صفحات مميزةطلال المَيْهَني

التاريخ المثقوب وآلام منطقتنا/ طلال المَيْهَني

 

 

يمارس هؤلاء الفتية، بوجوهٍ حنطيةٍ متغضّنة، دورهم بإتقانٍ على خشبة المسرح الصغير: إما قاتلٌ أو مقتول، أو ينتظرون كي يأخذوا في نهاية المطاف دور القاتل أو المقتول! لا يشترط في المقتول أن يموت حقيقةً، فالموت المجازي معروفٌ ومنتشر: إنسانٌ يتنفس ويأكل ويتغوّط ويتناسل، ولكنه في حُكم المقتول بالفقر والمرض والجهل والظلم والعسف. وبالتوازي لا يشترط في القاتل أن يتمتع (ويستمتع) بصناعة الموت الحقيقي، فهناك القتل المجازي: الذبح بنطق الكلمة، أو بالصمت عن الكلمة، أو بالعويل.

تكتمل أركان الحبكة التراجيدية حين يقفز القاتل والمقتول مُضَرَّجَيْن بالدماء على المسرح الصغير، المسرح الصغير موضوعٌ على خشبةِ مسرحٍ كبير، والكبير على خشبةِ مسرحٍ أكبر، وهكذا تتكاثر المسارح وخشباتها، وتنمو حجماً، تنمو ألماً، تنمو قهراً، رُغماً عن التاريخ والتجربة.

من مأساة المواطن السوري العادي في أصغر وأبعد بقعةٍ في سورية، مروراً بالغليان الذي يكتسح منطقة الشرق الأوسط، والفظاعات التي ترتكب في أفريقيا وشرق آسيا وأميركا الوسطى، يتابع الناس أخبار مجازر الأمس، وهم يترقبون أخبار مجازر الغد. وفي غمرة بقع الدم، وازدحام التفاصيل والأشلاء، ومع تبلّد الأحاسيس واعتياد التوحّش في عصر الديجيتال، نغفل عن إدراك ما تكرر ويتكرر دون أن نتعلم، وكأن الطبيعة البشرية مولعةٌ بخطيئة ابنيْ آدم الأولى. لكننا أيضاً نغفل عن مشاهدة الصورة الكبرى: فوسط كل هذا يبرز فراغٌ مخيفٌ، فراغٌ يلفُّ هذا العالم المعاصر بملياراته السبعة، ليترك آثاره على رقعٍ جغرافيةٍ اعتدنا على تسميتها بالدول الحديثة.

بدأت إرهاصات هذا الفراغ في الحرب الباردة في الخمسينات: حربٌ بين قطبين يتسابقان لنيل لقب الأكثر جنوناً وهيمنة.

ومع بداية الثمانينات حصل تقدمٌ لأحد القطبين، وبسقوط الاتحاد السوفياتي تم الإعلان عن الفائز، لنبدأ رحلة السقوط في الفراغ! في هذا الفراغ تحطمت الأحلام، بعد أن تحولت الأيديولوجيات الوردية إلى أنظمةٍ شموليةٍ بامتياز، وبدأ البائسون يدركون بؤسهم في شكل مختلف وأكثر عمقاً عبر إعلامٍ مسموعٍ ومرئيٍّ وإنترنت (لكن من دون أن يملكوا طبعاً أي أداةٍ لتغيير هذا البؤس). في هذا الفراغ تبرز «العولمة» كعنوانٍ عريض. إلا أن هذه «العولمة» التي أفرزت تشابهاً على مستوى المظاهر السطحية والاستهلاكية في «شموليةٍ ثقافية» عابرةٍ للحدود وعابرةٍ الهويات، قد أدّت إلى إيقاظ وصعود «ثقافاتٍ شمولية» عابرةٍ للحدود ومتقوقعةٍ على الهويات! وبين «شموليةٍ ثقافيةٍ» تفرض نكهةً واحدةً على شعوب الأرض، و «ثقافاتٍ شموليةٍ» تسعى إلى رفض هذا الوضع، طغى خطابٌ جديد ينفصل عن الدولة الحديثة، ليعود إلى ما قبلها موقظاً هوياتٍ أولية وما قبل حداثية. وفي خضم الأصوليات الصاعدة، وصراع الأيديولوجيات التي رحلت ولم ترحل آثارها، وحين يصل الترف والضجر واليأس والإحباط إلى مداه، فلا بد من حرب!

لا يختلف ما سبق عما حدث ويحدث في منطقتنا، فقد تدحرجت الأنظمة التقدمية، التي حكمتْ بالحديد والنار، دون أن تنجح بتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم لشعوب المنطقة، وها هي ترحل. تهاوت العروبة وضعفت الدولة الوطنية، وأفسحت المجال أمام صعودٍ غير مسبوق للسُّعار الطائفي، وبرزت أزمة الهوية كمصدرٍ لأزماتٍ تُدَمِّرُ المنطقة التي امتلأت باللاعبين والمرتزقة.

من سيملأ الفراغ؟ سؤالٌ قد لا نعيش كي نشهد جواباً له، ففي العالم المعاصر فراغٌ كبير، ثقبٌ يتوسع ليحاكي توسع ثقب الأوزون، وفي كلا الثقبين تكمنُ نهايةٌ تعيسة، ثقب التاريخ سيؤجج المزيد من العنف على يد من يهرول كي يملأ الفراغ مدفوعاً بشهوة السلطة، وثقب الأوزون ينذر بكـــارثةٍ بيــئيةٍ قادمة تصيب الإنسان والزرع والحيوان. نهايةٌ تعيسةٌ تقترب وسط حالةٍ مخيفةٍ من اللامبالاة، تقترب دون أن نشعر بها، أو بالأحرى دون أن نرغب في أن نشعر بها، ودون أن تكون هناك نيةٌ بالحد الأدنى للتعامل معها على مستوى المنظومة الدولية القائمة.

أما منطقتنا (وهنا لا بد من تسجيل تحفّظٍ على «نا» الدالة على الجماعة) فستكون الضحية الأولى التي ستعلن تلك النهاية التعيسة، فهي المؤهلة أكثر من غيرها للانقراض بهدوءٍ من دون أن يشعر بها، أو يتعاطف معها أحد.

* كاتب سوري.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى