تحكم هذه الأرض رؤيا جديدة. من اليوم فصاعداً وحدها أميركا ستكون أولاً»4.

تحول الانتقال المتعثر للسلطة إلى حرب مقدسة، ولكن بالكلمة. وفي حين رفع أوباما راية الاستثنائية الأميركية ومبادئها، مدافعاً عن صورة أميركا قائدةً عالميةً متنورة مصيرُها المحتوم أن تتولى هذه المهمة القيادية لما فيه خير الإنسانية جمعاء، نحا ترامب منحىً وطنياً (قومياً) بسيطاً وواضحاً.

وسط سجالهما الثنائي التاريخي، بدا الرجلان متفقين على أمرٍ واحدٍ أحد، في المضمون إن لم يكن في الأسلوب. «لقد استأصلنا عشرات آلاف الإرهابيين، بمن فيهم بن لادن»، قال أوباما، وأضاف «لقد قضى التحالف الذي نقوده ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على قيادييه، وانتزع منه ما يقارب نصف المساحات التي كانت تحت سيطرته. تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام سوف يُدمّر، ولن يكون في مأمن كلُ من يهدد أميركا».

أما ترمب، فبمسحة متجددة أسلوباً، مع انعطافة خفيفة في السياسة، تناول الموضوع من حيث انتهى أوباما: «سوف نزيد التحالفات القائمة رسوخاً وسننشئ تحالفات جديدة، كذلك سنوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، هذا الإرهاب الذي سنستأصل جذوره كلياً عن وجه الأرض».

أوباما في سوريا

لقد شنت الولايات المتحدة بقيادة أوباما حربين اثنتين في سوريا، واحدة بالوكالة ضد النظام الحاكم، والثانية مباشرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية والفصائل الجهادية العابرة للحدود. فيما خصَّ تنظيم الدولة الإسلامية، كان أوباما قد بلور سياسته بوضوح فجّ نسبياً، وقد جاء أقل تناقضاً مما كانت تشي به تصريحاته حول الرئيس السوري بشار الأسد.

لعل واحداً من أبين الأمثلة في هذا الإطار، قد ورد في مطولة جيفري غولدبيرغ بعنوان «عقيدة أوباما» في مجلة «ذا أتلانتك». يقتبس غولدبرغ من كلام أوباما مماثَلةً استعارها من فيلم باتمان، كي يشرح مشكلته مع تنظيم الدولة الإسلامية5.

«هناك مشهد في البداية نرى فيه قادة عصابات غوثهام مجتمعين» يقول الرئيس، «مجموعة من الرجال اتفقوا على تقسيم المدينة مناطق نفوذ لكل منهم. هم مجموعة سفّاحين، لكنّ نوعاً ما من النظام كان يحكم عملهم. ذلك أن لكل منهم ميدانه المتفق عليه. فجأة يأتي الجوكر ويضرم النار في كل أرجاء المدينة. تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام هو الجوكر، ولديه القدرة على مد ألسنة اللهيب لتشمل الإقليم بكامله. من هنا لا بد لنا من محاربته».

يبدو أن الكثير من الوَلْولة حول سياسة أوباما حيال تنظيم الدولة الإسلامية يشير، دون إدراك من أصحابه، إلى نجاحه في هذه السياسة. إحدى الأفكار التي عمّمها بعض نقّاد أوباما هي أن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية «تحولت إلى وسيلة وقناع يستفيد منهما كل اللاعبين في الميدان لخدمة مصالحهم المتنافسة»، وأن إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية يأتي مترافقاً مع «عودة ظهور الانقسامات الماضية، وغالباً بوتيرة أشدّ وطأة»6.

ولكن هي ذي بالتحديد النقطة المركزية بالنسبة إلى أوباما، فالمشكلة التي يقذفها بوجهه تنظيم الدولة الإسلامية هي أنه عبث بخريطة الانقسامات السابقة. ألم يقل أوباما: «لكل منهم ميدانه المتفق عليه، وفجأة يأتي الجوكر ويضرم النار في كل أرجاء المدينة»؟7

أضف إلى ذلك أن التنافس الاقليمي قد خدم الأهداف الأميركية ولم يقف عائقاً دونها، كما أنه جاء متلائماً تماماً مع آراء أوباما حول حسن استخدام القوّة. كأننا بأوباما يرى نفسه أشبه ما يكون بمحرك في الظل. في ليبيا ترك ساركوزي يتنطح حول دوره في الحرب، في حين عمد هو إلى «شراء تورط فرنسا بحيث جعلنا الحرب أقل كلفة لنا وكذلك أقل مخاطرة لنا»8.

ما دام يتسنى له أن يفعل ذلك بالأصدقاء، فهل يتوانى عن فعله بالخصوم، ومن باب أولى بالأعداء؟ فلتتحمل إيران وروسيا كل ما يمكن تحميلهما من العبء، فهو يريد ضغط النفقات إلى حدّها الأدنى، كما يبغي تجنّب تحمّل أعباء العمليات البرية9. «القوة الحقيقية»، كما قال لغولدبرغ، «تعني أن باستطاعتك انتزاع ما تريد دونما استخدام للعنف»10.

لكنّ الواقعيين أيضا ليسوا متأكدين من فكّ لغز أوباما. بعضهم يبدو سعيداً بأنه (أوباما) قد أحسن صوغ بعض الأفكار التي يرون فيها مادة تصلح لتشكل مدرسة في السياسة الخارجية الواقعية11، في حين أصيب آخرون بالخيبة وقد اعتبروا أنه لا صاغ تلك الأفكار بما يكفي، ولا نجح في وضعها موضع العمل.

من بين هؤلاء الخائبين برز ستيفن والت بنبرة مرتفعة، وهو من الذين يولون خطاب أوباما اهتماماً خاصّاً. «هذا المتميز بين الرؤساء في حسن البيان ووضوح الخطاب»، قال والت، «لم يتصدّ يوماً لصوغ إطار واضح ومتكامل يحدد فيه مصالح الولايات المتحدة الحيوية»12. إيمان أوباما بالاستثنائية الأميركية و«ميله للاستشهاد بالخطاب المألوف للسطوة الليبرالية» جعلاه، بحسب والت، أشدّ ميلاً للتدخل حيث لا تكون مصالح الولايات المتحدة عرضة للخطر13.

بدا من السهل التكهن بأن أوباما لن يبادر إلى الحديث عن سوريا في خطاب الوداع الذي شاءه، في قسمه الأكبر، وثيقةً ترسّخ في الأذهان تراثه الرئاسي. ذلك أن مسألة سوريا لا تتلائم مع حكاياه عن الاستثنائية الأميركية، كما أنها لا تمدّه بما يحتاجه من قوّة التأثير في جمهوره، في مناسبة هو أشدّ ما يكون حاجة اليها.

لكنّ الاستثنائية ليست مجرد قناع وحسب، فهي تجسّد إيماناً وطنياً يمتدّ فعله أبعد من الرئيس وأبعد من مؤسسة السياسة الخارجية، وغالباً ما ينتشر مفعوله في ثنايا مؤسسات المعرفة في الغرب.

حين مدّت أميركا يدها إلى الانتفاضة السورية أخذ العديد من وسائل الاعلام المهيمن يخلط بين ظاهر المشهد وفحوى السياسة، وهكذا صيغت سرديات بكاملها حول ولاياتٍ متحدةٍ منفطرةِ القلب تواجه مأزقاً أخلاقياً آخر.

طغت على المخيلة الجمعية مشاعر القلق المألوفة والخشية على الاستثنائية الأميركية، ومطامح أميركا المثالية سعياً إلى نظام عالمي أفضل لم يُصَنْ ولم يدافَع عنه. فإذا كانت الأهداف ناصعةَ النبل بينما النتائج كارثيةً إلى هذا الحدّ، يصبح الاستنتاج الوحيد أن صُنّاع السياسة الأميركية لا يفقهون ما يفعلون14.

اليد الممدودة

اللقاء الأول بين سوريا والاستثنائية الأميركية تم خلال رئاسة الرئيس ودرو ولسون بالذات، الذي يقال إنه أخبر الملك فيصل في العام 191915 أنه «إذا كان الشعب حقاً يريد الإستقلال، عندئذ لن أسمح لأي بلد في العالم بأن يسيطر على سوريا!»16.

أوفد ولسون تشارلز كراين وهنري كينغ17 إلى سوريا للاطلاع على توجهات الرأي العام فيها، وذلك تطبيقاً لفكرته الجديدة الداعية إلى ممارسة الحق الوطني في تقرير المصير لدى الشعوب التي كانت تحكمها القوى الأوروبية. لكن فيصل ما لبث أن وجد نفسه «وجها لوجه مع الحقيقة»18، عندما أدرك أنه على الرغم «من كل الجهود التي بذلت لارضاء ولسون…فهو (فيصل) كان سيخسر كلاً من فلسطين وسوريا…»19.

المؤرخ السوري سامي مبيض يكشف لنا تتمّةً أقلَ انتشاراً لهذه القصة الشهيرة، وهي حلقة، وإن لم تكن مقصودة بذاتها، تبقى شديدة الدلالة بحيث تُظهر مدى استمرارية قوّة الجذب الولسونية.

فبعد مرور ثلاث سنوات فقط، أي في العام 1922، قرّر كراين العودة إلى سوريا. ومع أن الزيارة كانت شخصية فقد جعلت عبد الرحمن الشهبندر، الذي سبق أن كان كبير مساعدي فيصل آنذاك، يُفعم مجدداً بالأمل.

«هذا الرجل مفتوحةٌ له آذان أعضاء الكونغرس»، قال الشهبندر للذين طغت عليهم الشكوك خشية أن يتكرر بيعهم قصوراً في الهواء، وأضاف ناصحاً «يجب أن نأخذه في جولة حول البلد ليرى بأم العين ما أوقعه الفرنسيون من أضرار، كي يبلغ بذلك الحكومة الأميركية!»20.

لم يحمل كراين شيئاً يقدّمه لسوريا، لكنّه ائتمن الشهبندر على بعض المال لإعطائه لناشطتين سوريتين في حال قبلتا عرضاً تنالان بموجبه منحة دراسية في الولايات المتحدة. لكن «ما أن غادر كراين دمشق حتى كان الشهبندر مكبّلاً بالأصفاد»، متهماً بقبض الأموال من الأميركيين بهدف إطاحة الانتداب الفرنسي، وقد حُكم بعشرين سنة سجناً وأشغالاً شاقة21.

خلال البحث عن إحدى الناشطتين أوقفَ الفرنسيون إحدى طالباتها، و«احتجزوها في قبر فارغ على مدى ساعتين»، بغية انتزاع معلومات منها، ثم قادوها إلى السجن «في حالة من الانهيار»، ليُتبِعوا ذلك بحملة اعتقالات طاولت عشرات السوريين الناشطين ضد حكم الفرنسيين، وكان هؤلاء السوريون قد نزلوا إلى الشوارع تعبيراً عن معارضتهم22.

بفضل ما كان بينه وبين السلطات الأميركية من علاقة والاعتقاد بأن له وصولاً وحظوة لديها، أطلق كراين سلسلسة من الأحداث غير المتوقعة. ومع أن بالامكان أن نحسم بما يشبه اليقين عدم وجود نية بالتأثير في مسار الأحداث، فإن النوايا في هذه الحال لا أهمية حقيقية لها.

نسرّع عدّاد الزمن إلى الثامن عشر من آب/أغسطس، 2011. بخلاف أميركا ولسون، ها قد مرّ زمن طويل على الولايات المتحدّة القوّة العالميّة ذات السطوة والمصالح في أرجاء الأرض، وذات نوايا قديمة ترمي إلى وضع الأحداث في مسارات تلائم مصالحها. مسلسل الانتفاضات ضد الديكتاتوريين العرب الحكّام مدى الحياة كان لا يزال طريّ العود ذا تأثير مُسكِر، والولايات المتحدة كانت تخوض، عسكرياً، مغامرة جديدة بقناعٍ واهٍ يكاد لا يخفي شيئاً لتغيير النظام في ليبيا، في حين كانت سوريا تشهد انتفاضة شعبية. «من أجل مصلحة الشعب السوري»، أعلن رئيس الولايات المتحدة آنذاك باراك أوباما، «لقد آن الأوان كي يتنحّى الرئيس الأسد»23.

إلى المدار الأميركي

هذه المرة كانت قوة الجذب الولسونية مدعومة بمتابعة متعمّدة. فبعد إعلان أوباما توالت سلسلة من المؤتمرات الدولية من المستويات الرفيعة جاءت تحت العنوان المشعّ بالإغراء «أصدقاء سوريا»، فضلاً عن التصريحات والتسريبات مجهولة المصدر حول الدعم المعلن والمستتر، ودفق من البيانات الرسمية المتواصلة عن الشرعية.

في نظرة استعادية قد تبدو كل هذه الأمور خاوية من المعنى، لكنّ النظرة الاستعادية قد لا تخلو أحياناً من التضليل. «إن جهلنا بما ستنتهي اليه الأمور، هو من علامات عيشنا عبر الأحداث»، بحسب الفيلسوف الأميركي آرثر دانتو في كتابه السردية والمعرفة24. قد يصحّ أن تكون تلك البيانات والمؤتمرات قد انتهت إلى الخواء، لكن هذا لم يكن أمراً ظاهراً في حينه.

في فترة لاحقة وصف أوباما تصريحه بأنه لا يعدو كونه حكماً أخلاقياً عما يجب أن تكون عليه معاملة القادة لشعوبهم، لكنه لم يكن كاهن رعية ولا أكاديمياً مختصاً بالأخلاقيات عندما أدلى بذلك التصريح، الذي كان لا بد أن يلعب دوره المؤثر في حسابات كل اللاعبين في المنطقة25. ذلك أن قسماً كبيراً من مكونات الانتفاضة السورية كان منجذباً إلى الانضواء في المدار الأميركي، معتمداً بوتيرة متزايدة على الدعم الأميركي، متصرفاً بما يظهر أنه يتوقع أن تقدّم واشنطن ما يحتاجه من المساعدات لقلب النظام في سوريا والقبض على الحكم. إذا عدنا إلى العام 2011، لم يكن هذا التصوّر بالضرورة حساباً غبيّاً.

بالنسبة إلى أقصوصة كراين في العام 1922، يكتب مبيّض أنها تكشف لنا كيف أن السوريين – عهدئذ – كانوا يرون في الولايات المتحدة «بلداً نائياً ذا قدرات متفوقة بإمكانه اجتراح الأعاجيب بوضع حدّ لكل مشكلاتهم»، ويرون في كراين «فارساً محمياً بدرعه اللماعة، مقبلاً على صهوة جواده إلى بلاد المشرق لينقذ العرب من براثن الاستعمار الأوروبي وهو، على ما يبدو، لا يطلب شيئاً في المقابل»26.

أن يتراءى لنا أن السياسيين والناشطين في المجال السياسي في سوريا في العام 2011 كانوا فريسة أوهام كهذه أمر فيه تجاوز للواقع، الأرجح أن حساباتهم لم تُبنَ فقط على البيانات والمؤتمرات وسوى ذلك من عروض النوايا الواعدة بإزاحة الأسد، وإنما على قراءات طويلة المدى لسياسات الولايات المتحدة حيال سوريا وإيران.

إن مشاعر العداء الكامنة حيال نفوذ إيران الإقليمي ودور سوريا في فتح الأبواب أمامه كانت لا تزال قوية في واشنطن، حتى بعد نهاية ولاية سلف أوباما جورج دبليو بوش. في الأشهر الأولى من زمن الانتفاضة، في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، صرّح مساعد وزير الخارجية آنذاك جيفري فيلتمان أمام أعضاء في مجلس الشيوخ بأن حكومة جديدة في سوريا «لن تكون رصيداً مُعِيناً لإيران كما هي سوريا اليوم»، ثم أضاف: «إن من مصلحتنا الاستراتيجية أن نعمل على إحداث هذا التغيير بسرعة»27. في جلسة الاستماع إياها سأل السيناتور ماركو روبيو فيلتمان السؤال عينه مرتين، ما إذا كان في رأيه «أن إيران بخسارتها نظام الأسد تتلقى ضربة مدمرة»، وكان جواب فيلتمان مؤكداً صحة ذلك28.

بين الموثق وغير الموثق

«سوف نشهد هناك قوى معارِضة متزايدة القدرات وبطريقة أو بأخرى، ومن مصدر ما، سوف يجدون السبل التي تمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم، لا بل من البدء باتخاذ إجراءات هجومية». وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، 23 شباط \فبراير، 201229.

لقد تعاظم حسٌّ بحتميّة كون الأسد على مشارف الخروج من السلطة، وقد أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إي» غرفتي عمليات في الأردن وتركيا30، كما أقلعت طائرات حلفاء الولايات المتحدة محمّلة بالأسلحة31، في حين قال مسؤول أميركي سابق لصحيفة نيويورك تايمز إن دايفد بترايوس، الذي كان مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2012، لعب «دوراً فاعلاً في إطلاق حركة نقل الأسلحة هذه بالطائرات»32.

في الوقت الذي كان الأميركيون يجرون فيه حساب دفق الأسلحة، كانت عينٌ لهم تراقب إيران وحزب الله، وأخرى تلاحق فصائل الجهاديين العابرين للحدود الذين كانوا يحاربون النظام33. «لم نكن يوماً مستعجلين على إسقاط النظام»، قال لي السفير الأميركي السابق إلى سوريا روبرت فورد في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، وأضاف «فكيف لك أن تطيحه من دون تدخل عسكري أميركي مباشر؟ ما من أحد في الإدارة الأميركية، لا أنا ولا كلينتون ولا بترايوس ولا أحد كان يريد تدخلاً عسكرياً أميركياً مباشراً. لا أحد أراد ذلك».

إذن التداول في زيادة دفق الأسلحة، سألته، كان دائماً يستهدف تحسين الموقع التفاوضي ولم يكن يوماً بغية تغيير النظام؟ «صحيح. وأنا أستغربُ أن لا يكون هذا الأمر واضحاً بحسب ما ورد موثقاً رسمياً»34.

يشدد فورد التركيز على السجلّ الموثّق بالنسبة إلى المفاوضات، وكذلك حيال بدء المساعدات الأميركية التي يقول إنها جاءت «قليلة ومتأخرة»35. لكنّ الكلّ يعلم أنه كانت هناك عملية سريّة لم تأت السجلات على ذكرها36. وحتى في السجلات، لم تكن الأمور بالوضوح الذي يشير إليه فورد. صحيحٌ أن المسؤولين الأميركيين كانوا يشددون في العديد من تصريحاتهم العلنية الرسمية على الحل السياسي المتفاوض عليه، لكنها طالما كانت جملة مطاطة بحيث باتت شبه فارغة من أي معنى37.

ثم إن البيانات الأميركية الرسمية غالباً ما كانت تُحبَك بحيث تستبطن معاني متباينة، ففي شباط/فبراير 2013 قال وزير الخارجية الأميركية جون كيري «إن مجموع هذه الجهود (مساعدات الأميركيين وحلفائهم للثوار) سوف يكون له تأثيره في قدرة المعارضة السورية على تحقيق أهدافها»38. ما من شكٍّ، الا لماماً، في أن إشارته إلى أهدافها تعني لدى الكثرة الكاثرة من الثوار إطاحة النظام. لكن هل يكشف هذا الكلام نيّة بمساعدتهم في تحقيق أهدافهم، أم أنه مجرّد بيان رسمي آخر لابقائهم في المدار الاميركي؟

أوباما وقواعد اللعبة في واشنطن

قبل الانتفاضة السورية كانت خطوة أوباما الأولى في سوريا حركةً ابتعادية عن نهج بوش، الذي قاربَ في مرحلةٍ ما محاولة تغيير النظام. ما بدا من سياسة أوباما أنه ينحو باتجاه تطبيع العلاقات مع سوريا39، وقد أوضح أنه سيغيّر سُبُلَ تعامله حين يتعلّق الأمر بإيران40.

لكن إذا صحَّ أن بإمكان الرؤساء تغيير الوجهة السياسية لبلادهم، فالصحيح أيضاً أنهم لا يُعيدون كتابتها من الصفر. فالانتفاضة السورية نفخت حياة جديدة في السياسة التي ظلّت خبيئة هاجعة حتى خلال تحرّك أوباما سعياً لتغييرها. وعلى الرغم من أن الدعوةَ إلى تغيير النظام على طريقة بوش كانت شبه مستحيلة سياسياً في واشنطن طوال ولايتَيْ أوباما41، فقد أتاحت الانتفاضة الفرصةَ لِشنّ حربٍ بالوكالة زهيدة الكلفة.

لقد اختار أوباما معاركه في السياسة الخارجية بتأنٍ حَذِر وواقعية. ففي الحالات التي رأى فيها تهديداً لبلاده، أو مصالحَ لها، مثل انتشار الأسلحة الكيماوية في سوريا والصّفقة النووية مع إيران، كان يواجه مُختلِفَ القوى المعادية لإيران في واشنطن بصلابةٍ حاسمة، ثم يعالج المسألةَ بطريقته الخاصة. لكنّ الحربَ بالوكالة كانت أمراً مختلفاً، ففي هذه الحال لا الجندي الأميركي معرّضةٌ حياته للخطر، ولا الخزينة الأميركية مضطرةٌ لتحمّل الأكلاف الباهظة لمناطق حظر الطيران الحربيّ. مجردُ دفقٍ من الأسلحة المموّلة بمعظمها خليجياً باتجاه سوريا تحت عدسة الرؤية الحادة للـ CIA. صحيحٌ أنه أوضحَ فيما بعد أن تلك الحرب في رأيه لم تكن لتغيّرَ «المعادلة على الأرض»، لكنه مع ذلك سمحَ لهم بخوضها

42.

لكن حتى لو أن كل نوايا أوباما قد كُشِفَت بسحرِ ساحر، مع ذلك لن يكون بوسعنا أن نُدركَ مدى الأهمية التاريخية للأعمال التي قام بها43. في التاريخ، أكثر من أيّ شيءٍ آخر، «غالباً ما تكون معاييرنا في تقييم الأداء سلوكية المنحى»44. من المؤكد أن ما كان أوباما ينوي فِعلَه كان سيُغني السجل التاريخي45، لكن في المحصِّلة ما انتهت أميركا إلى فعله هو مسألة تاريخية أكثر أهميةً.

حربٌ أهلية ضِمنَ حربٍ أهلية (ضمنَ حربٍ أهلية)

هيَ ذي فصائلُ الثوار السوريين الذين شدّتهم أميركا إلى مدارها تَخوضُ حرباً ضد الآلة العسكرية غير المردوعة للدولة السورية. هناك أيضاً حزبُ الله والإيرانيون، والميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران، وتنظيم الدولة الإسلامية، وجبهة النصرة، ومجموعاتٌ جهادية متنوعة الجنسيات، كلُهم يتحاربون في ميدان واحد. حتى لو اتحَّدَ كل أولئك الثوار لم يكن واضحاً مدى نصيبهم من الانتصار، أمّا مُتفرّقين فنصيبُهم من البقاء على قيد الحياة يبقى ضئيلاً.

كان المأزق الأميركي يكمُن في التشابُك بين فصائل الثوار الذين دعمتهم أميركا والجهاديين العابرين للحدود، خصوصاً منهم ولكن ليس حصراً، تنظيم الدولة الإسلامية. بخلاف فصائل الثوار بالوكالة التي تقاتل تحت الراية الوطنية (السورية) وسواها من الجماعات السلفية، فإنّ الجهاديين العابرين للحدود ليسوا ممن يمكن أن تفرضَ عليهم أميركا أو حلفاؤها الخليجيون الانخراط في معسكرهم.

أما مأزق المعارضة فكان يكمُن في إدارة الخلافات بطريقةٍ تحقق وحدةَ الثوار وَسْطَ اشتعال الحرب. هذه المهمة عَقّدتها طبيعة الانقسام الأوسع بين العلمانيين والإسلاميين، وهو انقسام تمتد خيوطُه إلى النسيج الاجتماعيّ46، مع خطوط فصل غير واضحة المعالم.

حلَّ الأميركيون مأزقَهم باعتماد سياسة الفرز (peeling)47، بحيث يهمّشون المقاتلين الذين لا يرغبون بهم أو الذين يَروْنَ فيهم تهديداً. في هذا السياق عمدَ الأميركيون إلى الضغط المتمادي على الفصائل الموالية لهم دفعاً بهم للانفصال عن الجماعات الأخرى. إنعدام ثقة الأميركيين بالثوار وقاعدتهم الشعبية كان العامل الطاغي على العلاقة منذ البداية، وهو ما كان يُبرز ما يبدو من تناقض في السياسة الأميركية. وللتأكد من ولاء مقاتليهم بالوكالة، ضحّى الأميركيون بوحدة الثوار وشجعوا القتال فيما بينهم48.

كذلك تابعَ الأميركيون مراقبتهم لتسابُق مجموعات الثوار على تقديم خِدْماتهم لاعتماده معياراً للدعم المحلّي، وقد أداروا توزيع المساعدات بحيث تميل لمصلحة فصائلهم الحليفة49، في حين لعبت المجموعات المعارِضة، التي أجازها الغرب ودولُ الخليج ممثّلةً للشعب السوري، دوراً مساعداً، وتمسكت في الوقت نفسه بمظهر الغاضب50. وهكذا انكشفت الدينامية المألوفة، فالولايات المتحدة كانت في قلق مستمر، والدولُ المانحة كانت تمارس ضغطاً مستمراً على جماعات الثوار «لكي يَنْأَوا بأنفُسهم عما يقوم به بعضُ العناصر المتطرفة»51، أما المعارضة فكانت دائمة المطالبة بمزيد من الأسلحة، واعدةً بألاّ تُسيءَ استعمالها52.

لكن في حين كان الأميركيون يُسلّحون الثوار في مواجهة إيران وحزب الله، كانت جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية يثبتان تفوّقاً في الفاعلية على الأرض. شيئاً فشيئاً حوّلت أميركا استراتيجيّتها التوازنية نحو تركيزٍ أكثر تشديداً على إضعاف الجهاديين العابرين للحدود أي، في واقع الأمر، تخفيف العبء على النظام وحلفائه. في العام 2014 اندفعت الاستراتيجية بكامل قوّتها، عندما حقق تنظيم الدولة الإسلامية تقدماً وقررت أميركا دخول المعترك مباشرةً.

الحربُ على الإرهاب تتمدّد

كان قد مضى عامٌ واحد على الاستدارة الدراماتيكية لأوباما متخلياًعن ضرب الأسد، الأمر الذي أحزنَ دعاةَ التدخّل الذين اعتبروا هذا التحوّل ضربة تصيبُ بالشلل قوةَ أميركا وصدقيّتها53. مع ذلك، وما أن لاحت الإشارة الأولى لقرب نشر قوات أميركية في سوريا في امتدادٍ جديد «لحرب أميركا على الارهاب»، حتى سارعَ النظام السوريّ إلى التلويح لأميركا برغبته في التعاون54.

رسمياً رفض الأميركيون العرض، لكن، فيما كان الثوار المبتلون بحربٍ فيما بينهم، يزدادون انشقاقاً وتباعُداً، كانت أميركا وسوريا والأردن والعربية السعودية وبلدان خليجيّة أخرى، وفيما بعد روسيا، كل هؤلاء كانوا يتشاركون أجواء المناطق التي يسيطر عليها الثوار ويديرون حروبهم على «الإرهاب». مُثقلين بوطأةِ القتال ومُحاصَرين، ها هم المقاتلون بوكالتهم عن الأميركيين قد أعيدت برمجتهم لملاءَمة معركة أميركا الجديدة، وقد بدأ الأميركيون تغيير55 وِجْهَتِهم من قتال النظام إلى قتال الجهاديين متنوّعي الجنسيات، وخصوصاً من بينهم تنظيم الدولة الإسلامية. بعضُ الثوار انتابتهم الشكوك، لكن هامش الخيار لديهم كان يَضيق، ثم يَضيق أكثر.

«نحن نحتاج مزيداً من التركيز على جبهاتنا مع النظام»، قالَ لي أحدُ الثوار الذين لم يكن يأتيهم دعمٌ أميركيّ، وذلك حين بدأ الأميركيون قصفَ الشمال السوري، وأضاف «لا يمكننا صَرْف انتباهنا إلى الجبهة مع داعش مُفسحين للنظام مجال التقدم».

ها قد تحوّلت قوّة الجذب الولسونية المغرية إلى قبضةٍ من فولاذ، والعون الأميركي بات مشروطاً بالتنازل عن أُسِّ الهدف الذي من أجله خاطرَ الثوار بكلّ شيء، لا بل ربما خسروا كلَّ شيء.

ولَجت روسيا أرضَ المعركة مباشرةً في العام 2015، وفتحت نيران سلاحها الجويّ على مناطق الثوار في حربها الخاصة على «الإرهاب». وحين تبيّن ما أنتجته تلك الحملة من مآسٍ جماعية لبست أميركا وجهاً غاضباً56، غير أن الدينامية الأساسية للحرب العالمية الجديدة على «الإرهاب» كانت واضحة، فما بين الحكومتين الروسية والسورية من جهة والتحالف الذي يقوده الغرب من جهة أخرى، رحنا نشهدُ موسماً مفتوحاً من القصف الجوي على القواعد المشرذمة للثوار.

لعبة الموازنة من الداخل ومن الخارج

في عَوْدةٍ له إلى الحقبة التي مارست فيها الولايات المتحدة لعبةَ «الموازنة من الخارج/off-shore balancing» خلال حرب إيران – العراق في ثمانينات القرن الماضي57، كتب بول بيلار مُتَحسِّراً على مبادئ الواقعيين ومُشيداً بها، «عندما بدا أن العراق قد يواجه صعوبةً في متابعة القتال، مالت إدارة ريغان نحو بغداد»، وأضاف، «إذ من الأفضل، بالنسبة إلى المصالح الأميركية ومنعاً لأيٍّ من الجهتين من اكتساب موقع الهيمنة الإقليمية، أن يعاني كلا الجانبين استنزافاً متمادياً».

كانت موازنة خارجية لأن الولايات المتحدة رجَّحت كفةَ الميزان بوسائلَ غير التدخل العسكريّ المباشر، لكنّ السياسة تبقى مرِنة، إذ يرى بيلار أن جورج بوش الأب كان لا يزال إلى حدٍ كبير ضمن حدود سياسة الموازنة الخارجية عندما شنّ حرباً على العراق بسبب غزوه الكويت. فالحرب كانت ببساطة «اعترافاً بأنه حتى مَن يتولى عمليةَ الموازنة من الخارج، يُضطرّ أحياناً إلى تنفيذها مباشرةً في الميدان»58.

يبدو أن أوباما قد مارس صيغةً ما من سياسة الموازنة الداخلية والخارجية في سوريا والعراق، مستفيداً من العبرة المكتَسبة من الحرب الإيرانية – العراقية بالذات. إن تقدم تنظيم الدولة الإسلامية، كما قال للنيويورك تايمز في تموز/يوليو 2015، يجعلُ من الصعب على إيران «الاحتفاظ بحاجزٍ جغرافي، طالما اعتبروه محفزاً مهماً بالنسبة إليهم، وذلك منذ الحرب العراقية – الإيرانية»59.

نطاق نفوذ إيران في العراق وربما أمنُها الداخليّ كانا مهدّدَيْن، وأوباما كان يدرك ذلك. فهو يستفيد من دماء الإيرانيين وثرواتهم للحدّ ما أمكن من تدخّله، بحيث يتم احتواء تنظيم الدولة الإسلامية بأقل ما يمكن من الكلفة والمخاطرة والتدخل الظاهر أميركياً، وبأقوى وطأة مُستطاعة60. في هذا السياق يقول بيلار إن الأجدر بنقاد أوباما، بَدَلَ الشكوى من دور إيران في الإقليم، أن يرحّبوا «بصَمْت» بِـ «هَدْرِ الدماء والمال» من قِبَلِ إيران التي «تحملُ أثقالاً كبرى بقتالها جماعة كتنظيم الدولة الإسلامية»61.

الكلمةُ المفتاحُ هنا هي «بِصَمْت»، فالواقعيّةُ تحدد الممارسة السياسية وليس الخطاب السياسي، وهذه قاعدةٌ مقدسة يلتزمها أشدُّ الرؤساء الأميركيين واقعيةً62.

عقارب محشورة في زجاجة

تعود جذور ألاعيب أميركا في ضبط التوازنات في الشرق الأوسط إلى تراث «البلد الأم» في هذا المجال. فخلال قرونٍ غابرة كانت بريطانيا العظمى تهدف إلى تأمين التوازن بين مُختَلِفِ القوى الأوروبية بغيةَ الحفاظ على تفوّقها البحري، وضمان عدم قدرة أية قوة أوروبية على تحدّي هذا التفوق63. كيفية تحقيق هذا التوازن كانت تُستَمدّ من إحدى مدرستين فكريّتين في لندن كانتا تتنازعان الأفضلية في هذا المجال. مقولةُ إحداهما كانت إن «بريطانيا العظمى يجب ألا تتدخل إلاّ متى كان هذا التوازن مهدداً حقيقة، وعندئذٍ يُقتَصَرُ التدخلُ على وضع حدٍّ للتهديد». أما المدرسةُ الثانية فكانت تدعو إلى سياسةٍ أكثر تصميماً وإقداماً، أي أنّ «مهمة بريطانيا العظمى الأساسية الواجبة هي أن تتولى تصميم هذا التوازن للقوى، لا الاكتفاء بمجرد حمايته»64.

والتر راسل ميد (Walter Russell Mead) يقدم لنا وصفاً أكثر نبضاً ووضوحاً. فأوروبا القارّة، كما يُنظر إليها من الجزر البريطانية، كانت أشبه بزجاجة تتحرك في داخلها مجموعة عقارب هي القوى الأوروبية، تحاربُ إحداها الأخرى65. إحدى المقولتين رأّتْ ضرورةَ امتلاك أسطولٍ بحريّ قويّ ومن ثَمَّ «سَدّ الزجاجة بفلّينةٍ ضابطة تضمنُ عدمَ تسلُّلِ أيٍّ من العقارب إلى خارج الزجاجة، وهكذا تحفظ بريطانيا أمنَها»، أما المقولةُ الثانية فذهبت إلى أن بريطانيا بحاجةٍ إلى «الحفاظ على قدرتها على التدخل في حروب القارّة (الأوروبية) بغية منع أيٍّ من العقارب من افتراس كل الآخرين وبناء ما يكفي من القوة، بحيث يدفع بالسّدادة ويخرجُ مُتَحررًا من الزجاجة»66. هنري كيسنجر يشير إلى أن هذه التباينات كانت تبايناتٍ «عمليةً لا فلسفية، تكتيكيةً وليست ستراتيجية»67.

الشيء نفسه يمكن أن يقال عن التشكيلة المتنوعة من التوازنات التي طبقتها أميركا في الإقليم، يقول بيلار إن الموازنة بصيغها الخارجية قد «ماتت على مراحل» بعد الحرب الإيرانية – العراقية، ذلك أنّ حرب جورج بوش الأب على العراق كانت عملية موازنة داخلية ضمن إطارٍ موسّع من سياسة الموازنة الخارجية. كذلك فإن «الاحتواء الثنائي» للعراق وإيران من قبل الرئيس كلينتون كان بمثابة الابتعاد خطوةً عن لعبة الموازنة الخارجية، أما الرئيس جورج دبليو بوش فقد ألغى فكرة الموازنة من أساساها، وعمدَ إلى إرسال الجيش ليفرض نظاماً أميركياً بطريقة مباشرة.

أوباما كما يبدو، حاول العودة خطوةً إلى ما وراء جورج دبليو بوش، أي إلى موقع جورج بوش الأب بحيث انتهى، ربما، في موقعٍ ما بين جورج دبليو بوش وبيل كلينتون. لكن علامَ رجحت كفة الميزان الأميركي إلى هذه الدرجة القصوى، منتقلةً من استهداف النظام السوري وحزب الله وإيران، إلى استهداف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ومجموعة الجهاديين متنوعي الجنسيات الذين جاؤوا إلى سوريا لمحاربة الأسد؟

كثيرةٌ هي العناوين والأوصاف التي أُلْصِقت بمجموعات الثوار فيما الحرب تتواصل: علمانيون، إسلاميون، متطرفون ومعتدلون، طائفيون وغير طائفيين، لكنّ أياً من هذه الأوصاف لا يفسّر المعايير الأميركية حين كانت الولايات المتحدة تُدوزن سياسة خياراتها68. لعلّ التمييز الأكثر فائدةً في فهم السلوك الأميركي هو ما بين الثوار الملتزمين بالحدود الوطنية من جهة، وأولئك العابرين للحدود من جهة ثانية.

تنظيم الدولة الإسلامية عمل على تدمير الحدود سعياً إلى إنشاء كيانٍ أكثر امتداداً، فلو أنه استمر في التوسّع أو حتى في تثبيت مكتسباته الجغرافية، ما كان ليهدّد دمشق وبغداد فحسب بل ربما شمل تهديده العربية السعودية وسائر بلدان الخليج، كي لا نقول شمال إفريقيا أيضاً. وبتعبيرٍ آخر، مدَّ تنظيم الدولة الإسلامية يده إلى سَدَّادة الزجاجة مستدرجاً أميركا إلى الداخل كي تعيده إلى الزجاجة.

أوباما في التاريخ

إن الحقيقة الكاملة لحدثٍ ما لا تُعرف إلا بعد وقوع ذاك الحدث، وأحيانًا بعد زمنٍ طويل من حدوثه، ووحدَهم المؤرخون يمكنهم رواية هذا الجزء من القصة69.

آرثر دانتو، السردية والمعرفة

قد يُقال إن الولايات المتحدة خسرت حربها بالوكالة ضد النظام السوري، وربحت حربها المفتوحة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. إن التحالفات المختلفة التي حاربت تنظيم الدولة الإسلامية لا شك استطاعت احتواءَه في مساحةٍ أصغر من تلك التي كان قد تمدد اليها في صيف العام 2014، وهذا أمر يستطيع أوباما تسجيله في خانة إنجازاته كقائدٍ أعلى للقوات المسلّحة. لكنّ تنظيم الدولة الإسلامية – وأسلافَه – سبق له أن خرج سالماً من ظروفٍ قاسية من قبل، بحيث صمد حتى حانت له الفرصة بعد الانتفاضة السورية فانتهزها وراح يتمدد أضعافاً مضاعفة. طبعاً هذا لا يعني بالضرورة أنه سيتكرر، لكن، مَن يدري.

بالنسبة إلى الرئيس الأسد، فلنفترض أن بعض أولئك الذين كانوا في واشنطن يدفعون باتجاه التحرك إنما قصدوا إسقاط نظامه سريعاً وعلى الفور، في حين أن آخرين توقعوا حربَ استنزافٍ مفتوحةَ المدى تستدرج الإيرانيين وحزبَ الله كي ينزفوا في سوريا70. لعلّ النيةَ الأرجح الطويلة المدى، في الحالتين المذكورتين، كانت تقضي بتوجيه ضربةٍ إلى أواصر العلاقة التي تربط ما بين إيران وحزب الله وسوريا بغية إضعاف مجمل عوامل التحالف بينها، وهو ما يشكل هدفاً طويلَ الأمد للولايات المتحدة. وعليه فبقدر ما انتهى الأمر بإيران أكثر ترسّخاً في سوريا بعد الحرب بالوكالة، نصبحُ أمام نتيجة تشير إلى خسارة أميركية. لكن هنا أيضاً لسنا أمام نتيجة نهائية، ليس فقط لأن الحرب لم تنتهِ بالضرورة، لكن أيضاً لأنها – الحرب – لا بد أن تكون قد أدّت إلى تحوّلٍ في النظام على صُعُدٍ لا نستطيع الآن فهمها.

لكنّ الكلام على الانتصار والهزيمة في الحرب بالوكالة، هو إشاحةُ النظر عن تباين ساطع في المصالح71 والاستثمارات في سوريا. ففي حين لم تَستثمر الولايات المتحدة سوى اليسير في الحرب، تكبَّدت دمشق وحلفاؤها خسائر هائلة. لقد كان لأوباما إسهامان رئيسيان في العملية السّرّية ضد الأسد، يبدو أنهما أثّرا تأثيراً كبيراً في الأحداث السورية بعد الانتفاضة: أولاً أجاز الانطلاق بالمهمة، ثم أخذ يديرها بحيث يضمن عدم تحوّلها إلى ورطةٍ أكثر كلفة. هكذا كانت مقامرةً انتهازيةً رخيصة خاضتها أميركا، وحرباً دمويةً متمادية غرقَ فيها النظامُ والثوار وما تبقى من سوريا.

الحرب السورية لا تزال قصةً في طور التكشّف، قصةً تنتظر بلوغَ كمالها، فنحن في سوريا لا نشهدُ أحداثاً فقط وإنما «شظايا من الأحداث» تحتلُّ مقطعاً زمنياً هو أكثر ما يكون غموضاً72، بحيث لا يمكننا أن نعرف الشظايا التي باتت وراءنا، قبل أن نعرف تلك التي لا تزالُ في الانتظار.

ولكن يبدو أن أوباما كان عديم الصبر، يتطلع إلى تاريخه حتى قبل أن يباشرَ بصُنعه. ما أن دخل مكتبه الرئاسيّ حتى دعا مؤرخين رئاسيين إلى العشاء في البيت الأبيض، ولم تكد تمضي سنواتٌ ثلاث من ولايته الأولى حتى راحَ يقارن نفسَه من حيث المستوى برؤساء آخرين73.

مع أن ولايته الثانية قد انقضت، فإن السباق التاريخيّ لا يزال في خطواته الأولى. أحياناً نرى في باراك أوباما وودرو ولسون يرفع راية المبادىء الأخلاقية والمُثل، ويخبرنا عن انحناءة قوس التاريخ وحركة أميركا قُدُماً. وأحياناً أخرى نرى فيه رونالد ريغان وجورج بوش الأب يمارس لعبة التوازنات. لكن حتى جورج بوش الأب، كان أحياناً ذا ملامحَ ولسونية74، كذلك فإن ريغان كان يبدو في خطابه من المثالية بحيث «تفرّد بصيغته الخاصة من الاستثنائية الأميركية»75.

بمعنىً من المعاني، حتى بروز دونالد ترمب، الذي يلامسُ خطابُه حدودَ الهرطقة من وجهات النظر المتعددة للاستثنائية الأميركية، هذا البروز يُظهِر سعة دائرة المؤمنين بالاستثنائية. فَلْنُلاحظ أن بعض أولئك الأميركيين الذين كانوا يتحرّقون لسماع رئيسهم يقول «أميركا أولاً»، ربما كانوا يفكرون أن الولايات المتحدة لم تكن «أولاً» من قبل، وأنها في حقيقة الأمر جَعلت صيغةً ما من المصلحة العالمية هدفاً يتقدم على تثبيت نفوذها وترسيخه.

متى تجاوزنا نقطةً معيّنة تفقد الأوصاف المعنى إذ أنها توحي بشيءٍ من التناقض، أشبه بسلسلة ذات قطبين متقابلين لا يلتقيان أبداً، وهما في اشتباكٍ دائم. لكن في المسيرة الطويلة للولايات المتحدة تقدمت الواقعية والمثالية في موكبٍ واحدٍ، متلازِمَتَيْن بأناقة، تتولّى الأولى توجيه البلاد على الصعيد العمليّ، في حين تُسبغ الثانية شعاعاً من القدسية على كل ما تقوم به.

المستقبل

في العاشر والحادي عشر من شباط/فبراير، 2017، حدّد تحالفان سوريان غريمان موقفيهما حيال المفاوضات المقبلة في جنيف: أحدُهما، مجتمعاً في الرياض، يريد تنحّي الأسد، أما التحالف الآخر فقد أعلنَ من بيروت أن الرئاسة السورية ليست مطروحة للبحث في المؤتمر. مجموعة بيروت المشكّلة حديثاً يشي ظاهرُها بأنها واجهة للنظام السوري والروس، ويبدو أن الغرضَ منها دعمُ النقاط التي يطرحها النظام من وجهة نظر مستقلة إسمياً. أما مجموعة الرياض فهي امتداد للتحالف المعارض الذي عملَ على مدى سنوات الحرب كواجهة لممالك الخليج العربيّ ومشيخاته ودولٍ غربية، مُصوِّباً على حزب الله، وفيما بعد على النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية.

قد يكون هؤلاء جميعاً مجرد دُمى في الواجهة، غير أنهم يعكسون تنازعاً حقيقياً يشمل روسيا وإيران والممالك الخليجية وتركيا، والكل يسعى للسيطرة على سوريا. مواقع الأطراف تتغيّر باستمرار، علماً أن روسيا وتركيا هما الآن أقربُ الواحدة من الأخرى مما كانتا في أيّ وقتٍ مضى، في حين أن إيران باتت أبعد قليلا ًعن روسيا مما كانت في الماضي.

في هذه الأثناء، وفي مكانٍ ما من سوريا، أعلن هاشم الشيخ تشكيل مجموعة جديدة بعنوان هيئة تحرير الشام، وهي اندماج ما بين جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) ومجموعاتٍ أخرى76. قال: «ولن تطوى صفحة الشام بجلسة مفاوضات أو مؤتمرات تجهض الثورة وتتوج السفاح».

مع أن النصرة بدأت وكيلةً لما كان يُسمَّى الدولة الإسلامية في العراق، فقد وقع الفراق واتّسعت الهوّة بينهما على الأخصّ حولَ الأولويات، حيث تمسكت النصرة بشراسةٍ لا تلين بتركيزها على إسقاط النظام. بهذا المعنى فإن مقاتلي هيئة تحرير الشام هم اليوم آخر الثوار الواقفين على السلاح.

الأميركيون، من جهةٍ أخرى، يركّزون بثبات على الجهاديين متنوّعي الجنسيات، وعلى قدرة إيران على مدّ نفوذها إقليمياً.

في عهد أوباما كان التركيز على الهدف الأول أشدّ منه على الثاني، أما في عهد ترمب فلا يزال الحكمُ مبكراً، وإن يكن، على ما يبدو، أنه يتخذ موقفاً أكثر تشدداً حيال إيران، خصوصاً أن المدى الجغرافيّ لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو الدافع الرئيس للتنسيق الضمني بين الولايات المتحدة وإيران، آخذٌ في الانحسار.

أياً يكن الأمر، فإن أعداء واشنطن يبقَوْن مُقفَلاً عليهم في معركةٍ مميتة، وهو الوضع المناسب للقيام بمزيد من ألاعيب الموازنة. بصورةٍ ما فقد قدّم أوباما لترمب وضعاً يعكس السيناريو المفضل لديه هو، وضعاً لا يتطلب إلا الحدّ الأدنى من الاستثمار لبلوغ الأهداف الأميركية.

وحدَه المقبلُ من الأيام سيُظهر ما إذا كانت الإدارة الحالية تميل، بقدر التي سبقتها، إلى هذه المقاربة. لكن ما دام الانقسام الطائفيّ الذي يعمّ وباؤه الإقليم بأكمله مستمراً وصامداً، لن تعدمَ واشنطن مجالاً فضفاضاً لفرض سيطرتها من مسافةٍ مُريحة، وذلك بالحدّ الكافي من التدخّل للإبقاء على احتواء أعدائها، فيما هم يتراشقون بالموت ويهدر بعضهم دماء بعض.

*****

كلمة شكر:

أود أن أوجه خالص الشكر إلى برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ولسون الدولي للباحثين في واشنطن، على هذه الفرصة التي جاءت في أفضل توقيت أتاح لي التعمق في السياسة الأميركية حيال سوريا. ذلك أن المركز يقدّم مروحة واسعة من المصادر التي تغني البحث، لا يوازيها قيمةً إلا الجوّ الذي يثمّن حريّة النقاش وتنوّع وجهات النظر.

 

هوامش

  1. ↑الرئيس باراك أوباما، خطاب الوداع.
  2. ↑«في خطاب ولسون الأول حول حال الاتحاد، في 2 كانون الأول/ديسمبر 1913، حدّد النقاط الرئيسية لما عُرِفَ فيما بعد بالولسونية. القانون العالميّ، وليس التوازن، الوطنية الجديرة بالثقة وليس الوطنية المعتدة بنفسها، هذان المعياران كانا عمادَيْ النظام العالمي من وجهة نظر ولسون». هنري كيسنجر، Diplomacy. Touchstone, 1995, p.44
  3. ↑الرئيس باراك أوباما. خطاب الوداع.
  4. ↑الرئيس دونالد ترمب. خطاب التنصيب في الكابيتول. واشنطن دي سي، كانون الثاني/يناير 2017.
  5. ↑بحسب غولدبرغ، أجرى أوباما هذه المقارنة خلال محادثاتٍ مع مستشاريه. غولدبرغ، جيفري. عقيدة أوباما. مجلة الأتلانتك 10 (2016) نيسان/أبريل 2016.
  6. ↑حكيّم، إميل. نهاية الدولة الإسلامية ستجعلُ الشرق الأوسط أكثر سوءً. الواشنطن بوست، 28 تشرين الأول/أكتوبر، 2016.

7, 10, 23.          ↑غولدبرغ، جيفري. عقيدة أوباما.

8, 13, 16, 18, 58.           ↑المصدر السابق نفسه.

  1. ↑بالنسبة إلى أوباما، كما إلى الكونغرس، فإن التورط العسكريّ كان يمكن أن تكون له تداعيات سياسية مضرّة حتى من دون إرسال قوات تقاتل على الأرض. في كانون الأول/ديسمبر، 2013 جاء في تقرير للواشنطن بوست: يبدو الأميركيون أقل رغبةً في تدخل الولايات المتحدة عسكرياً في الخارج منهم في أيّ وقت منذ نصف قرن، وذلك بحسب استطلاع أجرته PEW التي تزنُ توجهات الرأي العام الأميركي منذ العام 1946. لقد أظهر الاستطلاع هبوطاً غير مسبوق في دعم الرأي العام لسياسة خارجية ناشطة، كما أظهر رغبة متعاظمة في إبعاد التركيز عن المسرح العالمي. فيشر، ماكس. الانعزالية الأميركية تبلغ أعلى مستوياتها في خمسين عاماً. ما أسباب أهمية ذلك؟ الواشنطن بوست، 4 كانون الأول/ديسمبر، 2013.
  2. ↑بيلار، بول. أوباما الواقعيّ. The National Interest، 12 آذار/مارس، 2016. انظر أيضاً: بيلار، بول. الفوائد المنسية للتوازنات الخارجية. The National Interest، 27 كانون الثاني/يناير، 2016.
  3. ↑والت، ستيفن. أوباما لم يكن رئيساً واقعياً. فورن بوليسي، 7 نيسان/أبريل، 2016.
  4. ↑بعض المعلقين يبدو أنهم يفترضون أن صنّاع السياسة في إدارة أوباما لا يفقهون أموراً أساسية، كأن تعمل الدولُ الأخرى مثلا على الدفاع عن مصالحها الجيوسياسية. «لقد تبيّن أن الاعتقاد بأن روسيا قيّمت عالياً حُسنَ نوايا الولايات المتحدة والمجتمع الدولي أكثر منها مصالحهَا هي الجيوسياسية الأساسية كان خاطئاً»، كما جاء في Atlantic Council، عيتاني، فيصل وحُسام أبو ظهر، عِبَر من تدخل روسيا في سوريا. 26 تشرين الأول/أكتوبر، 2016.
  5. ↑الشريف فيصل، ابن الشريف حسين، قائد الثورة العربي ضد العثمانيين بين العامين 1916 و1918، كان قد أُعلِنَ أولَ حاكمٍ لسوريا بعد أربعمائة عام من الحكم العثماني. مبيّض، سامي، سوريا والولايات المتحدة الأميركية: علاقات واشنطن ودمشق منذ ولسون حتى أيزنهاور، IB Tauris، 2012، ص 14.
  6. ↑المصدر السابق نفسه: «كنغ كان مربياً، وكان يدرّس العلوم اللاهوتية والفلسفة في كلية أوبرلين، أما كرين فكان فاعل خيرٍ ثرياً وذا معرفةٍ بالشرق الأوسط».
  7. ↑المصدر السابق نفسه. ص 16-19. يكتب مبيّض أن فيصل كان يأمل أن يفوز بسوريا مساوماً على فلسطين: «المؤرخون العرب الذين تناولوا بالبحث علاقة ولسون بالأمير فيصل غالباً ما غضوا الطرف عن الدعم الذي لا يَهِنُ من الرئيس الأميركي للصهيونية… الشهبندر، الذي كان على معرفةٍ جيدة بالسياسة الأميركية، علمَ أن ولسون عرض على العرب سيفًا ذا حدين. لقد أتى دعمه مجزّأ – فالسيادة في سوريا كان لا بد أن تكون على حساب مستقبل فلسطين، وهذا ثمن كان الشهبندر وفيصل، كلاهما، مستعديْن لدفعه من أجل إنشاء مملكةٍ هاشمية في دمشق […] حاول الشهبندر أن يقول للأمير إن عليه أن يجهدَ في الحصول على سوريا أولاً، ويتركَ للفلسطينيين أن ينشغلوا بفلسطين. لقد أعلن أن معارضة وعد بلفور كانت تفتقر إلى الحكمة، داعياً الأمير إلى عقد صفقة مع رئيس الهيئة الصهيونية حاييم وايزمان الذي كان يمثل الصهاينة في مؤتمر باريس… لكن ما كادت تمضي أسابيع على توقيع الاتفاق مع وايزمان، حتى كان فيصل وجهاً لوجه مع الحقيقة حيث أدرك أنه مهما بذلَ من جهد فإن وعد بالفور واتفاق سايكس-بيكو سائران إلى التنفيذ. وعلى الرغم من الجهود المضنية لإرضاء ولسون، كان الأمير سيخسر فلسطين وسوريا معًا ولا أحد – لا ولسون ولا وايزمن – كان سيعترض على الاتفاق الذي منح الحكومة الفرنسية انتداباً على سوريا».
  8. ↑المصدر السابق نفسه. ص 24.
  9. ↑المصدر السابق نفسه. ص 28-30. أمضى الشهبندر سبعة عشر شهراً في السجن، هو وكل الذين سهّلوا زيارة كرين.
  10. ↑المصدر السابق نفسه. بغض النظر عن زيارة كرين، فإن شروط هذه المواجهات كانت قائمة، إذ بقدر ما كان السوريون معارضين للحكم الفرنسي كانت قضيّتهُم أن يقاوموه، وبقدر ما كان الفرنسيون يتمنّوْن الحفاظ على حكمهم كانت قضيّتهُم أن يقمعوهم. لكن العامل الذي أطلق هذه الأحداث كان زيارة كرين (وما تلاها من توقيف الشهبندر). هنا يمكننا التمييز بين الأسباب الكامنة ضمناً، وتلك الأكثر مباشرةً.
  11. ↑دانتو، آرثر. السَّردية والمعرفة(Narration and Knowledge) ، Colombia University Press، 2007، ص 294. ويكتب دانتو مضيفاً: «تعاطفاً، أنْ تحاولَ بلوغَ درجةٍ من الفهم الداخلي الدقيق لتلك الأحداث يتطلّب… في واقع الأمر، محو سجلَّ الأحداث التي جاءت لاحقاً (نسيان المستقبل، بمعنى ما)، وتقصّد وضعَه في نطاقِ النسيان وهذا، بالتالي، مطلبٌ مستحيل. إننا، ببساطة، أكثرُ معرفةً بالأمور من بلوغ هذه الدرجة من البراءة حيالَ المستقبل – وبالتالي حيالَ الحاضر، ذلك أن المستقبل هو الذي، بمفعولٍ رجعيّ، سيُسبغُ على الحاضر شكلَه ولونَه – وهي براءة لا بدّ أن نفترضها لدى الذين عاشوا تلك الأحداث. إن جهلَنا بما ستنتهي إليه الأمور هو من علامات عَيْشِنا عبر الأحداث». مع أنه كان يبحث في إمكانية فهمنا التاريخيّ لحقبٍ من الزمن لم نَعِشها، فإن النقطة ذات الصلة هنا هي أن رؤيتنا للأحداث كما كانت تتظهّر في العام 2011 تختلفُ عن رؤيتنا اليوم عندما بات مستحيلاً «محو سِجلّ الأحداث التي تَلَتْ» ما نعرفه اليوم.
  12. ↑كذلك بدا أنه يُلمحُ، دون أن يُقنِع، إلى أن النقد الوحيد الممكن توجيهه إليه على تصريحه هو نقد المغالين في دعوتهم إلى التدخل: «في غالب الأحيان، عندما يتناول النقاد سياستنا حيال سوريا، يردُ بين النقاط التي يثيرونها قولُهم: أنت دعوتَ الأسد إلى التنحّي، لكنك لم تجبره على الرحيل، ولم تغزُ البلد. والمقصود هنا هو إن لم تكن تريد إسقاط النظام كان عليك ألاّ تقول شيئاً. هذا طرحٌ غريب في مفهومي، أي أننا إذا مارسنا سلطتنا المعنوية لكي نقول: هذا نظامٌ متوحش وليس هكذا يعاملُ القادة شعوبَهم. ما أن تقول ذلك حتى نصبح مجبرين على غزو البلد، وتنصيب الحكومة التي نريد. غولدبرغ، جيفري. عقيدة أوباما.
  13. ↑مبيّض، سامي. سوريا والولايات المتحدة الأميركية: علاقات واشنطن بدمشق من ولسون إلى أيزنهاور. ص 31.
  14. ↑جيفري فيلتمان، مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، في جلسة الاستماع أمام اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب وسط آسيا للّجنة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية. 9 تشرين الثاني/نوفمبر، 2011. «إن الذي يحدث على الأرض في سوريا أمر مثير للاهتمام، فكما يرد من سفارتنا – وأنا أشكركم جميعاً على ملاحظاتكم بشأن السفير فورد، التي لا شك أننا جميعاً نؤيدها، أقول كما يردُ من سفارتنا – ومن قنواتٍ أخرى أيضاً – أنّ هذه التظاهرات عبر سوريا تحمل، من بين مطالب أخرى، نكهةً ضد حزب الله وضد إيران».
  15. ↑السناتور ماركو روبيو، المصدر السابق نفسه. الحوار بين روبيو وفلتمان يستمر هكذا: «السيد مساعد وزير الخارجية فلتمان، أود أن نستكمل استكشاف الناحية الإيرانية من الموضوع، هلاّ توسعتَ قليلاً حول مدى أهمية سوريا بالنسبة إلى إيران… ومدى الضرر المدمر الذي قد يُصيبهم إذا حدثَ فعلاً أن خرجت سوريا من نطاق نفوذهم». ردّ فلتمان: «سوريا في رأيي، تشكل عاملاً ضرورياً في الدور المتناهي السلبية الذي تمكنت إيران من لعبه في المنطقة. خذ حزب الله، مثلاً. إن ممرات الترانزيت للأسلحة إلى حزب الله هي عبر سوريا. التسهيلات التي تقدمها إيران لحزب الله لإضعاف الدولة في لبنان، لوضع إسرائيل في خطر، وفي الأساس لزعزعة الإقليم، كلُّها تأتي عبر سوريا». يضيف السناتور روبيو سائلاً: «فقط من باب هدف السياسة العامة بشأن الحد من مطامح إيران، مطامحها العنفية حيالَ الإقليم والعالم، واحتواء هذه المطامح وهَزْمها، فإن خسارتَها لهذا النظام ستكون ضربةً مدمِّرة لإيران. هل هذا الكلام دقيق؟». ختاماً أجاب مساعد الوزير فلتمان: «نعم، دقيق، نعم، نعم…».
  16. ↑محمد، أرشاد. كلينتون ترى أن الثوار سيحصلون على الأسلحة. رويترز، 23 شباط/فبراير، 2012.
  17. ↑لوند، آرون. Media Maskirovskag: روسيا والجيش السوري الحرّ، تعليق حول سوريا. 8 تشرين الثاني/نوفمبر، 2015. يدور الكلام هنا حولَ غرفتَيْ العمليات: آلاف المقاتلين الثوار تم التدقيق بخلفيتهم، وتدريبُهم وقبولُهم للحصول على الدعم المادي من خلال مركزين للعمليات العسكرية يغذيان التمرد عبر الحدود التركية والأردنية. المركز القائم في تركيا يُعرف باللغة المحلية بـ MOM وهو مختصَر Musterek Operasyon Merkezi، أما مثيلُه الأردنيّ فيُعرف بـ MOC الأحرف الأولى من التسمية الإنكليزية. إلى جانب تركيا والأردن، يضم هذان المركزان ممثلين للولايات المتحدة والعربية السعودية وفرنسا وعدد من الحكومات الأخرى. يتولى المركزان تنسيق دفق الأسلحة والذخائر إلى عدد مختار من مجموعات الثوار والإشراف على ذلك. تتعاون وكالات الاستخبارت الأجنبية، وعلى رأسها الـ CIA، من خلال هذين المركزين في اختيار المجموعات التي يجب أن تكون مؤهلة للحصول على الدعم، لا يقع ختمُ الاختيار لأيٍ منها ما لم يتم التدقيق بخلفية أعضائها خشية وجود علاقات مشبوهة، وما لم يُعلن هؤلاء أنهم سيبقَوْن بعيدين عن أية تحالفاتٍ مع القاعدة، ويظهروا بعضَ الاهتمام ببلوغ حلٍّ للنزاع عن طريق التفاوض. مستوى الثقة وبالتالي القبول الذي تتمتع به هذه المجموعات يختلف بين واحدةٍ وأخرى، لكنّ العديد منها يستلم دعماً جانبياً «غير رسمي» من – على سبيل المثال – تركيا وقطر والعربية السعودية، أو من عددٍ من الأفراد والمصادر الخاصة. حتى الآن هذه الترتيبات تمّ قبولُها من قبل ما يقارب مائة فصيل من الثوار إجمالاً… هذه الفصائل هي ما تشير إليه عادةً الحكومة الأميركية عندما تتكلم عن الجيش السوري الحرّ، والحقيقة أن هناك قدراً كبيراً من التداخل بين الفصائل المدعومة من غرفتي العمليات في تركيا والأردن والفصائل التي تسمي نفسها الجيش السوري الحر. هذا التوصيف الفجّ (الجيش السوري الحر= MOM+MOC) أخذ يتزايد استعمالُه من قبل المعارضة السورية في المنفى والثوار أنفسهم وآخرين ممن يتابعون مجريات هذا النزاع. أنظر أيضاً: ثوار سوريا يتلقون السلاح من الخارج – مصدر معارض. رويترز، 24 شباط/فبراير، 2012.
  18. ↑Chivers, C.J. and Eric Schmittmatch. نقل الأسلحة جواً إلى الثوار السوريين يتسع، مع مساعدات من الـ CIA. النيويورك تايمز، 24 آذار/مارس، 2013.
  19. ↑المصدر السابق نفسه. المسؤول الأميركي السابق قال إن دايفد بترايوس، مدير ال CIA حتى تشرين الثاني/نوفمبر، لعب دوراً مهماً في المساعدة على انطلاق هذه العملية الجوية، وقد حثَّ عدة بلدان على العمل معاً لإنجاحها. لم يردّ السيد بترايوس على عدة رسائل إلكترونية نطلب فيها تعليقه على الموضوع.
  20. ↑بيكر، بيتر. لقد أدى الضغط الشديد إلى اتخاذ أوباما قراراً حول أسلحة إلى سوريا. النيويورك تايمز، 14 حزيران/يونيو، 2013. ومن المقال نفسه: لكنّ التحرك يعكس أيضاً توتراً في البيت الأبيض حول تزايد تورّط إيران ووكيلها حزب الله في القتال إلى جانب السيد الأسد… الرئيس يريد تجنّب إرسال أنظمة أسلحة ثقيلة، كما قال السيد رودز، مشيراً إلى أنها قد تقع في أيدي جبهة النصرة، وهي جماعة معارضة مرتبطة بالقاعدة.
  21. ↑مقابلة مع السفير روبرت فورد، تشرين الثاني/نوفمبر، 2016. سألتُ السفير فورد إن كان يعتقد أن هذا الأمر كان دائماً واضحاً للذين يحاربون الأسد ممن تأتيهم مساعدات أميركية. كان جوابه: بالطبع كان واضحاً. بكل تأكيد. نحن لم نقل لهم يوماً إنكم ستنتصرون عسكرياً. لم يحدث أن قلنا لهم ذلك أبداً. كنت أقول لهم، ماذا، أتظنون أنكم ستخرجون في استعراض النصر حتى يعجَّ بكم شارع بغداد في دمشق؟ قلتُ هذا أمرٌ غير منطقي. أذكر مرةً قال لي مُعاذ الخطيب (رئيس المعارضة السورية بين تشرين الثاني/نوفمبر، 2012 وآذار/مارس، 2013) في أوائل العام 2013، قبل تدخل حزب الله، عندما نلتقي في المرة المقبلة قد يكون ذلك في دمشق، فنظرتُ إليه وقلتُ لا أظن ذلك، قلتُ أظن ما نحتاجه هو أن نلتقي في جنيف. لقد أرادوا أن يسجلوا انتصاراً عسكرياً لم يكن الأميركيون- نحن لم نكن نرى ذلك ممكناً. وهو ليس ممكناً اليوم ايضاً.
  22. ↑المصدر السابق نفسه. في المقابلة نفسها أوضح السفير فورد: «بانتظارهم حلاً كاملاً، فوَّتوا الفرصة لتحقيق حلول جيّدة. مثلاً لو أنهم ساعدوا المقاتلين المعتدلين مالياً في العام 2012 وأوائل 2013 لكان من الأسهل كثيراً الحدّ من تجنيد المقاتلين في صفوف القاعدة، وفيما بعد في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية. ولكنهم انتظروا، والآن بتنا أمام سجلّ الأحداث، فقد بدأوا في النصف الثاني من العام 2013، لِنقلْ آب/أغسطس، أيلول/سبتمبر، تشرين الأول/أكتوبر، لكن آنذاك كانت النصرة قد أصبحت ذات قوة لا بأس بها. آنذاك أيضاً طلع لهم تنظيم الدولة الذي كان قد بدأ احتلال مواقع له في الشرق. في تلك الفترة كانت الجماعات في الشرق قد أصبحت شديدة الوهَن… والعون الأميركي جاء متأخراً وقليلاً، لأن البيت الأبيض انتظر. هل تذكر عندما قال أوباما: لا أظن أن هؤلاء المزارعين والأطباء وأطباء الأسنان يمكنهم أن يخوضوا معارك جيدة؟ حسناً، هذا كان موقفه. لكن المضحك أن المزارعين والأطباء وأطباء الأسنان لا يزالون منذ أربع سنوات يخوضون حرباً شرسة ضد حزب الله ولواء القدس والحكومة السورية». وعن سؤالي أين يرى الفرق بين تصريح أوباما ورأيه هو بالذات بأنه كان من المستحيل طوال الأزمة بلوغ الانتصار من دون التدخل العسكري المباشِر للولايات المتحدة، أجاب السفير فورد: «هناك فرق بين أن تسلّحهم بهدف دفعهم والنظام إلى طاولة المفاوضات، وأن تسلّحهم بطريقة لا يتمكنون معها في النهاية من التفوق ميادنياً بما يكفي لممارستِهم الضغط على النظام. الذي أدى إليه الموقف الأميركي المحدود بأن يرسل كمياتٍ صغيرة من الأسلحة بدل تزويدهم بكمياتٍ أكبر، هو تمكين الجماعات المتطرفة من احتلال المزيد من المساحات دون أن يضعوا ضغطاً على النظام كي يفاوض».
  23. ↑هوزنبول، مارك. أوباما يجيز إرسال مساعدات سريّة إلى الثوار السوريين. رويترز، 1 آب/أغسطس، 2012. جاءَ فيه: «وقّع الرئيس باراك أوباما أمراً سرياً يجيز دعم الولايات المتحدة ثواراً يَسعَوْن لإطاحة الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته، كما قالت مصادر مطلعة. أمرُ أوباما، الذي تم إقرارُه في وقت سابق من هذه السنة والمعروف بـ intelligence finding، يجيز مجالاً واسعاً للـ CIA وسواها من الوكالات الأميركية أن ترسلَ دعماً كافياً للمساعدة في إطاحة الأسد… إنّ الوقت، بتحديدٍ دقيق، الذي وقّع فيه أوباما الإجازة الاستخبارية السرية، وهو عمل لم يرد في الأخبار من قبل، لا يمكن الحسم بتحديده. كذلك فإن المدى الإجماليّ الكامل للدعم السرّي الذي قد تكون وكالات كالـ CIA في صدد تقديمه ليس أمراً واضحاً». وتقول إريكا بورغارد عن مختلِف الظلال للعمل السريّ: «إن التحالفات بين الدول ووكلائها يمكن أن تكون سريّة بالكامل، بحيث لا يعترف بوجودها أيٌّ من الطرفين كما يمكن أن تكون سراً معلناً، بحيث يعترف الحليفان بالتحالف ولكنهما لا يكشفان طبيعة الالتزامات المترتبة على التحالف بخصائصها. إن الحلف ما بين الولايات المتحدة والثوار السوريين هو من فئة الأسرار المعلنة. Borghard, Erica. “Arms and Influence in Syria. The Pitfalls of Greater U.S. Involvement.” Policy Analysis No.7344 August 7, 2013.
  24. ↑صدى الفراغ في هذه الجملة كان مسموعًا في العديد من مؤتمرات «السلام».
  25. ↑Geara, Anne and Karen DeYoung. الولايات المتحدة تعلن عن مساعدات ميدانية واسعة للثوار السوريين، لكنها لا تشمل الأسلحة. الواشنطن بوست، 28 شباط/فبراير، 2013.
  26. ↑الإشارة الأكثر وضوحاً كانت من خلال إرساله سفيراً جديداً لأول مرة منذ العام 2005، لكن أيضاً من خلال العمل مع بعثة من الكونغرس كانت قد زارت دمشق قبل الانتفاضة. إمكانية أن تكون إدارة أوباما قد عادت إلى انتهاج سياسة بوش قبل انطلاق الانتفاضة تبقى قائمة، خصوصاً أن زيارة وفد الكونغرس لا يبدو أنها انتهت إلى ما أرادته الولايات المتحدة. لكن هذا يجب إثباتُه بمعزلٍ عما عداه، ومن خلال إلقاء نظرة أكثر تركيزاً على مجريات الأحداث في واشنطن خلال الفترة التي سبقت الانتفاضة. السناتور بن كاردن، في مقابلةٍ مع المونيتور، قال ما يلي بشأن الزيارة إلى دمشق: «وزارة الخارجية تعاونت معنا بما يخص الزيارة، وسفرنا إلى هناك كان مثار اهتمامهم… اللقاء مع الرئيس الأسد لم يكن جيداً على الإطلاق. كان شديد الحسم حيال ما يراه حقاً له بأن تكون له علاقات جيدة مع مَن يشاء بما في ذلك المنظماتُ الإرهابية، وحرصُه على استقلاليته، كما إنه لم يُبْدِ أيَّ اهتمام على الاطلاق بإسرائيل. بعض الأعضاء في وفدنا وجّه إليه كلاماً مباشِراً. لا، لم تكن الزيارة للرئيس في تقديري زيارةً «منتجة». تايملاين: لاعبون أساسيون يُعربون عن آرائهم في السياسة الأميركية في سوريا. المونيتور، 1 آذار/مارس، 2016.
  27. ↑مع أن استراتيجية أوباما للأمن القومي عام 2010 أبقت تقريباً على التوصيف نفسه لمشاكل أميركا مع إيران، فقد قالت أيضاً إنها ستنهج سياسة «التواصل» مع طهران. البيت الأبيض، استراتيجية للأمن القومي، أيار/مايو، 2010.
  28. ↑السياسة الأميركية حيال الأسد اتخذت منحاها من عملية لَيِّ الأذرع بين أوباما، الذي كان متردداً في الالتزام بعمليات عسكرية مكلفة، وبين جماعةٍ من مؤسّسة السياسة الخارجية كانت تريد توجيه ضربة قاسية إلى موقع نفوذ إيران الإقليمي. لكن تركة غزو بوش للعراق واحتلاله ألقت بعبئها الثقيل من عدة نواحٍ على هذا الأمر. جديرٌ بنا الوقوف عند اثنتين منها: الأولى أنها جعلت التدخل، خصوصاً المكشوف منه والمرتفع الكلفة، غير مقبول شعبياً بحيث أن أعتى دُعاة التدخل لم يؤتوا القدرةَ على الضغط للخوض فيه. الناحية الثانية أنها (تركة غزو العراق) فتحت لأوباما نافذةً يتملّص عبرها من شركٍ كان له بعضُ الفضل في إيقاع نفسه فيه في العام 2013، وذلك باختياره إحالةَ قرار الضربة العسكرية على الكونغرس، مفترضاً على ما يبدو أن الكونغرس لن يُقرَّها، أو على الأقل أنه سيتحمّل الملامةَ على ما ينتج منها.
  29. ↑فريدمان، توماس. «Obama on the world». النيويورك تايمز، 8 آب/أغسطس، 2014. في هذه المقابلة مع الرئيس أوباما ورد ما يلي: في ما يخص سوريا قال الرئيس، «إن الفكرة القائلة بأن تسليح الثوار كان سيُحدث فرقاً ما كانت يوماً إلا وهماً. مقولة أن بإمكاننا إرسال بعض الأسلحة الخفيفة أو حتى الأكثر تطوراً إلى مَن كانوا أساساً معارضةً قوامُها أطباء سابقون ومزارعون وصيادلة وسوى ذلك، وأن هؤلاء كانوا سيتمكنون من مقاتلة ليس فقط دولة جيدة التسلّح وإنما دولة جيدة التسلّح تدعمها روسيا، وتدعمها إيران وحزب الله الذي صَلَّبتْ شكيمتَه المعارك، هذه المقولة لم تكن واردة». وفي السياق نفسه يكتب غولدبرغ: «عندما تكون أمام جيشٍ نظامي محترف»، قال لي مرةً، «جيّد التسلُّح وترعاه دولتان كبريان – ايران وروسيا – اللتان لهما مصالحُ هائلة في هذا الموضوع، وهم يقاتلون ضد مزارع ونجار ومهندس كانوا قد بدأوا في مسيرات احتجاج، وها هم يجدون أنفسهم فجأةً في معمعةِ نزاعٍ اهليّ…» سكتَ قليلاً. «مقولة إنه كان بإمكاننا بطريقة نظيفة لا تضع قواتٍ عسكريةً أميركية في الميدان، تغيير المعادلة على الأرض هناك، لم تكن يوماً صحيحة». غولدبرغ، جيفري. عقيدة أوباما.
  30. ↑يتوسّع دانتو في تناول فكرة تجاوز النوايا في السرد التاريخيّ سالكأً طرقاً متعدّدة. يقول: «فلنتصور الماضي كأنه حاوية عملاقة تضم في داخلها كلَّ حدثٍ شهده العالم بالترتيب الزمنيّ الذي وقعت فيه تلك الأحداث. هذه الحاوية تزدادُ طولاً إلى الأمام مع كل لحظةٍ تمرّ، ومع كل لحظةٍ تمرّ تزداد امتلاءً، ما دامت الأحداث تتراكمُ فيها طبقةً تعلو طبقة. فوهٌ لا يشبع… وما أن يصبح حدثٌ ما، لِنَقلْ ح، داخلَ الحاوية تأخذَ الهوّةُ الزمنية بينه وبين الماضي تتباعد بوتيرةٍ هي الوتيرة نفسها التي يمضي بها الزمن». دانتو، آرثر، السرد والمعرفة، ص 146. ثم يمضي دانتو فيضيف إلى مشهده «مصنّفاً مثالياً» للأحداث «يعرف كل حدثٍ يحدثُ، في اللحظة التي يحدث فيها، حتى لو كان الحدث في أذهان الآخرين»، كذلك بامكانه أن ينسخ كل ما يحدث «لحظةَ حدوثه، وبحسب طريقة حدوثه». المصدر نفسه، ص 149. كل هذا يبقى غيرُ كافٍ لالتقاط حقيقة الحدث. ليس لأن ما لدينا من توصيف غير مكتمل، لكنه ليس كاملاً «إلا بالصورة التي قد يصفه بها الشاهد»، حتى لو كان شاهداً «قادراً في الوقت ذاته على رؤية كل ما يحدث، لحظة حدوثه، وبالطريقة التي يحدث بها. لكن هذا لا يكفي، ذلك أن هناك جملة من الأوصاف لأيّ حدث تجعل من غير الممكن أن يكون الحدثُ – ضمن هذه الأوصاف – مشهوداً». المصدر نفسه، ص 151. ويعزو دانتو إلى G.E.M.Anscombeالفكرة القائلة «إن هناك أوصافاً كثيرة لعملٍ ما، لكن العمل لا يكون مقصوداً إلا ضمن بعض هذه الأوصاف». المصدر نفسُه، ص 413. كذلك يَستخلص دانتو الأمثلة من الفنون والعلوم: «… لم يكن بِنيّة Aristarchus أن يتوقع مجيءَ Copernicus، ولا كان بنيّة Petrarch أن يمهّدَ دروبَ النهضة. لبلوغ هكذا توصيفات لا بد من امتلاك مفاهيم لم تصبح في المتناول إلا في زمنٍ متأخر عن زمنهم. بناءً عليه فإن المصنّف المثاليّ، حتى لو كان له وصول إلى عقول الرجال الذين يتولّى توصيفَ أعمالهم، لن يستطيعَ إدراك أهمية تلك الأعمال. لكي يعي المرء الأهمية التاريخية للأحداث عند حدوثها، عليه أن يعرف بأية أحداثٍ مقبلة ستتعلّق تلك الأحداث وبجملٍ سرديةٍ يكتبها مؤرخو المستقبل. عندئذٍ لن يكون كافياً أن نكون قادرين ببساطة على التنبّؤ حيالَ أحداث المستقبل، بل سيكون ضرورياً أن نعرف أية أحداث مستقبلية ستكون ذات علاقة، وهذا يتطلّب التنبّؤ بما يهمُّ مؤرخي المستقبل». المصدر نفسه. ص 169.
  31. ↑المصدر السابق نفسه. ص 183.
  32. ↑من المهم الإشارة إلى أن دانتو لا يُسقط النيّات من حسابه كلياً: «… تكراراً، وبصورة تكاد تكون نموذجية، ليست أعمال الرجال متعمّدة، إستناداً إلى الأوصاف التي تُضفَى عليها في الجمل السردية، وهذا لا يعني طبعاً أن الاشارة إلى الأهواء البشرية غير مهمة تاريخياً». المصدر السابق نفسه. ص 182.
  33. ↑هذه الخلافات ازدادت ضغينةً في ظلّ دولٍ سلطوية تراقب عن قرب النقاشات العامة، لكنها طفت على السطح حيث فقدت تلك الدول سلطتَها. لكن ليس الأمر عائداً كلياً إلى الإيديولوجيا، إذ غالباً ما يستوحي المقاتلون الدّين بقطع النظر عن الإيديولوجيا، كما إن أسباباً معقّدة ومتداخلة تحكم انتماءَ الثائر إلى فصيلٍ بعينه أو انتقالَه من فصيلٍ إلى آخر. والأهم أن الثوار السوريين كانوا تحت ضغطٍ شديد ليتحدوا، أو على الأقل لينسّقوا تحرّكهم في الميدان.
  34. ↑مركز الأمن الأميركي الجديد استخدم هذا التعبير في مقالٍ حول حدود الحرب بالوكالة. إذ ورد ما يلي: «في حين أن فرز (peeling) المتعاطفين مع الجهاديين وشركائهم أمرٌ مهم، فهو يبقى وسيلة إلى استهداف أشدَّ فعالية لجماعات الإسلاميين والجهاديين المتصلّبين وتفكيكهم. خلاف ذلك تكون السياسة المعتمدة كمن يوفّر السندان دون المطرقة. محاولة تقصير الحرب الأهلية السورية هي غاية نبيلة، لكن تحقيق ذلك بالتزامن مع إخراج الجهاديين يستدعي، بل حتى قد يتطلب، إطالة مرحلتها الثانية. رفع وتيرة جهودنا لن يحلَّ المأزق العمليّ أو الأخلاقيّ في الحرب بالوكالة». مركز الأمن الأميركي الجديد. حدود الحرب بالوكالة في سوريا. 26 آذار/مارس، 2013.
  35. ↑المصدر السابق نفسُه. الحرب البينية الداخلية، وفقاً لمركز الأمن الأميركي الجديد، ليس صعباً توقّعُها: «ليس مفاجئاً اشتعال الحرب السورية الداخلية، إذ إنّ ملامحها كانت قد بدأت تظهر قبل اشتعالها بأشهر. ما يثير الحَيْرة أكثر هو محاولة تهميش مجموعاتٍ كبيرة من الثوار المقاتلين، وفي الوقت نفسه زيادة شحنات الأسلحة مع توقّع حصول الوحدة بين الفصائل، بدل توقع اشتداد وتيرة الحرب الداخلية نتيجةً لذلك. إنّ تهميش متمردين ملتزمين في وسط حرب أهلية مشتعلة يَستجلب العنف».
  36. ↑يقول لندونيو وميلر: «لقد أمضى فريق وورد – وهو يمارس نشاطه من صالات الفنادق – الأشهر الأخيرة – في دراسة ديموغرافيا ودينامية المجتمعات حيث يسجل المتطرفون نجاحاتٍ إضافية. إن طريقة توجيه المساعدات الأميركية، يقول، يمكن استخدامها لتمكين قادة محلّيين معتدلين، وإطلاق ورشة الخِدمات الأساسية، وفي الوقت نفسه إضعاف مغريات المتطرفين».Greg Miller وLondono, Ernest. الـ CIA تبدأ تسليم السلاح للثوار السوريين. الواشنطن بوست.
  37. ↑مع مرور الوقت نسجت المعارضة خطاباً يمزج ما بين المديح في معرض الشكر، والانتقاد المرّ لسياسة الولايات المتحدة، مضافاً إليه المطالبة الدائمة بالمزيد من المساعدة. مرةً بعد مرة تذهب آمالُهم هباءً، ويبرز أملُ جديد. في هذه الأثناء، وفي مؤتمر جنيف الثاني، قال أنس العبدة أحد كبار أعضاء الوفد السوري المعارض ورئيسه الحالي، إن الجيش السوري الحرّ سوف «يحطّم رأس النصرة».
  38. ↑De Young, Karen. كيري يقول إنّ الولايات المتحدة سوف تُسرّع إرسال مساعدات جديدة إلى المعارضة السورية. الواشنطن بوست، 21 نيسان/أبريل، 2013.
  39. ↑«إن ثورتنا هي من أجل الشعب السوري بكامله»، قال قائد المعارضة معاذ الخطيب للمراسلين وهو يقف إلى جانب كيري ووزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو. ثم يضيف: «سوف نضمن أنّ السلاح سيُستَعمل طبقاً للهدف المحدّد الذي من أجله أُرسل، كما سنضمن عدم وقوعه في الأيدي الخطأ. هذه الأسلحة والمعدات العسكرية سوف تُعاد إلى المؤسسات المعنية والمناسبة عند انتهاء الثورة». أسوشيتد برس. الولايات المتحدة تضاعف مساعداتها للثوار السوريين، وهم يطلبون المزيد. The Journal.ie. 21، نيسان/أبريل، 2013.
  40. ↑الردّ المُختَصَر والمفيد على هذه الفكرة جاء من Tim KaIne، السيناتور الديموقراطي من فرجينيا: «نحن هدّدنا بالعمل العسكري وهم استجابوا. هنا تكمن صدقية الردع». غولدبرغ، جيفري: عقيدة أوباما.
  41. ↑قال وزير الخارجية السوري وليد المعلّم في آب/أغسطس عام 2014: «فيما يتعلّق بضربات جويّة فوق الأراضي السورية، أنا قلت إننا جاهزون للتنسيق والتعاون لأننا نحن أبناء الأرض ونعرف كيف تكون الغارة مجدية، أو عدم جدواها. لذلك من يريد العدوان على سوريا لا يوجد لديه مبرر إلا بالتنسيق معنا إذا كان راغباً بمكافحة الارهاب. أي شيء خارج عن ذلك هو عدوان».
  42. ↑مصطفى سيجري، أحد الثوار الذي يقول إنه اجتاز متطلبات القبول في برنامج التدريب الأميركي، قال للديلي بيست إنه مع ألفٍ من رجاله قاب قوسين أو أدنى من سحب ترشيحاتهم. المسألة تكمن في مطلب الحكومة الأميركية بأن يمتنع الثوار عن استعمال أي من مهاراتهم الميدانية المستجدة، أو الأسلحة المقدمة من الولايات المتحدة ضد جيش بشار الأسد أو أيٍّ من وكلائه وحلفائه الكُثر والمتنوّعين، بما في ذلك الميليشيات التي كوّنتها إيران مثل حزب الله اللبناني. عليهم أن يحاربوا فقط تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، كما تصرّ واشنطن».Weiss, Michael. ثوار سوريون ينسحبون من حرب الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. الديلي بيست، 31 أيار/مايو، 2015.
  43. ↑في خطاب للسفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة سمانثا باور في 13 كانون الأول/ديسمبر، 2016، قالت: «أليس هناك ما يشعركم بالخجل على الإطلاق؟»، موجّهةً سؤالها إلى نظام الأسد وروسيا وإيران. وأضافت: «هل أنتم منيعون عن الخجل؟». سمانثا باور تنتقد سوريا وإيران وروسيا على ما يجري في حلب – فيديو. الغارديان، 13 كانون الأول/ديسمبر، 2016.
  44. ↑يكتب بيلار أن من مَيّزات لُعبة الموازنة من الخارج «أن تحقنَ دماءَ جنودك وتوفّر مالَك، تاركاً للآخرين أن يُهدرَ دمهُم وأموالهُم، وذلك من خلال استغلال مخاوف ومصالح دولة أخرى بغية الحد من مطامح وتقدم دولةٍ (أو مجموعة) ثالثة». بيلار، بول. الفوائد المنسية للعبة الموازنة من الخارج. The National Interest، كانون الثاني/يناير، 2016.
  45. ↑في مقابلة مع توماس فريدمان في تموز/يوليو، 2015، قال أوباما: «ما من أحد له مصلحة في رؤية [تنظيم الدولة الإسلامية] يبسط سيطرته على أرجاء واسعة من الأرض بين دمشق وبغداد. هذا ليس مفيداً لإيران لأنه يُصعّبُ عليهم الاحتفاظ بحاجزٍ جغرافيّ طالما اعتبروه محفّزاً مهماً بالنسبة إليهم، وذلك منذ الحرب العراقية – الإيرانية. كذلك هو غير مفيد للسعودين إذ إنه يجعلهُم معرّضين لشتّى أنواع المخاطر. وفي حقيقة الأمر تبقى النقطةُ الأهم، وهي أنه ليس في مصلحة الناس في المنطقة». توماس فريدمان. أوباما يجيد شرحَ موقفه من الاتفاق النووي مع إيران. النيويورك تايمز. 14 تموز/يوليو، 2015.
  46. ↑في خطابٍ له في كانون الأول/ديسمبر، 2016، قال أوباما: «خلاصة الأمر هي أننا نكسر ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وننتزع منهم مناطقهَم الآمنة. كل هذا أنجزناه بكلفة عشرة مليارات دولار على مدى سنتين. وهذا المبلغ كنا ننفقُه خلال شهرٍ واحد عندما كانت الحربُ العراقية في أَوْجِ اشتعالها». الرئيس باراك أوباما. ملاحظات الرئيس حول مقاربة إدارته بشأن مكافحة الإرهاب، في قاعدة ماكديل للقوات الجوية، تامبا، فلوريدا. 6 كانون الأول/ديسمبر، 2016.
  47. ↑بيلار، بول. الفوائد المنسيّة للعبة الموازنة الخارجية. مصدر سابق.
  48. ↑كتب هنري كيسنجر: «ما تضمّنته الولسونية من معنى هو أنّ أميركا قاومت بالدرجة الأولى منهجية التغيير، وأنها لم تكن لديها مصالح استراتيجيّة تستحق الدفاع عنها متى تعرضت للتهديد من خلال ما يبدو طُرقاً قانونية. حتى وصولاً الى فترة حرب الخليج، كان الرئيس بوش يُصرّ على أنه لم يكن يدافع عن سلامة شحنات النفط بقدر ما كان يقاوم مبدأ العدوان». هنري كيسنجر. الدبلوماسية، ص 53.
  49. ↑المصدر السابق نفسه. ص 50.
  50. ↑ المصدر السابق نفسه. ص 72.
  51. ↑وولتر راسل ميد. تدبير إلهيٌّ خاص: السياسة الخارجية الأميركية وكيف غيّرت العالم. 2001. ص 36.
  52. ↑المصدر رالسابق نفسه. ص 37.
  53. ↑هنري كيسنجر. الدبلوماسية. ص 73.
  54. ↑كانت هناك فصائل متزمته طائفياً مثل جيش الإسلام، الذي لم يُبدِ الأميركيون أية عداوة تجاهه، وهذه الفصائل كانت مدعومةٍ من حلفاء الأميركيين.
  55. ↑دانتو، آرثر. السردية والمعرفة. ص 151.
  56. ↑يبقى أمراً أشبه باللغز كيف قرأتْ الولايات المتحدة ردَّ الفعل المحتمل من قبل حزب الله وإيران حيال مشكلات الأسد. جيفري فلتمان، في معرض استشهاده بتقارير السفارة الأميركية في دمشق، قال إن التظاهرات تستبطن نكهةً ضد حزب الله وضد إيران. (أنظر الهامش الرقم 27 أعلاه). لكن في مقابلَتي مع السفير فورد، قال إنه هو و«العديد» من المسؤولين الرسميين لم يتوقعوا أن حزب الله والإيرانيين سوف يدخلون المعركة. وعن سؤالي «عند أية نقطة زمنية بدا لك أن النظام بات على شفير السقوط، أو أنّ الانتفاضة لديها حظٌ واقعيّ بالنجاح؟». ردّ فورد: «أنا لم أفكر يوماً أن النظام كان على وشك السقوط، ولم أفكر يوماً أن الانتفاضة سوف تُسقط الأسد في المدى المنظور. بلى، فكرت في أوائل العام 2013 أن الأسد كان يخسر حربَ الاستنزاف، وما لم يحصل تغيير ما خلال سنتين فإن المعارضة سوف تجبره على التفاوض. أما ما لم نتوقعْه، أنا والعديد من الآخرين، والخطأ التحليلي الذي ارتكبناه، فهو أننا لم نتوقع أن يرسل حزب الله وإيران قواتٍ تقاتلُ على الأرض. هذا ما لم نتوقعْه». ولدى طلبي إليه أن يشرح سبب هذا السهو، أكملَ قائلاً: «نعم، سؤالُك في محلّه، ولا بدّ لي من القول إن السبب هو أن حزب الله ضَحّى بسمعته في أرجاء واسعة تقطنُها أكثرية من أهل السنّة العرب من المغرب إلى السعودية وبلدان الخليج، وذلك من خلال تدخله المباشر لمصلحة الأسد. كل الصدقية التي بناها في العامين 2005 و2006 في الحرب مع إسرائيل في لبنان، في ظني أنه ضحى بها دعماً للأسد. وهكذا دفعَ ثمناً على المدى الطويل، مقابل قرارٍ قصير المدى أو لنَقُلْ، الآن، متوسط المدى». أما أوباما فإن كلامَه إلى نيويورك تايمز والأتلانتك يشير إلى أنه كان واعياً منذ البداية أن إيران وحزب الله وروسيا جميعاً كان لديهم «مصالح هائلة» في الحرب. فريدمان، توماس. أوباما والعالم. غولدبرغ، جيفري. عقيدة أوباما.
  57. ↑إريكا بوغارد كتبت تقول إن «تباين المصالح» (asymmetry of interests) بين الولايات المتحدة وداعمي نظام الأسد، يعني أن هؤلاء لديهم الإرادة لتوفير إمكاناتٍ أكبر بكثير دعمًا له مما توفره الولايات المتحدة دعماً للثوار.Borghard, Erica. Arms and Influence in Syria. The Pifalls of Greater U.S. Involvement.
  58. ↑في سياق البحث حول «المصنّف المثاليّ» المتخيَّل (تطرقنا إليه في الهامش 43) يقول دانتو: «إن الاستعمال العام لمفردة «حدث» يصحّ وصفه اجمالاً بالفوضويّ، إذ إننا معرّضون لأنْ نطلقَه على مجريات أحداثٍ يختلفُ زمن دوامها، وبعضُها يمرّ عابراً بلحظته… نتحدث عن الثورة الفرنسية أو الحرب الأهلية باعتبارهما حدثين كبيرين في تاريخ فرنسا وأميركا على التوالي، في حين أن الأجدر بهذين الحدثين أن يُقاسا بحسب الرزنامة لا بحسب الساعة، شرطَ أن نتفق على الوقت الذي ننطلق منه… حسناً، إذن، لا بد أن الماضي ينطوي على شظايا من أحداث، انطواءَه على الأحداث بالذات. وبهذا الملحق الأعرج يمكننا أن نكمل تطبيق النموذج، أيا تكن قيمته». دانتو، آرثر. السردية والمعرفة. ص 147.
  59. ↑كينيث والش. عشاء أوباما السريّ مع مؤرخين رئاسيين. US NEWS، 15 تموز، 2009.
  60. ↑هنري كيسنجر. الدبلوماسية. ص 53.
  61. ↑المصدر السابق نفسه. ص 767.
  62. ↑الكلمة الأولى للمهندس هاشم الشيخ، القائد العام لهيئة تحرير الشام. 9 شباط/فبراير، 2017.

موقع الجمهورية

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى