أحمد باشاصفحات الثقافة

الاغتصاب” لسعد الله ونوس: إعادة قراءة للمسرحية على ضوء الربيع

 

أحمد باشا

المجابهة الحقيقية التي افترضها واقع الربيع العربي، والتي قامت بها الشعوب العربية كخيار أساسي لا بديل منه، ستدعو في النهاية لإعادة قراءة خطاب سعد الله ونوس في معنى المجابهة الثقافية الحقيقية. وستزيل الفهم الخاطئ والاتهامات الجاهزة التي رُمي بها صاحب “الاغتصاب” من أنه يسوّق للتطبيع، إضافة إلى غيرها من أحكام جاهزة توضح حالة الاستسهال الفكري والنظرة الآنية المتكئة على لغة أيديولوجية، والتي كان يتحلى بها كل مَن وجّه أسلحته إلى وجه ونوس مع مطلع العقد الأخير من القرن الفائت.

النص المسرحي الذي يعالج إشكالية الصراع العربي ـ الصهيوني ثقافياً، يرتكز على الحكاية كعامل أساسي في فعل المقاومة، كما تقصّد ونوس أن يقحم نفسه كمثقف في نهاية نصّه المسرحي ليشير إلى حالة البؤس التي يعيشها المثقف العربي عموماً، والخواء النفسي في تركيبة هذه الشعوب في التعاطي مع العدو كقيمة، بل إن الاستبداد يرتكز أساساً على فكرة تعزيز الخواء في عدم إنتاج خطاب ثقافي يقارب بين الحاكم المستبد والعدو التاريخي، والمشترك بينهما في عملية إنتاج القهر الجمعي. إن إعادة قراءة نص ونوس تبرهن راهنية خطابه اليوم في التعاطي مع مسرح العنف في الثورات العربية عموماً والسورية خصوصاً، وفي فهم ثنائية العدو ـ المستبد ودورها في هزيمة الجسد وسحقه.

لم يلجأ ونوس إلى تقديم الصورة النمطية المعتادة للآخر المحتل “العدو الإسرئيلي”، الصورة التي زخر بها أدبنا العربي والتي تنم وتشي بقراءة سطحية وبتعاطٍ مع متلقٍّ عاطفي بحت، بل استند ونوس في مسرحية الاغتصاب إلى قراءة عميقة في فهم الآخر، من خلال عملية الإسقاط التاريخي والذهاب أعمق في فهم تعامل الأنظمة الفاشية مع معارضيها.

لم يكن الهدف هنا التعاطف معها أو محاولة قبول هذه الأصوات التي لا تتسم بالتطرف أو العدائية المطلقة، بل لتقديم عملية تشريح حقيقية لتلك البيئات التي تولّد العنف، سلوكاً وفكراً، العنف هنا في أقصاه. والمهم ليست النتيجة، بل البيئة والظروف التي أدت إلى نشوء مثل هذه الحالة التي لا يمكن صبغها أبداً بأي صفة من صفات الإنسانية.

المسرحية تعالج الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. فالصراع الأساس هو صراع سردي، أي بمعنى آخر، حكاية من ستنتصر؟ والطرفان يذهبان إلى تقديم البراهين في سبيل إثبات صحة قضيتهما. فونوس هنا أعاد الاعتبار للحكاية على أنها أداة سياسية بالدرجة الأولى، إضافة إلى كونها نتيجة تراكم تاريخي واجتماعي وثقافي. وهو تصور متكامل يصدر عن رؤية أكثر راديكالية مما هو مطروح ـ في الممارسة ـ  على المساحتين المتداخلتين. لو شئنا أن نرسم مخططاً لتلك الرؤية لأمكن القول إنه صراع ضار وعنيف.

الاغتصاب هنا يتجاوز معناه المادي واللفظي، ليلقي بظلاله على مفاصل العمل بأكمله كبنية حكائية تركيبية، تغتصب فيها حدّوثة حدّوثة أخرى، المغتصبة القادمة من التاريخ، أو مستأصلة منه، والهدف منها هو إزاحة الأخرى.

 فعلى الصعيد الدرامي هنالك نقلات غير متوقعة وصادمة بين الحكايتين وكأن هنالك حكاية أو حدثاً يقحم نفسه على حساب الآخر، ليأتي الاغتصاب الجسدي الموجود في النص ليعبّر عن التاريخ والأرض والاحتلال، وليكون الجسد أداة تمارس عليها السلطة وتظهر قوتها وهذيانها.

هذا الفعل هو نوع من آثار السلطة تتوسله لتدل على وجودها، الذي يشير إليه فوكو في كتاب “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، ويوضح فيه كيف أن السلطات الحديثة بدلاً من أن تدل على وجودها من خلال الأثر على جسد الضحية، أوجدت مستشفى المجانين والمصحات وفي النهاية المؤسسة بشكلها الحالي. فالاغتصاب بهذا المعنى ليس إلا دليلاً على أن هذا الاستعمار _الاستبداد لا ينتمي إلا لمرحلة بربرية همجية لا تزال تريد أن تمارس قوتها من خلال قمع الفلسطينيين وتشويه أجسادهم، ولا تحاول أبداً أن تذهب بعيداً في خلق علاقة جدلية حقيقية، أو فهم لهذا الشعب وفلسفته وفهمه بالعموم.

يثير النص ببنيته الحكائية وبترتيب الحكايتين وتعاقبهما وتداخل شخصياتهما، حواراً جدلياً، حواراً حول صحة إحدى الحكايا وإمكانية سيرورة كلتيهما في ظل الشروط التاريخية التي تحدث والممارسات السائدة. فحين تقول دلال “الأرض لا تتسع لنا ولهم، الأرض أضيق من القبر إذا لم يزولوا، إما نحن وإما هم” فعلينا أن نضع القول في سياقه وننظر لقائله؛ امرأة فلسطينية صغيرة، انتُزعت من حياتها الجديدة، قتل الجلادون زوجها ثم تناوبوا على اغتصابها، واستبدت بأحدهم حمى، فمزق لحمها واقتطع حلمتي ثدييها. كما تصح رسالة “إسماعيل” التي يود أن ينقلها وهو في المرحلة الأخيرة من التعذيب الذي أفقده رجولته ثم أودى بحياته: إن تصور قيام دولة تتسع للجلادين والضحايا، دولة تتساوى فيها الحقوق والواجبات، هذا التصور وهم سراب “وستكون ثمة حروب تتلوها حروب حتى يحسم الصراع”. إن الممارسات هي التي دفعت الفلسطينيين إلى تبني هذه الأصوات. الممارسات التي صوّر بها ونوس تعطش الآخر إلى العنف والنيل من هذا الجسد وتسييسه ليصير عبداً أو تابعاً، أو إذا استطعنا القول ليصير أداة في الوصول إلى الغاية السياسية المبتغاة.

ولكن الصورة تكتمل على المساحة الثانية، حيث لا يزال الفكر السائد في الممارسة هو فكر الآباء (مائير، سارة) و”أبناء الصابرا” هم من يضعونه موضع التنفيذ ويقومون بحمايته، ومن لا يقرأ أساليبهم في العمل ويُعزل في مصح للأمراض العقلية، والذي هو الطبيب النفسي! (الدكتور منوحين).

 أما من يفضح حقيقة هذا الفكر وتلك الممارسات فهو (إسحق). وهؤلاء جميعاً يسعون للاستيلاء على الجيل الجديد وتطويعه لتحقيق أهداف التوسع والعدوان. صحيح أن ثمة شعاعاً واهناً من الضوء يتمثل في محاولة الدكتور منوحين فضح تلك الأساليب العدوانية التي توقع أشد الدمار بالجلاد والضحية على حد سواء، ولكنه ليس إلا شعاعاً واهناً لا يبدد الظلمة السائدة. وكما تطل من خلال شخصية الطبيب ثنائية القانون والعدالة ويختلطان ليمّحي كلٌّ منهما أمام هذا العنف الممارس ومحاولة إلغاء الآخر ومصادرة رأيه، لذلك كان الاغتصاب فعلاً يشكل مطلق القسرية.

على حين قد يبدو في مسرحيته ينهج منهجاً نفسياً للعلاقة بين الجلاد والضحية، عبر قصة ضابط الأمن الخاص الذي أصيب بالعجز الجنسي، كرد فعل على حادث اغتصابه أحد المعتقلين السياسيين. فقد نسج ونوس من الحكاية ذاتها علاقات أخرى عبر تقابل جدلي بين شخصيات فلسطينية وأخرى إسرائيلية.

في كل القراءات يطل ونوس المسرحي المضاد لكل تفسير أخلاقي للتاريخ، حاضراً في دلالة تظهر في ترتيلة الافتتاح التي تفضح شهوتهم للعنف والقتل (الاغتصاب).

سفر النبوءات يحتوي على إيديولوجيا الدولة وإيديولوجيا الشتات، من خلال استحضار أبيات من “سفر التثنية” في مشهد الافتتاح والتي تحض على الإبادة والقتل والتدمير. وطوال النص تستحضر الأم “داوود” قاطع الطريق الذي صار ملكاً، صاحب الفكر العسكري والمؤسس الفعلي لدولة إسرائيل. وتظل تذكّره أمام حفيدها الرضيع لتسقيه من ماء النبع ذاته “الحكاية ذاتها”.

كما يفضح في الوقت ذاته عداء البنية التوراتية للتاريخ ونفيها له. وهو ما يُسقط حتماً كل إمكانية للتغيير والتقدم، حيث إن إغلاق البنية إلى حد الفشل في رؤية الفارق بين التاريخي والإلهي، بين المقدس والعدمي، هو إفراغ للتاريخ من كل جدل، الضرورة الأساسية ليصبح ويكون التاريخ تاريخاً بالمعنى الثقافي.

النص الذي اعتمد على التقابل في التصوير، توازياً على خط الضحية وخط الجلاد، (وهنا الضحية بالمعنى الثقافي البحت، لذلك كانت مشاهد الفلسطينيين مستمدة من الواقع اليومي المعاش)، كان صراعاً بين التاريخ الديني المزيف والواقع المرير، التاريخ الذي يغتصب الحاضر بأبشع الصور والحالات. فكانت الشخصيات هشة ومتفككة، وتمتلك حالة مريبة من التردد والشك، في إشارة واضحة إلى تاريخ الهزائم، على ضفة يقابلها الشتات على الضفة الأخرى، الذي حل بهذا الشعب ومن دون محاولة السعي الجاد إلى خلق معركة ثقافية حقيقية قد تُفقد العدو الكثير من جبروته، وهو ما فعله سعد الله في المشهد الأخير، عندما تحاور مع شخصية الطبيب وتحدث عن “الصهيونيات العربية” التي استفادت من منطق الصهاينة في قمع شعوبها وتعذيبهم وتغييبهم عن أي فعل سياسي أو ثقافي يكفل حضورهم. فالمشترَك بينهم وبين الصهاينة أنهم في حال قرار المجابهة العادلة سيزولون فوراً ويصبحون ذرات متناثرة من الغبار.

استدعاء التاريخ وجعله مطواعاً وتوسُّلُه من قبل السلطة، تقليد معروف، تنوي من خلاله امتلاك معنى وشرعية وجودها باسم القومية أو الدين. ربما لا تفقد هذه السلطات إمكانية الاستئثار بتأول التاريخ والسردية إلا في حالات الصراعات التاريخية التي ينسد أمامها الأفق. حينها لا بد من أن تفرز المجاميع البشرية من يعيد قراءة التاريخ والأسطورة قراءة مناسبة تغدو ضرورية للاستمرار في الآن.

المصادر :

1 ـ  قضايا وشهادات، مجموعة من الكتّاب، دار كنعان/ ع7/ شتاء2000.

2 ـ الرويني، عبلة: حكي الطائر سعد الله ونوس، سلسلة الأدب/ ع27/ القاهرة 2005.

المرجع:

ونوس، سعد الله: الاغتصاب، ط1، دار الأداب، بيروت 1990.

موقع لبنان الآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى