صفحات الثقافة

الثقافة السوريّة: من الغزاة إلى الغُلاة

 

د. شَهلا العُجيلي

يمتلك الإنسان السوريّ الذي يعود تاريخه إلى عشرة آلاف من السنين، قوّة دفع حضاريّة فريدة، حصّلها من حضوره الأنثروبولوجيّ الثقافيّ عبر التاريخ. وتعمل قوّة الدفع هذه، الـ momentum، وفاقاً لمبدأ فيزيائيّ يمكن تبسيطه كالآتي: كلّما كان الجسم أقوى، أو أطول مثلاً، فإنّ القوّة المطبّقة عليه لتحريكه أو إيقافه تكون أكبر، وبناء عليه، تجد نظريّة الحضارة أنّه كلّما كان الوجود التاريخيّ للمجموعة البشريّة متجذّراً زمنيّاً وحضاريّاً، كان تحريكها أصعب، وانهيارها أصعب.

مرّت أزمات كبرى على الإنسان السوريّ، اضطرّ بسببها إلى أن يلوذ بمخزونه الثقافيّ الاحتياطيّ، ممّا تسبّب في استهلاك هذا المخزون، فأضعف قوة الدفع الحضاريّة التي امتلكها، لاسيّما أنّ الاستهلاك كان أكبر من التزويد، الذي أضرّت به الملمّات التي ألمّت بالبنية الاجتماعيّة الثقافيّة السوريّة: الغزاة، والطغاة، والغلاة، ولعلّ الغلاة هم الأخطر، إنّهم أبطال المرحلة.

تستدعي عناصر الثقافة مخزونها الاحتياطيّ من الـ مومنتوم الحضاريّ وقت الأزمات، وفي هذه اللّحظات لا تلجأ الثقافة أو عناصرها إلى الغثّ من إنتاجها، ولا تستدعي أو تتذكّر الأصوات التي روّج لها من قبل هذه الجهة أو تلك، أو لمّعها هذا الاتجاه الإديولوجيّ أو ذاك، بل تستدعي الأصوات المبدعة، الأصيلة، والنبيلة، التي لم تكن يوماً نتاجاً لحالة دوغمائيّة، أو حالة براغماتيّة، إنّها الأصوات التي تعدّ الحوامل الأساسيّة للثقافة.

يحضر في هذا الإطار فاتح المدرّس، الذي عرفناه فنّاناً تشكيليّاً، شكّل الذائقة البصريّة لأكثر من جيل، منذ ستينيّات القرن العشرين، عبر لوحاته التي كلّما مرّ عليها حدث، ولدت من جديد، وحملت المتلقّي على اتخاذ موقف جديد من قضايا الحياة من حوله. وقد عرفنا فاتح المدرّس قاصّاً متفرّداً عبر (عود النعنع) قصّته الشهيرة، في مجموعته التي حملت العنوان ذاته، وقد خضع آنذاك لفلترة إديولوجيّة دقيقة، نقلته من تهمة إلى أخرى، من الإقطاعيّة إلى البورجوازيّة فالبروليتاريّة، فخرج من تلك الفلترة غير عابئ بأحد.

سنجد فاتح المدرّس شاعراً، بل سنجد ثلاثتهم ، فاتح المدرّس، وشريف خزندار، وأورخان ميسّر، في ديوان نشر عن وزارة الثقافة السورية عام 2008، موسوماً بعنوان: (القمر الشرقيّ على شاطئ الغرب) طبعه المدرس وخزندار على نفقتهما طبعة أولى في دمشق عام 1962، وأهدياه للأصدقاء ولم يبع في المكتبات.

طالما فكّر فاتح المدرّس في الحريّة، لكن من غير أن تكون عينه على كرسي الرئاسة، أو الوزارة، أو الإدارة، وانشغل بها موضوعة لإبداعه من غير أن يسعى لحرق الكون وهو يرشف قهوته في مقاهي براغ وباريس، كما يفعل الشياطين الصغار، بل نادى بها نشيداً مختلفاً أو نشيداً آخر كما يسمّيه، إذ يقول:

لشطآني المتباعدة نظرة غائمة

وللحزن نشيد آخر، مسلسل بالحديد

كقافلة من الحمّالين تنبت وتمضي في الصحراء،

أشجاني

فلا يستطيع الصدر أن يندى بآه

ولا جدار الأفق بالمتهادي أو المرتدّ

إنّ على كتفيّ قدم ربّ سيرك كبير كبير!!

ويعدو ظلّك فجأة.

ظلّ طويل حادّ

على كوكب عريض من رمل صبّ قالباً واحدا..

ويستدير الظلّ!

لشطآني المتباعدة نظرة غائمة..غائمة..

أيّتها الحريّة لك في لحمي نشيد حزين آخر.

تذكّر نصوص فاتح المدرّس الشعريّة بنصوص رامبو ، ونجد فيها امتثالاً لحالة رومانتيكية تقدّميّة لم تأخذ مداها المطلوب في سورية، لأن البورجوازية في سورية لم تأخذ مداها بعد الحرب العالمية الثانية، إذ سرعان ما باغتتها الاشتراكية، فالواقعية الاشتراكية، لذلك تحنّ الثقافة السورية باستمرار إلى مرحلتها التي لم تكتمل.

وفكّر شريف خزندار بالحريّة أيضاً، وتناصّت رؤيته الرومانتيكيّة الماضويّة مع رؤية جلجامش ورؤية أوديسيوس، التي صاغها في حلم العودة، إنّها رؤية عميقة لكنّها تتجلّى بتعبيرات بسيطة وطفوليّة، فالشاعر وجه آخر للطفل، ولا تتحقّق الحريّة في منظاره إلاّ في وطن ينعم بالسلم الأهليّ، لا شقاء فيه، ولا حروب، ولاحدود:

في البلاد التي ليس لها حدود

ولا شقاء

ولا حرب

أرجو أن أبني منزلاً على الأرض الصغيرة

موحّداً قوّتي مع قوّة إخوتي

عسى أن أنسى الغيوم التي خلقها التهرّب.

وقد منح أورخان ميسّر، الذي قدّم للديوان، هذه التجربة حقّها، فهي ليست عظيمة، أو جليلة، لكنّها فريدة، وصادقة، وسامية، ووفاقاً لعلم الجمال فهي جميلة، إنّها تقدّم للعرب، الذين يعيشون في قوقعة اللّغة، سورية التي هي أبعد من اللّغة التي يعرفون، فالحضارة ليست لغة، بل صورة حيويّة، فيقول: ‘وعسى أن تكون هذه المجموعة الطيبة بالنسبة لأولئك الذين لا يعرفون إلاّ اللّغة التي كتبت بها قصائدها، رسالة نيّرة ترشق أذهانهم بصور من واقعنا الحضاريّ الذي نعتزّ به كلّ الاعتزاز’.

تبدو هذه التجربة أقرب إلى فكرة الفن للفن لكنّها مشغولة بأدوات الحياة، والمعاناة، والألم، ويشكّل ذلك من وجهة نظري، المفهوم الأقرب لنظرية الفن للفن، التي لاتعني العدميّة أو اللامبالاة، ولا تقف ضد الواقع، بل ضد الالتزام الذي ظهر بشكل مؤدلج ومتطرف في مرحلة من مراحل الفنّ.

في هذا الديوان، يترجم كلّ من المبدعَين للآخر، فاتح المدرّس يكتب بالعربية قصيدة نثر، فيترجمها شريف خزندار للفرنسيّة، وشريف يكتب نتفة من الشعرالحرّ بالفرنسيّة، ويترجمها فاتح للعربية. لكن هناك النصّ الآخر، الذي يرسمه فاتح المدرّس، إنّه التشكيل الذي يحتاج إلى قراءة أخرى، ولاسيّما الصورة المكرّرة للبدوية التي تعتمر هلالاً، مرّة مقلوباً، ومرّة مفتوحاً إلى السماء.

الديوان مطبوع بخط المؤلفَين، وبرسوماتهما، وبعبثهما، و بشجنهما، وبأحلامهما، وما يضمّه هو بعض من سورية التي علينا أن نعرفها، بعيداً عن سورية الأخرى التي يصنعها إرهاب مدعوم بمقولات نظرية لمفكّرين وناشطين، ليس لهم من التفكير والنشاط سوى صيغة (اسم الفاعل). وعموماً التفكير ليس دائماً جميلاً، وكذلك النشاط، وذلك وفاقاً لرؤية سقراط عن الجميل والجيّد، فالتفكير جميل حينما يكون تفكيراً في الأشياء الجيّدة، لكن حينما يفكّر المفكّر في القتل، فهو قاتل وليس مفكّراً، وعليه أن يتذكّر أنّ المخزون الاحتياطي الثقافي السوريّ لن ينفد قبل نفاد النفط من المنطقة، وتلك الأخيرة نبوءة علميّة جيولوجيّة، لا مجرّد تأمّل أو رغبة شخصيّة.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى